يشهد رواق الشارقة للفنون وجمعية الامارات للفنون التشكيلية ثلاثة معارض فردية مقامة ضمن فعاليات الدورة الخامسة للبينالي لثلاثة فنانين هم حسن شريف، محمد يوسف، وعبدالرحيم سالم ، وفي هذه التجربة الثلاثية ثمة ما يجعل الواحد منا يمضي في سياقات تحليلية عديدة ومتداخلة وخاصة ان الأعمال فيها الكثير من التميز والتجديد في تجارب الفنانين الثلاثة. حسن شريف يقدم مجموعة من تجاربه الجديدة التي يأخذنا فيها كما عودنا في أعماله إلى أمكنة مغايرة في التجربة الفنية عبر خاماته البسيطة من الكرتون والحبال وغيرها من الخامات التي يوظفها حسن شريف في كتل أرضية غير معنية أبداً بكل المفردات التي تجعل من العمل الفني مادة للتعبير السطحي، ومادة للفرجة التقليدية الكسولة. مجموعات الشريف هي احتيال حقيقي على الظروف القاسية للذهنية، وهي أشياء نرميها لتفاجئنا بعد حين انها تلتف حول أعناقنا تقيد حركتنا، وتفضح ميلنا اللامتناهي إلى تجاهل مفردات حياتنا اليومية، انها مفردات.. يمكننا لمسها، استنشاق رائحتها، تذوق طعمها وإعادة ترتيبها من جديد. إذن حسن غير معني بتلك الدهشة السحرية للعمل الفني، غير معني بأفقية الرؤية، وتحرك بؤرة البصر يميناً أو شمالا، عليك ان تنظر إلى الأسفل ان تحني رأسك للعمل التقني كما تفعل أمام قسوة الحياة أمام رب العمل، وأمام ديكتاتور، أمام ديونك، وأمام شمس الصحراء القاسية. هل يمكن القول ان كتل حسن الشريف هي دمامل على أجسادنا أو كتل دهنية أو حتى سرطانية في الداخل، أم هي أجساد ملتفة حول نفسها في الزوايا، أجساد خائفة من كل شيء، هكذا هي تجربة هذا الفنان، قراءة لا مألوفة الزمن، دخول في ايقاعية الكبير والصغير، فتنة الفن حين يتجرد من مفهوم الفن الساذج إلى الفن باعتباره كينونة العالم سطحه المجعد كمومياء مات جسدها وظلت روحها تنبض بالحياة. الفنان محمد يوسف يقدم لنا في تجربته ما يمكن ان نسميه إفراطا في الحنين والذاكرة، الذاكرة في كل شيء، في المعنى والمادة والشكل، شوق إلى البحر إلى سنوات اللؤلؤ، والغوص. ورغم ان يوسف شكل عمله في الفراغ إلا انه لم يتخل عن التشريح، يضعنا في العمق داخل الشكل تماماً ويترك لنا حرية البحث عن سطح الماء أو سطح الحقيقة. كم هي مفردات محمد يوسف جميلة، وكم هي متميزة في التعبير عن الخصوصية الثقافية والحضارية لمجتمع عاش الفنان فيه وظل مخلصا له ولعناصره الأولى. محمد يوسف يقول في تجربته الكثير عن قدرته وحرفيته، ويقول لنا: ها أنتم أمام البحر، وفي عمقه بذات الوقت، إنها باختصار تجربة تؤكد على ان عالمية الفن ليست إلا امتلاكاً للذات والخصوصية المحلية، وقدرة على حماية الذاكرة أمام كل الثقوب التي اخترقتها. إنه البحر، انه الملح الذي حمى أجسادنا انه القعر الذي سرق منا أهلنا، ومنحنا الحياة، انها الزرقة أمام بياض الرمل، واصفرار الخشب الطافي انه الفن الذي لا خيار أمامه إلا ان يكون في عمق الأنا والـ «نحن». وفي الوقت ذاته يأخذنا عبدالرحيم سالم برحلة مغايرة، يعيدنا إلى اللوحة إلى اللون والإبطاء، وكأنه بذلك يؤكد على قدرة هذه المساحة المحددة على قراءة العالم أيضا. أعمال عبدالرحيم سالم تجريدية بحتة، فيها حيوية اللون ورشاقة واضحة في تقاطع العناصر مع بعضها البعض، وانسجام المفردات اللونية، وخطوطه العشوائية التي يجره فيها جسد اللوحة. ألوان صارخة حيناً وهادئة حينا، شخوص حاضرة وغائبة بالوقت ذاته، لمسات وضربات تمنح العمل نبضه وتضخ في شرايينه الدماء الملونة، وتعطي تماسكاً متميزا للدراما التي نجدها في نبض الأعمال ويغيبها الفنان قاصداً في أعمال أخرى. عبدالرحيم سالم يتابع في تجاربه المعروضة تجربة يعمل عليها منذ سنوات، يطور فيها، يغير من أبعادها يبدل في عناصرها، إنها حالة بحث طويلة مع اللوحة، بحث لا أحد يعرف إلى أين ومتى سينتهي.