بيا ن الكتب : يعد «بول فيريليو» من اهم الفلاسفة المعاصرين في فرنسا، ليس فقط لكونه ابتكر مسالك جديدة في الفلسفة لم يسبقه اليها احد، بل لأنه دخل الفلسفة من باب اخر غير باب القضايا الفلسفية الكبرى، وقدم موضوعات فريدة وجديدة في الفلسفة الفرنسية، تناولت علاقات ووشائج لم تتطرق اليها الفلسفة الفرنسية ، من قبل كالسرعة وجماليات التلاشي والاضمحلال والعلائق بين السياسة والحقول الاخرى مثل الفيزيائيات والبصريات والطبيعيات وسواها. وكتب كتباً كثيرة كان لها وقعها الخاص في الساحة الثقافية الفرنسية، مثل: السرعة والسياسة 1977، الافق السلبي 1984، الفضاء النقدي 1984، جمالية التلاشي 1989، العطالة القطبية 1990، شاشة الصحراء 1991، سرعة التحرير 1995، ومشهد الاحداث 1996 وغيرها. اضافة الى انه يكتب باستمرار في مجلة «فكر» الفرنسية وجريدة «لوموند دبلوماتيك» ورديفتها «وجهة نظر» التي تصدر كل شهرين. وتعود نشأة فيريليو الى باريس ثلاثينيات القرن العشرين، حيث ولد فيها عام 1932، واخذ وعيه للعالم بالتشكل وانظار من حوله من بشر تتجه الى الخطر القادم من المانيا الصاعدة، وحين جاءت الحرب معها، فانها ستحفر عميقاً في وعي فيريليو الطفل، فهو يقول في المقابلات معه ان فكرة جمالية التلاشي ولدت مع قصف الطائرات الالمانية لمدينة نانت الفرنسية وما الحقه هذا القصف من دمار وخرائب، ويعزو مترجم هذا الكتاب (حسان عباس الدكتور المحاضر في المعهد الفرنسي للدراسات في دمشق) تمركز ابحاث فيريليو حول مسائل التفتت والخراب الشامل والخوف من المستقبل الى كونها صدى الرعب الذي طبع سنوات طفولته. ولم يتخلص فيريليو من كابوس الحرب، بل سكنت تأملاته الفلسفية، حيث لم يترك مجالاً يسكنه الفوات الا ويجعل منه ميداناً للبحث والتنظير، فهو اول من نظر للسرعة وللافتراضية وللحظية ولفناء العالم. تنتمي فلسفة فيريليو حسب النقاد الفرنسيين، وهو ما يشير اليه المترجم في مقدمته، الى الفلسفة التشاؤمية، او الكارثوية، حيث انه حين يستذكر تاريخ قضية ما فإنه ينبه الى ما سيحمله الافراط والتمادي فيها من تهديدات وكوارث. ويتناول فيريليو في موضوعاته الفلسفية مفاهيم مثل السرعة والافتراض واللحظة الراهنة وفناء العالم ونبوءات التشاؤم والتلاشي، ويربطها بالمفاهيم الاجتماعية والسياسية وما ينشأ عنها من علائق بدءاً من العصر اليوناني القديم الى عصر الفروسية ثم عصر الصناعة والتقانة وصولاً الى العولمة. ويبين فيريليو ان مفهوم السرعة اخذ في ميادين الحروب الحديثة مظهراً تجلى في فعالية معطيات رقمية واصوات يتحكم فيها بشراً غير مرئيين، واول مثال على ذلك هو حرب الخليج الثانية التي قادتها دول التحالف بزعامة امريكا ضد العراق، وشكلت هذه الحرب، وما شاهدناه من خلالها تواطؤ وسائل الاعلام مع مركز القوة العسكرية، صورة اولية عن الخطر الكبير الذي يتهدد قيم الديمقراطية وحقوق الانسان بل يتهدد البشرية بأكملها. ويتناول فيريليو في هذا الكتاب الآلية التي يتم من خلالها تغييب دور العين في عملية الرؤية والابصار، ويرجع ذلك الى دور التقنيات البصرية وتطورها المطرد بدءاً من العدسات المقومة المستخدمة في النظارات وحتى اخر الاختراعات التي تحاول الاحلال محل العين في القراءة والابصار. اذن فنحن نعيش في وقت يجري فيه الاستعداد لتأليل الادراك ولاختراع ابصار اصطناعي ولإنابة آلة للقيام بتحليل الواقع الموضوعي، اذن يطلب فيريليو باعادة النظر في طبيعة الصورة الافتراضية، في ذاك التصور الذي لا يفترض حاملاً ظاهراً ولا يتطلب اي ثبات سوى ثبات الذاكرة البصرية الذهنية. ويرى ان نظام التصور الذهني يتغير، حيث يجري الحديث حالياً عن اشياء ذهنية، اذ لم تعد القضية محصورة بالصور الذهنية، انما باتت تخص الصور الافتراضية الادواتية للعلم وطبيعتها العلمية. وفي مجال التصور الرقمي فيما توفره البصريات الالكترونية من ابصار اصطناعي، كالجمع ـ الخلط الحساني للواقعي وربما للعملياتي والافتراضي وغلبة الواقع المصطنع على الواقع الحقيقي، كل ذلك يحيلنا الى زمن اتمته الادراك الذي لا نستطيع فيه التوصل الى فهم الابصار دون نظر، وعليه فإن الاستراتيجية الجديدة تتجسد في «ماكينة الابصار» التي ستستخدم الصورة المصطنعة والقدرة على التعرف الاوتوماتيكي على الاشكال وليس فقط على حدودها الظاهرة او على اطيافها، وتكوين قدرة على انتاج ابصار بدون رؤية، وهكذا يصبح العمى اخر شكل للتصنيع: تصنيع عدم الرؤية. لكن عندما تنتظم الرؤية وعدم الرؤية في علاقة تبادلية، حيث يشترك الظل والضوء في الابصار المنفعل لعدسات التصوير السينمائي، فإن مفاعيل التظليل والاضاءة تغير من طبيعتها المرئية لصالح التكثيف، تكثيف ما هو في الواقع والذي ليس غير تسريع للفوتونات. وعليه فإن الصورة تصبح تفسيراً مبتذلاً لما تقوم به ماكينة الابصار، اما الصورة بالنسبة الى الحاسوب فهي متوالية من الذبذبات المرمزة التي لا نستطيع تخيل شكلها لأن ارتداد الصورة نفسه غير ممكن في اتمتة الادراك. ويتساءل فيريليو عن امكانية وجود شكل ثالث للطاقة، فنحن نعرف الطاقة الكامنة (بالقوة) والطاقة الحركية (بالفعل)، اما طاقة الحركة المجردة، وهي طاقة صورية، وتنتج من اندماج البصريات التموجية مع علم الحركة المجردة النسبي، فانها تعبر عن طاقة بالصور، وتوضح معنى المصطلح العلمي الذي لايزال موضع جدل، وهو مصطلح الطاقة الملحوظة. اهي ملحوظة ام هي طاقة الملاحظة، فاذا كانت الصورة تتغلب على موضوعها، بل وعلى الكائن المتمثل فيها، واذا كان الافتراضي يتغلب على الحادث، فانه يجب علينا ان نتساءل مع فيريليو عن مختلف اشكال التمثيل الفيزيائية، وان نحلل عواقب الزمن المكثف عليها، حيث يفترض فيريليو ان عصر الزمن الممتد يبرر منطقا جدلياً عبر تمييزه الواضح ما بين الكامن والحادث، ويفترض عهد الزمن المكثف حلاً لمبدأ الواقع عبر اخضاعه الى اعادة نظر وتصحيح. وهذا يوضح مدى اسهام النمط الثالث من الطاقة «حسب فيريليو» في تغيير تعريف الحقيقي والمجازي، لأن مسألة الواقع تغدو مسألة مسار الفاصل الضوئي وليست مسألة الموضوع او الفواصل الزمانية والمكانية. هكذا يقود التحليل الى تجاوز غير متوقع للموضوعية، فبعد كائن الذات وكائن الموضوع، يكشف الفاصل الضوئي عن كائن المسار. ويحدد كائن المسار هذا ما هو ظاهر او بشكل ادق ما هو وراء الظاهر للشيء الموجود، ويقود ذلك الى التساؤل العملي عن امكانية ان تلغي الفيزياء الجديدة الواقع، ويجيب فيريليو بالنفي القاطع، ويؤكد انها تجد حلاً، بمعنى ايجاد دقة اكبر للصورة. واذا كانت الصورة، سمعية او بصرية، تمظهراً لطاقة او لقدرة مهولة فلابد ان يكون اكتشاف الثبات الشبكي امراً اكثر من مجرد الانتباه الى التأخر الحاصل في اثر الصورة على شبكية العين، لابد انه اكتشاف لتوقف على الصورة، وهذا يذكرنا بتدفق الزمن الذي لا يتوقف، اي الزمن المكثف للبصيرة الانسانية. وفي الختام لابد من الاشادة بترجمة الكتاب التي لا شك ان المترجم بذل جهوداً كبيرة فيها بغية ايصال افكار هذا الفيلسوف المتعمق في الفلسفة وفلسفة العلم الى القارئ العربي، وحاول المترجم كذلك تسهيل تلقي افكار الكاتب من خلال اهتمامه بلغة سلسة، ومن خلال الاهتمام بترجمة دقيقة للمصطلحات والمفاهيم الواردة في هذا الكتاب. عمر كوش