كان بات دالارد يحملق بنتيجة أربعة أعوام من العمل الشاق، جسر مشاة يمتد بطول 328 متراً عبر نهر التايمز في لندن بتكلفة بلغت 18 مليون جنيه استرليني. وكان من المفترض ان يكون الجسر بمثابة رمز للألفية الجديدة، فهو عمل هندسي جميل وانيق حتى ان مصمميه اطلقوا عليه اسم «شفرة الضوء» لكن دالارد، الذي يعمل مهندساً لدى شركة الاستشارات العمرانية «أروب»، كان يشعر بشيء من الغثيان، فافتتاح جسر الألفية لم يمض على خير ما يرام، حيث مضى الجسر يتأرجح بقوة. كان ذلك في العاشر من يونيو العام الماضي، وبعد يومين فقط تم اغلاق الجسر أمام حركة الجمهور. ومن خلال الفحص المكثف فيما بعد، تبين ان المهندسين في شركة «أروب» قد ارتكبوا خطأ فادحاً أثناء بنائه، وهو خطأ يعترفون الآن بأنه جعل الجسر خطيراً. والآن بعد مرور أكثر من تسعة شهور، وبعد العديد من التجارب الفاشلة، يبدو انهم مقتنعون أخيراً بقدرتهم على اصلاح الخلل الموجود فيه. ويبدو الأمر مثيراً للسخرية ان نكون في بداية القرن الحادي والعشرين ولا يمكننا بناء جسر للمشاة يكون آمنا للمرور فوقه. بل والأسوأ من ذلك هو ان جسر الالفية قد لا يكون سوى غيض من فيض، فقد تبين ان هناك جسوراً اخرى في العالم تعاني من المشكلة نفسها. واحد هذه الجسور يبلغ عمره اكثر من مئة عام. فكيف يمكن لهذا الخلل الجوهري ان يفوت على المهندسين طوال هذه السنين؟ وماهي العواقب بالنسبة للجسور الاخرى في العالم؟ وهل حان الوقت لكي يقوم المهندسون المدنيون باعادة تقويم طريقة عملهم قبل ان يتأذى أحد؟ أسئلة عديدة قد تجد الاجابة في قصة جسر الالفية الذي برزت فكرة انشائه في عام 1996 عندما اطلقت صحيفة «فايننشيال تايمز» ومجلس ساوثوارك بورو في لندن منافسة لتصميم جسر مشاة جديد عبر نهر التايمز. وكان التصميم الفائز من نصيب اتحاد شركات مؤلف من شركة أروب الهندسية الاستشارية والمهندسين المعماريين فوستر وشركاه والنحات انتوني كارو. وكان من المفروض ان يقطع الجسر نهر التايمز من نقطة قريبة من كاتدرائية سان بول إلى الضفة الجنوبية خارج جاليري الفنون «تيت موديرن». في الجسر القياسي المعلق، كان يمكن ان تؤدي كوابل الاسناد إلى حجب المناظر عن المشي فوق الجسر. ولهذا السبب اختار الفريق تصميماً غير مألوف منخفض الارتفاع. ويتألف من ثمانية كوابل فولاذية ممدودة عبر النهر، اربعة من كل جانب فوق دعامتين على شكل حرف «واي» الانجليزي مغروستين في قاع النهر. وهناك مراس اسمنتية مغروسة بعمق 25 متراً في ضفتي النهر، بهدف امتصاص الضغط الهائل الواقع على الكوابل. وفي النهاية، تم وضع الواح من الألمنيوم والفولاذ بين مجموعتي الكوابل. ويقول روجر ريدسديل سميث، مدير مشروع الجسر في شركة «أروب»: «كان لدينا تصميم بسيط ورائع، وذلك هو بالضبط ما كنا نسعى اليه في جسر يمثل الألفية». بدأت اعمال البناء في الجسر في ابريل من عام 1999، وفي يونيو اللاحق، اصطف الألوف على ضفاف نهر التايمز متلهفين لتجربة احدث معبر نهري في العاصمة. وكان ريدسديل سميث قد وصل مبكراً لكي يشهد افتتاح الجسر. وما ان تدفق الجمهور على الجسر، حتى بدأت التأرجحات، واضطر المشاة إلى الامساك بالدرابزين للحفاظ على توازنهم. كانت تلك الحادثة بمثابة نكسة لبريطانيا التي كانت ستفاخر بهذا الصرح الكبير، الذي يفترض ان يليق بالألفية الجديدة. وكان الأمر أكثر من فاجعة بالنسبة للمهندسين الذين صمموا الجسر واشرفوا على بنائه والنتيجة كانت اغلاق الجسر امام حركة المشاه والبدء باجراء تجارب وفحص دقيق لمعرفة أسباب التأرجح ومحاولة الوصول إلى حل للمشكلة. وقد أظهرت التجارب والاختبارات التي تضمنت نصب كاميرات فيديو على الجسر ووضع مجسات في أسفل أحذية المشاة ان تصرف الاشخاص وطريقة مشيهم على الجسر ساهمت في زيادة تأرجحه. لكن هذا لا يعني ان التصميم غير مسئول عن الخلل الذي حدث، فقد كان يتعين على المصممين ان يأخذوا هذا الأمر بعين الاعتبار منذ اللحظة الأولى. وقد اتخذ المهندسون قراراً بوضع سلسلة من الهياكل الفولاذية مثلثة الشكل تكون معلقة تحت الممشى واقترحوا كذلك اضافة مانعات للارتجاج من اجل امتصاص الاهتزازات الرأسية. وتحتوي هذه المانعات على كتل موضوعة على نوابض وتعمل على اخماد الحركة الناجمة وأي ذبذبات رأسية وامتصاص طاقتها. ويتوقع ان تبلغ تكلفة هذه التعديلات خمسة ملايين جنيه استرليني، ويمكن ان تستغرق بضعة أشهر. لكن الخوف والقلق اللذين ينتابان العلماء والمهندسين يتلخصان في احتمال ارتكاب الاخطاء من جديد وبقاء المشكلة من دون حل. وهو ما يستدعي التنسيق على مستوى واسع بين المهندسين وتبادل الخبرات والتجارب على الصعيد العالمي، تماماً مثلما يحدث في المجالات الأخرى، لأن الحديث هنا يدور حول حياة البشر المعرضة للخطر. ضرار عمير