الجزائر ـ «البيان»: ما يميز المطربة الجزائرية جهيدة هو تمسكها باتجاه الأغنية الأصيلة في وقت غير العديد من المطربين والمطربات أساليب الغناء بدعوى العصرنة والتطور حينا وبدعوى «الجمهور يحب هذا» حينا آخر. وهي وإن لم تحقق الأرباح المادية مثلما فعل من هم أقل منها خبرة في الفن والموهبة إلا أنها تحظى بحب الجمهور وتقدير الوسط الفني، وتؤمن بأن الناس يهتمون بمستوى العمل ولا يسألون عن المدة التي استغرقها تحضيره حيث عمرها الفني يزيد على عشرين سنة وكانت سفيرة الأغنية الجزائرية في أكثر من خمسين مهرجانا دوليا ومع ذلك تعد أشرطتها الغنائية على أصابع اليد الواحدة. وصدر آخر مولود فني لها نهاية الشهر المنصرم و يحمل توقيعات الفنان الجزائري الكبير بلاوي الهواري، كما يعكس الشريط أيضا تجربة جهيدة في مجال التلحين وهي التجربة الأولى في عمرها الفني في هذا المجال. «البيان» التقت الفنانة جهيدة بالجزائر العاصمة وهي بصدد إتمام إجراءات تسويق شريطها الجديد فكان هذا الحديث. غيابك طال ـ طال غيابك في السنوات الأخيرة عن الساحة الفنية فما هي الأسباب؟ ـ كل ما في الأمر أنني أؤمن أنه على المطرب أن يهتم بالعمل ويتفانى في ذلك، وألا يظهر إلا بالجديد .وقد كنت مشغولة بإعداد شريطي الأخير والذي تطلب وقتا وجهدا كبيرين، والآن وقد أنجزته قررت العودة الى الساحة الفنية مع أنني لم أغب نهائيا عنها فقد كنت كل مرة أحيي الحفلات الغنائية ولا سيما في المهرجانات والحفلات الخاصة بالمناسبات الوطنية. ـ وماذا عن شريطك الجديد؟ ـ الشريط يحمل ست أغنيات تعاملت فيه مع الملحن الكبير بلاوي الهواري والمطرب الفنان رابح درياسة كما قمت بكتابة وتلحين أغنيتين وهذه أول تجربة من نوعها في حياتي الفنية. ـ لكن ألا ترين أنه من الأفضل للمطرب أن يهتم بالأداء بدل التفكير في كتابة الكلمات والتلحين لا سيما وأننا نعيش عصر التخصصات في كل المجالات؟ ـ لدي عشرون سنة في مجال الغناء تعاملت مع كثير من الشعراء والملحنين، ورأيت أن لي إحساسا فنيا وقدرة في كتابة الكلمة كما أحسن التلحين والأداء فوظفت قدراتي في إنجاز أغنيات من كلامي وتلحيني، وقد عرضت ذلك على المختصين فرحبوا بالفكرة وشجعني الأستاذ بلاوي الهواري كثيرا وطلب مني المضي في العمل، ثم إنني لا أفهم ما المانع أن يؤدي المطرب ألحانه إذا كان يتمتع فعلا بموهبة في مجال التلحين بيد ان هذا لا يعني أنني سأغلق باب التعامل مع الملحنين والشعراء. وضع غير طبيعي ـ لكن ألا تعتقدين أن الأغنية الجزائرية تعيش وضعا غير طبيعي لما صار المطرب في أغلب الحالات هو الملحن وكاتب الكلمات والمؤدي معا؟ وأن المستوى الفني تأثر لذلك كثيرا؟ ـ أنا لا أقول إنه على المطرب أن يدخل مجال التلحين أو كتابة الكلمة على حساب وظيفته الأساسية التي هي الأداء والتطريب،فالمطرب يعتمد أساسا على الصوت والأداء الجيد لكن لا بأس أن يستغل إمكانياته في التلحين أو الكتابة بعد تجربة وطول ممارسة . وأشاطرك الرأي أن كل من هب ودب صار يكتب اليوم ويلحن مع أنه لا يملك أبسط تقنيات وقواعد ذلك، الأمر الذي أساء الى الأغنية الجزائرية. ـ لماذا يتكرر الثنائي بلاوي الهواري وجهيدة كثيرا في الأغنية الجزائرية؟ ـ تعاملت مع ملحنين ممتازين سواء داخل الجزائر أو خارجها لكن في مشواري الفني الممتد عبر عشرين عاما تعاملت أكثر مع الأستاذ بلاوي الهواري، وأديت له أربع عشرة أغنية، وهو الملحن الوحيد الذي يقدم لي ألحانا على قدر طاقاتي الفنية والصوتية، وتعاملت معه في ألوان غنائية مختلفة منها الحزين والسعيد والأغنية العاطفية والاجتماعية والأوبرات. أزمة أغنية ـ وهل ترين أن الأغنية الجزائرية في أزمة؟ ـ المشكلة التي نعيشها تتمثل في ظهور الأغنية الشبابية التي انصرف إليها المنتجون على حساب الأغنية النظيفة والأصيلة مسببين أزمة فنية حقيقية، وفي غياب الرقابة صار كل كلام يغنى والألحان فيها مسخ وسرقة. ـ ومع كل هذا الأغنية الجزائرية قوية الحضور عربيا ودوليا يكفي أن نذكر ما حققه الشاب خالد ومامي وفضيل. ما ردك؟ ـ ما حققه الشاب خالد ومامي إنجاز كبير يؤكد عراقة فن الراي بالرغم من أنهما يميلان أكثر الى الريتم الغربي على حساب أصالة الراي الذي يبقى فنا جزائريا محضا له جذوره القديمة في الفن الجزائري بعيدا عن المؤثرات الفنية الحديثة. ـ ألم يغرك نجاح مطربي الراي بالاتجاه الى هذا اللون الغنائي ولا سيما أنك ابنة وهران مهد الراي؟ ـ أبدا أنا ما زلت وفية لاتجاهي الفني الذي بدأته منذ السبعينيات ولي جمهوري الذي يحب هذا النوع، حتى وإن كان الراي حقق نجاحا يغري كل الفنانين كما قلت. والمطرب الذي يكون مثلما يقول التعبير الشعبي الجزائري كذيل الديك يغير اتجاهه باتجاه الريح لا خير فيه وليس مطربا أصيلا. فأنا لا يمكن أن أغير جلدي لأن ذلك مجازفة كبيرة، والدليل ان هناك مطربات جزائريات حاولن مسايرة الأغنية الشبابية ولا سيما الراي وتنكرن للاتجاه الذي عرفن به في البدايات ففشلن فشلا كبيرا حيث لم يظفرن لا بعنب الشام ولا ببلح اليمن. ـ أرى أن ما تسمينه الاتجاه الأصيل في الغناء صار ارتياده صعبا قد تنقلْتِ الى مصر من أجل ذلك لكن يبدو أن الرحلة لم تكن موفقة كما ينبغي؟ ـ هنا ينبغي توضيح بعض المسائل، فقد تنقلت الى مصر عام 1994 وكان ذلك بهدف تعميق تجربتي وثقافتي الفنية. وقد أجريت مسابقة صوتية في اتحاد الإذاعة والتلفزيون بحضور أسماء لامعة في عالم الفن مثل الشرنوبي والحفناوي وحلمي بكر ومحمد قابيل ونجحت كمطربة أولى من بين مختلف الأصوات التي جاءت من مصر وبلدان عربية أخرى، وأنا الآن مطربة معتمدة في مصر، وقد مكنتني تلك التجربة من الاحتكاك مع عمالقة الفن العربي مثل الشريعي والشرنوبي، ولم أكن أهدف للبقاء في مصر أو صنع اسم فني هناك فأنا ست بيت ولدي التزامات اجتماعية قبل كل شيء. وشاح فيروز ـ كانت لك محاولة إنجاز شريط غنائي بمصر لكنه لم ير النور فما السبب؟ ـ لقد كان هناك اتفاق بشأن تسجيل شريط غنائي، وقدم لي الشرنوبي والشريعي ألحانا، واتفقنا مع شركة خاصة بالقاهرة حول انتاج الألبوم، لكن مثل هذا المشروع يتطلب وقتا وصبرا، وهو ما لا يسمح به وضعي فقررت العودة وفسخت العقد عن طريق السفارة وزهدت في المشروع رغم قيمته الفنية الكبيرة. تلقبين بفيروز الجزائر هل هذه التسمية بهدف الدعاية ؟ وهل تغريك الألقاب الفنية؟ ـ كان الصحفي السوري أمين الخياط أول من أطلق علي هذه التسمية وكان ذلك في مهرجان ببيروت حيث أديت فضلا عن أغنياتي أغاني للسيدة فيروز والمرحومة اسمهان، وأنا فخورة بهذا اللقب الفني، حتى وإن كان مجرد التشبه بالسيدة فيروز صعب المنال فهي قامة فنية متفردة ولها وجودها الفني المميز ومكانتها الكبيرة. وكنت منذ الصغر عاشقة للسيدة فيروز كما أنني شاركت في برنامج «ألحان وشباب» لاختيار الأصوات الواعدة بأغنية زهرة المدائن، وقد انطبع أدائي بلونها الغنائي وهذا وشاح فخر أعتز به. ـ كنت قبل سنوات إحدى سفيرات الأغنية الجزائرية فكيف تقيمين تلك المهمة؟ ـ شاركت في مهرجانات عربية كثيرة في ليبيا وتونس ومصر وسوريا ولبنان، كما غنيت في الإمارات العربية المتحدة وكان الجمهور ذواقا وأقمت حفلات ناجحة، ولا سيما أن الأغنية التي أؤديها تميل الى الأغنية الشرقية. كما أن التبادل الثقافي والفني مهم للغاية لأنه يقرب بين الجمهور العربي والطباع الغنائية العربية العديدة ، وقد عملت الفضائيات العربية على تحقيق هذا التقارب فاليوم من السهل أن يقدم المطرب العربي حفلات ناجحة في أي بلد عربي. ـ لكن الاتجاه الغنائي الذي يعرف بالغناء النظيف وأحيانا الأصيل لايلقى رواجا في الجزائر مثلما هو حال الأغنية الشبابية و الراي بصفة خاصة أليس كذلك؟ ـ مهما قيل فإن للأغنية الأصيلة جمهورها، والمسئول الوحيد عن تدني الذوق هو الفنان، فمن حق الفنان أن يطور أغانيه وأن يكون الريتم سريعا وخفيفا، لكن دون المساس بروح الطرب، والأكثر من هذا لابد أن يكون الكلام نظيفا، فوظيفة الفن أيضا التهذيب، ولكل فنان أخت وأم وأب وربما أبناء، وعليه أن يفكر في أغنية تصلح لأسرة ومجتمع، فأنا أؤدي أغنية تلتزم بهذه المقاييس وتقبلها الجمهور وسأستمر في هذا الاتجاه الذي يحترم الجمهور والمجتمع الجزائري ولا تغريني الأغنية التجارية أبدا.