ضمن الفعاليات الثقافية والفكرية المصاحبة للبينالي أقيمت على مدى اليومين المنصرمين مجموعة من الندوات والحوارات الفنية تضمنت مجموعة من المحاور والسجالات الفنية والنقدية شارك فيها النقاد والفنانون الضيوف، وجاءت هذه الندوات لتقدم بعداً نظرياً متميزاً لفعاليات هذه الدورة، ولتكون بمثابة التكملة أو الامتداد للندوة الفكرية الدولية التي اختتمت فعالياتها مساء يوم الجمعة المنصرم وعبر هذه المادة نقدم وقفات مع هذه الندوات والتي تستمر على امتداد الأيام المقبلة. بيتر هرمنس ورشة جماعية الفنان التشكيلي الهولندي بيتر هرمنس قدم ندوة تحدث فيها عن تجربة فنية في منطقة آيندهوفن الهولندية وهي المنطقة التي يعيش فيها ويبلغ عدد سكانها 250 ألف نسمة وفي هذه المدينة يقوم الفنان يرافقه مجموعة من الفنانين الآخرين بتجربة تعتبر من التجارب والمبادرات الفنية الأولى في تلك المنطقة. وتتمثل التجربة في تأسيس ورشة فنية جماعية تتألف من ثلاثة هولنديين وثلاثة صينيين يعيشون معاً ويعملون معاً لعدة أشهر يقاربها نفس المدة في الصين وتهدف هذه الورشة الجماعية للوصول إلى مداخل جديدة ومبتكرة لفهم الممارسة الفنية. قدم بيتر خلال الندوة فيلماً تسجيلياً لمنطقة الورش والأعمال التي يقومون فيها، والفنان من مواليد 1944، درس الفن في أكاديمية الفنون الجميلة، حاصل على عدد كبير من منح التفرغ، والجوائز، وله مشاركات واسعة النطاق في معارض فردية وجماعية عبر العديد من دول العالم. الخصوصية الثقافية والعالمية في الفنون تحت هذا العنوان شارك كل من الدكتور كمال بلاطة ـ فلسطين، والدكتور مارتن جيزن ـ الولايات المتحدة الأمريكية، في حوارية فنية حملت عنوان الخصوصية الثقافية والعالمية في الفنون. الدكتور كمال بلاطة حاول عبر عرض بصري ونقدي لتجربة الفنانة الفلسطينية منى حاطوم ان يقترب من مسألة عالمية الفن، حيث أشار إلى ان المكانة الدولية التي احتلتها منى حاطوم تأتي من قدرتها على بلورة خصوصيتها ضمن سياقها السياسي وجاءت لغتها التعبيرية لتساهم في صياغة خطاب فني عالمي، أما اللغة التي اتسمت بالجرأة والتنوع والإثارة فقد خرجت من إطار اللوحة وشملت أحدث وسائل التعبير، وقد تضمنت أعمال منى عروضاً شخصية وإخراج فيديو وتنصيبات مختلفة، ومنذ بداية مسيرتها جعلت الجسد وسيلة تعبيرها وجاء إبداعها ليثير أسئلة حرجة وافتراضات حميمة وعامة، ونتاج هذه المنجزات الأربعة يعود إلى العقد الأول من مسيرتها وهي تعكس أدواتها التي استعانت بها لإيصال رسالتها إلى العالم. العمل الأول (تحت الحصار) عرض في لندن قبل ستة أيام من غزو إسرائيل للبنان عام اثنين وثمانين، وحمل العرض نبوءة ذلك الغزو حيث ظهر في العرض جسدها العاري بالصلصال وذهب في حركات تلقائية، كلما سعت إلى الوقوف اختل التوازن وانزلقت من جديد وانهال مع كل محاولة واستمر العرض المنهك هذا سبع ساعات تمكنا خلالها من مشاهدة الجسد العربي الذي يتخبط في العري، أما المجاز التعبيري فقد ازداد حدة بالتباين السماعي المصاحب للارتطام وسمعت أصوات متزامنة مع تسجيل غنائي تحت ذبذبات بلغات مختلفة. وجاء العمل الثاني بعد الغزو متنبئا بالمفاوضات التي جرت فيما بعد، حيث ان العمل حمل اسم (طاولة المحادثات) واشتمل آداؤها على السكون المطلق لجسدها الممتد فوق الطاولة التي تحيط بها ثلاثة كراسي شاغرة، وكل هذا وسط ثيمة درامية تستند إلى الظلمة في الصالة سوى قرص إضاءة مسلط على وسط الطاولة والجسد دون حركة، والمشهد يستدرجنا إلى تفحص الجثة التي لفت باللفائف الناضحة بالدم وانكمشت داخل كيس من البلاستيك ورافق كل ذلك تسجيلات لأخبار عن الحرب الأهلية وتصريحات لدول غربية عن السلام. العمل الثالث تصوير فيديو لمدة ربع ساعة بدأ قبل الغزو بعام واستغرق اخراجه سبع سنوات، وهو صورة نصفية لوالدتها أثناء استحمامها توارت خلف أسطر من رسالة كانت الوالدة أرسلتها لها، وأثناء العرض تسمع أصوات حوار بينهما يتقاطع مع صوت الفنانة بالانجليزية، ويتضح منه صوت الأم وهي تعتذر عن ان سخط الأيام السالفة لم يكن إلا بسبب الغربة، وخطوط الرسالة قامت بحماية الجسد وستره وبدأ التعرج فيها كأنه أسلاك شائكة بين الأم والبنت والوطن. العمل الرابع بعد أن تلمست منفاها في جسد أمها لسبر جسدها وتوخت التواصل مع مشاهدها من خلال التواصل بين الجسد والمكان، ففي معرض باريس عام أربعة وتسعين أقامت تنصيباً بعنوان (الجسد الغريب) يتألف من شكل اسطواني نعبره من أحد شقيه المتواليين ونرى وسط الأرض عرض فيديو سجل بالعين الالكترونية المستخدمة في التصوير الطبي الداخلي، وندرك اننا تورطنا في ولوج المسبر الطبي وتغلغله في جسد منى ونسمع أصوات التحركات الداخلية لأعضاء الجسم، وتتلاشى المسافة بيننا وبين العالم الجواني لها. إن منى حاطوم أثارت بجسدها جدل الذات مع الآخر ومن خلال جسدها خاطب فنها معنى القمع والنفي والمقاومة والتغريب. يذكر ان الدكتور بلاطة قدم عرضاً يجمع الأعمال التي تحدث عنها خلال وقفته في هذه المحاورة، أما الدكتور مارتن جيزن فقد اختصر فكرته عن موضوع المحاورة في قصة قصيرة تتناول عناصر تغير الحياة بفعل المدنية والعمران الذي اختصر فكرته عن موضوع المحاورة في قصة قصيرة تتناول عناصر تغير الحياة بفعل المدنية والعمران الذي يؤدي إلى جفاف الروح والغربة عن عناصر الحياة الجميلة والهادئة، حيث جعل أبطال قصته أحمد بن خالد الشريف وعائلته يعيشون حياة هادئة يطلون فيها من شرفة منزلهم البسيط الواقع في رأس البرج على أرضهم الخضراء قبل أن يأتي باسل الكبير الذي أحال المنطقة إلى شكل جديد من الحياة بأعمال البلدوزرات التي هدمت المنازل القديمة لإقامة مصنع الألمنيوم وإنشاء المباني السكنية الحديثة للعمال، ولما انتقلت العائلة إلى المباني الجديدة فقدت متعة الحياة التي عاشتها في السابق ولم تعد تتمتع بالمناظر ذاتها وتحولت إلى أسرة مستهلكة لأشكال التكنولوجيا. غربة الفن حضور الذات تحت عنوان غربة الفن حضور الذات قدم الفنان والمعماري الفرنسي المشهور جيرالد اكسيليرا عرضاً لا يتجاوز الثلاثين نصباً فنياً من أنحاء العالم وقام بالتعليق عليها من حيث المضمون والأحجام والمواد المستخدمة فيها ومثلت الأعمال تجارب لعدد كبير من النحاتين والفنانين من التشيك، الأرجنتين، بلغاريا، إيطاليا، كوريا، فنزويلا، بورتوريكو، فرنسا، وكان من المفترض ان يشارك في هذه الحوارية الدكتور أحمد فؤاد نجم لكنه لم يحضر لأسباب مجهولة. الخصوصية.. الحداثة.. العالمية في الفن الدكتور رفيق شرف قدم بدوره محاضرة ألقاها في جامعة الشارقة تحدث فيها عن الخصوصية.. الحداثة والعالمية في الفن حيث أشار إلى ان الهوية تصرح عن نفسها في كل حركة مرئية في مجتمعاتنا والسؤال هو: كيف يمكن لنا ان نلمس الهوية في ثقافة عصرنا وتياراته؟ قال (جاك بارك) ان عصر الاستشراق قد انتهى، كأنه يقول ان على الشرقيين أنفسهم ان يفسروا لنا تراثهم الابداعي، ولكن الغرب في مجال التقابل الثقافي يبدي تحفظاً إزاء كل ثقافة ذاتية لشعب معين تعرض نفسها، أما نحن ففي كل معرض نفتش عن الاختلاف، أي عن الآخر، إن أي ابداع في اطار ثقافة كل أمة لا يمكن ان يتوحد دون قيم خاصة متجذرة في روح الأمة. ومن الملفت ان ظهور تيار الهوية الثقافية الحاد منذ منتصف القرن المنصرم ارتكز على هذا الحنين إلى الجذور التي ولدته الثقافة الاستهلاكية من جهة، الاحتكاك الملتبس بالثقافات من جهة أخرى، وفي الواقع لم تكن الهوية مطروحة كمشكلة بالنسبة للمواطن العربي العادي، بل بالنسبة للعاملين في القطاعات الثقافية والإبداعية خاصة منهم أولئك الذين تعلموا في الأكاديميات الغربية، إذ انهم كطليعة نخبوية تتطلع إلى نسج علاقات ثقافية عالمية مشتركة متكافئة لا تبعية، ان بعض الفنانين العرب سافر إلى الغرب بخصوصية وعاد بدونها فخسر ما هو مهم، الأصل ان نذهب لكي نتبلور لا لكي نتقولب، العلم يجب ان يعلمنا الحرية، لا حرية بعيداً عن الذات، إن حرية الفنان في اختياراته التشكيلية وثيقة الصلة بوعيه الثقافي وفهمه النقدي لعصره الثقافي ولابد له ان يكتشف هويته وحداثته معاِ، الحداثة عرفت على أنها فن المستقبل، والمستقبل فهم على أنه فن الاستلاب للغرب، وفي هذا التجريد لصيرورة الحياة وواقعها ينبئنا الفنان عن الحد الفاصل بين المتاهة والمستقبل، وما يهمنا هنا هو المحافظة على توازن ضميرنا وتراثنا مع انساننا وانعاش الضمير كفعل توحيدي في الانشغالات الابداعية كأساس لشكل جديد من التعاون مع الأمم والشعوب، وبالطبع فإنه علينا عدم الوقوف جامدين أمام مقولة الأصالة والتراث وعصبيته والانعزال عن روح العصر الراهن، ولا أدعو هنا إلى فن منغلق على نفسه بل إلى التوازن والحوار حيث المعنى الانساني لكل حضارة، والإبداع الحقيقي، كان وما زال هو الذي يكسر جدار التردد ويعارض الأساليب السائدة حيث لا مرجعية لديه خارج الذات. فنون التشكيل العربية الأفريقية الدكتور أحمد شبرين ـ السودان قدم بدوره محاضرة ناقش فيها العلاقة بين التشكيل العربي والعربي الافريقي، قال في بعض منها: تستطيع ان تسمي هذا الحديث بحثاً إن رأيت فيه جدوى لذلك، أو تسميه مؤشراً لاتجاه أو تعتبره قراءة لتصور مستقبلي ليس ناشباً من الفراغ، بل يستند إلى تراث الأمة وفنونها شعراً ونثراً ذلك ان أحاسيس الجمال في اللغة جاءت تصويراً لكل الخواطر التي تبناها الإحساس تجاه المواقف من الحياة، ويمكننا ان نسمي ذلك فنا تشكيليا رغم ان الراوي هو اللفظ بالكلمات، وليس التشكيل هو الرسم على قاعدة ما اختاره فنانو الغرب أو غيرهم وصنعوه، فهذه الطرائق لا تعجز الفن العربي، إلا ان مزاج التشكيل العربي جاء في كل حقبة يبحث عن الخصائص التعبيرية المناسبة من حيث أن أساليب الغرب غير كافية لمقابلة ضرورات الحياة ومن غير الطبيعي ان ينشأ فن عربي تشكيلي يتعارض مع لغة الأمة وحس أدبها وقيم أعرافها، وقد يسأل سائل: لماذا هذا السرد ما دام الحديث عن الفن التشكيلي؟ أذكر هنا لأننا نعلم ان الشعر هو ديوان العرب، وهل الشعر غير المرئيات المحسوسة في الصورة الجميلة المنتقاة عقلا وعاطفة بالاتكاء على خواطر الحب والكره والقادر على تصوير الحسن والقبيح؟ ثم أليست فنون التشكيل هي لكل ذلك رغم اختلاف آلية التوصيل؟ لو أردنا ان نحصي مدارس الفن ومذاهبه قديما وحديثا لوجدنا كل ذلك في شعرنا العربي ولوجدنا التشكيل في الشعر يفي بالأبعاد غير المحدودة في التصور، وكأن بنائية الترجمة تطلق المعاني كما تطلق الوردة عبيرها في النسمات وبمثل ما يصرح به المتنبي: وخفوق قلبي لو رأيت لهيبه يا جنتي لظننت فيه جهنما وأنا لا أحكم بأن هناك فراغاً في الحياة العربية الثقافية ولكني أتحدث عن الذوق العام للنتاج الثقافي، إن اعتزازنا بما لدينا هو اعتزاز وجود في أصوله، وكلنا يعلم ما وقف عليه المستشرقون عندما قصدونا، فكلهم معجب ومتشوق لأسرار آدابنا، ارنولد توينبي عندما زار السودان قال لنا: لا تنبهروا بالغرب لأنه لم يحقق سوى ان ينتج أكثر ويسافر أسرع.