بيان الكتب : عرف العالم والعرب المؤرخ الامريكي توماس طُمسن من خلال كتابه «تاريخ بني اسرائيل المبكر» الصادر عام 1992، سعى طمسن في هذا الكتاب الى إعادة النظر في قصص التوراة حول تاريخ فلسطين القديمة، محاولاً إعادة بناء تاريخ هذه المنطقة اعتمادا على الأدلة الأثرية وتاريخية الأحداث والقصص والروايات الواردة في التوراة، نافياً في الوقت نفسه ان يكون التوراة كتاباً تاريخياً. طروحات طمسن هذه اثارت ردود فعل واسعة من قبل الأوساط الأكاديمية والعلمية في الغرب ولاسيما في الولايات المتحدة، الا انه واصل بحثه في مجال الدراسات الكتابية «التوراتية» حيث ظهر جيل من العلماء الغربيين المحدثين في مجال تاريخ فلسطين القديمة واثارها، وقد صدرت مؤخرا الترجمة العربية لكتاب طمسن: «الماضي الخرافي: التوراة والتاريخ» عن دار قدمس بدمشق. في هذا الكتاب وعبر خمسة عشر فصلا وعلى امتداد 620 صفحة يذهب طمسن لا الى نفي تاريخية التوراة فحسب بل الى التأسيس لتاريخ جديد لفلسطين القديمة واقوامها الكثيرة، تاريخا للأقوام والاقاليم التي تجاهلتها التوراة لصالح بني اسرائيل ومن ثم اليهودية التي شكلت لاحقا اطارا لبناء كيان اسرائيل. بدأ مسار البحث عند طمسن بالشك والأسئلة، الشك في تاريخية قصص التوراة ورواياتها وصولاً الى الاصول، اصول الآباء الأولين وما نسب اليهم من اعمال واحداث وأقوال. أصول الأحداث وحقيقة ما حصل وعلاقة كل ذلك بالسياق الكتابي للتوراة وتضخيم الأمور بشكل اسطوري وملحمي خدمة لبناء الكيان وتدعيم سياقه، في حين تركزت الأسئلة حول الطريقة التي وظفت بها الدراسات المتخصصة بتاريخ فلسطين والشرق القديم، وحول اسباب اختلاق تاريخ مصطنع لهذه المنطقة، وفي الخلط بين ما هو ايماني كما ورد في التوراة وبين ما هو تاريخي حقيقي كماضي، وفي مكانة الكتاب وعوالمه الاجتماعية والتاريخية والادبية والفكرية واللاهوتية. ومن هذه الشكوك والأسئلة جعل طمسن من العهد القديم وعلاقته بتاريخ فلسطين واقوامها ميدانا للبحث العلمي، معتمدا على علم الاثار والأدلة المحسوسة، ليصل في النهاية الى القول بان التاريخ المكتوب ليس هو الماضي، الماضي المعاش باحداثه وحقائقه واقوامه. ويرى طمسن بان علم الاثار اخفق في رفد التوراة بالأدلة حول ما ورد في القصص والروايات التي كتبت بقالب ادبي ولاهوتي، وان اضفاء التاريخية على بني اسرائيل دون غيرهم افقدنا رؤيتنا المركزية حيال تاريخ فلسطين وخاصة حيال الاقوام التي عاشت شمالي أورشليم ـ القدس، وبالتالي فان غياب التاريخ الحقيقي جعل من القصص التوراتية بمثابة تاريخ لفلسطين، وان عدم وجود معرفة تاريخية كافية بتاريخ فلسطين القديم بدا وكأن ما جاء في التوراة هو افضل تاريخ بل هو الماضي بحد ذاته في حين ان الحقيقية التاريخية غير ذلك. لقد ظل العهد القديم مرجعاً وحيداً للتاريخ القديم الى نهاية القرن التاسع عشر الى ان بدأ علم الأركيولوجيا يفعل فعله في كشف الحقائق التاريخية وربط الأحداث والعلاقات والصلات التي اشيدت بين الممالك الكثيرة والأقوام العديدة، ومع علم الاثار بدأت الأسئلة وعلامات الاستفهام تتوالى، كما بدأت الدراسات الكتابية تحتل موقعها الدراسي في حقل البحث والتحليل واستخلاص النتائج والتأسيس لطريقة تفكير جديدة حيال الماضي، طريقة تعيد الى الماضي تعدده وتنوعه لا أسره في سياقات محددة عرقية او دينية. لقد أكد علم الاثار ان مملكتي يهوذا واسرائيل كانتا مملكتين عاديتين كباقي ممالك فلسطين في الشمال والوسط والجنوب وليس كما يصورهما التوراة على انهما تمثلان كل تاريخ فلسطين، كما ان حوادث السبي الكثيرة لم تكن بهذا المستوى من الضخامة والحجم وانما جرت في سياق التناحر بين الممالك والأقوام او لجوء الامبراطوريات الكبيرة لاحقاً «الفرعونية، السورية القديمة، الآشورية، الفارسية...» الى تأديب المتمردين وحكام الاقاليم، وفي الوقت نفسه لا أدلة على الاستمرارية العرقية بين المنفيين والعائدين من السبي، وفي الأصل لم تكن العودة بالصورة الدرامية التي دكت الحصون وحطمت الأسواق ودمرت المدن قبل الدخول اليها منتصرين... ومن هذه المقدمات الدراسية وغيرها يرجع طمسن الفهم التوراتي لاسرائيل كقوم الى التطورات التي حصلت في المرحلة الفارسية «539 ـ 336» ق.م وصعود قوروش، ويرى بان مؤرخي التوراة نجحوا في اختلاق تاريخ مصطنع لفلسطين القديمة باسم تاريخ اسرائيل الذي هو في معظمه نتاج لثقافة اوروبا التي كتبته لذاتها ولغاياتها. وفي الواقع، بقدر ما تبدو طروحات طمسن تجديدية تمس الجانب اللاهوتي في التوراة، فانها تبدو اشكالية لا في تعارضها مع ما ورد في الروايات والقصص التوراتية بل فيما تذهب هذه الطروحات اليها وفيما تؤسس لها، على نحو هل هي ليبرالية جديدة ام امريكانية جديدة لغايات ومتطلبات المرحلة المقبلة؟!! اسئلة طمسن حول تاريخية التوراة كثيرة وتبدو مشروعة فهو في طروحاته يقترب من الثورية، ولكن في الوقت نفسه فان الاسئلة التي تطرح بخصوص طروحات طمسن كثيرة وفي كل الاتجاهات، ولعل اكثر الاسئلة مركزية تدور حول فيما يذهب طمسن الى التأسيس له؟! هدى كنعان