يعتبر الألم مشكلة عالمية قديمة قدم التاريخ يعاني منها البشر والحيوانات، وهناك من يقول ان النباتات بل وحتى الجراثيم تتألم ايضاً. لكن بالنسبة لنا نحن البشر لم يعد احد منا، مضطراً، هذه الايام للصبر على الالم، لأن هناك اليوم اساليب وطرقاً عديدة لتسكينه ابتداء من الاعشاب الطبية والعقاقير الدوائية الى الحلول الجراحية والعلاجات المتممة. ولا يعرف احد من الذي قام لأول مرة باستخلاص العصارة اللبنية من نبات الخشخاش وتركها تجف لتصير مادة صمغية شبيهة بالعلكة. لكن في كتاب «ايبرس بابيروس» الذي يعود لعام 1550 قبل الميلاد ويعتبر اول كتاب طبي تعليمي في التاريخ، ورد ذكر الافيون المستخرج من الخشخاش كعلاج يعطى للأطفال عندما يبكون بشكل متواصل. وبحلول القرن السادس عشر للميلاد اصبح اللود نوم ـ مستحضر سائل من الافيون والكحول ـ شائع الاستخدام في انحاء اوروبا بوصفه دواء لكل داء. واليوم هناك قيود صارمة على استخدام المستحضرات الافيونية لتسكين الالم، لكن في بريطانيا، ينفق الناس حوالي 200 مليون دولار على المسكنات التي لا تحتاج الى وصفة طبية مثل البراسيتامول. وتعمل المسكنات باحدى طريقتين. الاولى تعتمد على ايقاف انتاج اشارات الالم في موقع الانسجة التالفة او الملتهبة او المجهدة، والثانية تعتمد على اعاقة عملية انتقال اشارات الالم الى الدماغ. وبلغة الاصطلاحات الطبية فإن المسكنات اما تعمل موضعياً او مركزياً (اي على الجهاز العصبي المركزي). ان اهم فئة من المسكنات التي تعمل موضعياً هي «العقاقير الاستاويدية المضادة للالتهاب» او اختصاراً (نسايد) والتي تتضمن الاسبرين والايبوبروفين. وتعمل هذه العقاقير باعاقة عمل الانزيم الذي يحتاجه الجسم لصنع هرمونات تدعى بروستا جلاندينات. وبما ان هذه الهرمونات هي التي تساعد على ايجاد الالم والالتهاب، فإن ايقاف انتاجها يسكن الالم. وتستخدم هذه الزمرة من العقاقير المسكنة لجميع انواع الآلام الثانوية، الصداع وآلام الاسنان، وتستخدم ايضا، لكن بجرعات اكبر لتسكين الالم المزمن والتهاب المفاصل. اما المسكنات التي تعمل على الجهاز العصبي المركزي فهي المستحضرات الافيونية والمستحضرات الافيونية التركيبية الصناعية والتي تمثل الزمرة الرئيسية الثانية في المسكنات. المورفين والكودين يوجدان بشكل طبيعي في عصارة الافيون في حين ان الهيروئين والفنتانيل مستحضران افيونيان صناعيات. وواقع الامر ان الهيروئين يتفكك في الجسم الى مورفين ولذلك فهو مسكن قوي للألم. ويعتبر المورفين هدية رائعة من الطبيعة. فهو المعيار الطبي الذهبي للمسكن القوي الذي يهدئ الالم ويتعامل مع المعاناة العاطفية ايضاً، عن طريق تخفيف حدة الحصر النفسي الذي يترافق مع الالم الجسماني الشديد. ويمكن اعطاء المورفين عن طريق الفم او الحقن او على شكل تحاميل شرجية، الامر الذي يجعله قابل للتكيف مع العديد من الحالات الطبية. ويلجأ الاطباء الى استخدامه في الآلام الشديدة المترافقة مع حالات السرطان والنوبات القلبية والحروق وبعد العمليات الجراحية. لكن المورفين ليس واسع الاستخدام، كما يمكن له ان يكون، ذلك الى حد كبير بسبب خشية الاطباء والمرضى على حد سواء من الادمان. وفي الحقيقة ان الاشخاص الذين يتلقون المورفين كعلاج نادراً ما يقعون تحت طائلة الادمان. ففي دراسة قام بها خبير الالم رونالد ملزاك، من جامعة مكجيل الكندية وشملت اكثر من 10 آلاف مريض يتلقون المورفين، فإن 22 منهم فقط ادمنوا استخدام العقاقير فيما بعد وتبين ان هؤلاء كانت لهم مشكلات مع المخدرات قبل العلاج. وهناك مخاوف ايضاً من انه حالما يبدأ المريض بتناول المورفين سيصبح جسده قادراً على تحمله وهذا يجعلهم بحاجة الى جرعات تشير الى ان 5 بالمئة فقط من المرضى يعانون من هذه المشكلة. وعلى مدى سنوات طويلة لم يكن احد قادراً على فهم كيفية عمل المورفين الى ان اكتشف عالما الدماغ الامريكيان سلومون سيندر وكانديس بيرت، من جامعة جونز هوبكنز، ان جزيئات المورفين تثبت نفسها على مواقع النخاع الشوكي، اطلق عليها اسم «متلقيات المستحضرات الافيونية التركيبية، وبذلك فهي تتدخل في عملية انتقال رسائل الالم. وهذا الالتحام الكيميائي مسئول عن الطريقة التي يغير بها المورفين ادراك الدماغ للألم. اذ يعرف المرضى ان الالم لايزال موجوداً لكنه لا ينزعج منه بنفس الطريقة. لكن بعض انواع الالم تستجيب بشكل افضل لعقاقير لا تندرج مع المسكنات بالمعنى الدقيق للكلمة، ومن هنا نجد الاطباء يصفون احياناً العقاقير المضادة للصرع للمرضى الذين يعانون من آلام عصبية ومضادات الاكتئاب للمرضى الذين يعانون من صداع مزمن. وكذلك فإن العديد من المرضى يقولون ان الحشيش (المخدر المستخرج من القنب الهندي) هو العقار الوحيد الذي يسكن آلام مرض التصلب المضاعف. الذي يصيب الدماغ والجهاز العصبي المركزي، لكن من المؤسف ان استخدام الحشيش طبياً لايزال غير قانوني في بلدان مثل بريطانيا على الرغم من ان الجمعية الطبية البريطانية تطالب منذ فترة برفع الحظر عنه. الا ان العقاقير ليست الطريقة الوحيدة للسيطرة على الالم، فالاطباء الصينيون يستخدمون اسلوب الوخز بالابر لعلاج الالم منذ اكثر من 2000 عام. ويعتمد هذا الاسلوب في العلاج على اقحام ابر دقيقة الى اجزاء محددة من الجسم، ويمكن ان يكون فعالاً جداً حتى ان بعض المرضى خضعوا لعمليات جراحية تحت تأثير الوخز بالابر بدل التخدير. ولم يفهم العلماء بعد على وجه الدقة آلية عمل الوخز بالابر. من المحتمل ان الوخز يؤدي الى تمرير انزيمات الاندروفينات التي تعتبر المسكنات الطبيعية في الجسم. او ربما يؤدي الى اغلاق «بوابات» الالم في النخاع الشوكي بطريقة او بأخرى. ومن الطرق الاخرى التي ربما تكون فعالة في تسكين الالم تقنيات تعتمد على علم النفس مثل صرف انتباه وتركيز المريض من الالم الى اشياء اخرى والعلاج الادراكي والتخيلات الموجهة. وتتعامل هذه الاساليب مع المحتوى العاطفي للدماغ. ويشير تنوع وتعدد الطرق العلاجية المتبعة لمجابهة الالم الى مدى تعقيد تجربة الالم التي تكاد تكون عارضاً روتينياً في الحياة اليومية للبعض في حين انها تشكل كابوساً رهيباً عند الاشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة.