بيان الكتب :ربما تأخذك الفرحة عندما يطالعك عنوان رواية الأديب التشيلي انطونيو سكارميتا «عرس الشاعر» والتي ترجمها الأديب صالح علماني. وتستعد نفسيا لقراءة تفاصيل مبهجة عن قصة حب تنتهي بعرس بهيج، لكن الحقيقة غير ذلك تماماً فوسط أجواء غريبة على القاريء العربي يجرنا سكارميتا ويورطنا مع روايته، التي تحفل بتفاصيل حياة نسمع عنها لأول مرة، يعيشها بشر مثلنا على جزيرة لا يعلم سوى الله وحده مكانها.. وينقلنا من النمسا الى ايطاليا ثم تشيلي فنعبر معه المحيطات والقارات لاهثين لوضع حد لهذه الورطة التي انغمسنا فيها، فأنت مع «عرس الشاعر» لا تدري متى ستكون نهاية الأحداث. على سواحل ماليسيا وجزيرة جيما تدور معظم أحداث الرواية حيث يبدأ المؤلف انطونيو سكارميتا بتقديم لتاريخ هذه السواحل والجزيرة حتى يستطيع القاريء ان يفهم ما يقوله داخل نسيج الرواية والتي حصل على تفاصيلها من جده الذي هاجر الى مدينة أنتو فاجستا التشيلية والذي ينتمي في الأساس الى قرية جيما الماليسية الفقيرة، حصل على تفاصيل اخرى من وثائق جريدة لا ريبو بليكا التي تصدر في تشيلي ولديها مراسل من هذه الجزيرة التي كانت تريد النمسا ان تضمها الى حدودها بالاضافة الى بعض الوثائق والرسائل التي حصل عليها من متحف ماليسيا.يبدأ سكارميتا روايته بأسلوب قصص قبل النوم وحكايات الف ليلة وليلة حيث يقول «كان يا ما كان زمن فسيح وكامل في جزيرة بعيدة على سواحل ماليسيا» ويبدأ بعد ذلك سيلاً من الحكايات والتفاصيل المتشابكة والعجيبة والتي تأسر القاريء حتى آخر كلمة في آخر سطر بالصفحة المئتين والخمسين من الرواية. «مارتا ماتاراسو» هي أجمل فتيات الجزيرة التي تشتهر بفتياتها الجميلات الشهيات، وكانت تجري مراهنات عديدة من قبل الشباب عليها ولم يكن لديهم أي رأسمال سوى سذاجتهم والفطرة التي يعيشون عليها، لكن الأمر تغير كثيراً بعد افتتاح المتجر الأوروبي الذي لم يفتتح تلبية لاحتياجات اهالي القرية بل لخدمة أزواج السويديات والانجليزيات وهو وضع قاد بعض الأهالي الى التمرد على الامبراطورية واستطاعوا ان يجمعوا عشرة عسكريين في صفوفهم مما أدى الى استقبال زعيم المتمردين جوزيه كوبيتا في مقر الحكومة وسلمه وزير الاراضي والاستعمار دون مماحكات رقاً يمنح بموجبه الاستقلال الذاتي لجزيرة جيما مع كل حقوق الأمة المستقلة، لكن جوزيه كوبيتا تعرض للقتل حيث فصل رأسه عن جسده في طريق عودته الى جيما لتنتهي محاولة اعلان جمهورية جيما واستقلالها. بذلك اصبح «ستاموس ماريناكيس» اول مالك للمتجر الاوروبي يشعر انه اكثر المرشحين منافسة في التودد الى مارتا ماتاراسو وبالفعل توافق الفتاة على الزواج منه لما له من وضع اقتصادي متميز بين رجال جزيرتها الصغيرة، لكن عرسها ينتهي بمأساة حيث تموت في ليلة زواجها. بعد مرور عشرين عاماً من تلك الواقعة كانت جيما تستعد للاحتفال بعرس «جيرونيمو» المالك الثاني للمتجر الاوروبي والذي سيتزوج من أجمل فتيات جيما وتدعى «آليا ايمار»، في ذلك الوقت كان رينو كوبيتا ابن البطل مقطوع الرأس يتابع سفينة حربية قادمة من بعيد تحمل المدافع وتقترب من الجزيرة حتى تحمل شبابها الى التجنيد داخل صفوف جيشها دافعة اياهم في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.. فقام بتحريض ابناء الجزيرة على رفض هذه السفينة والوقوف ضدها.. في الوقت نفسه كان اخوه استيبان كوبيتا يرقب العروس آليا ايمار التي كانت تقيس فستان زفافها داخل المتجر الاوروبي، بعينيه الكوباليتين الساحرتين وعندما تنتبه آليا الى وجوده يدور بينهما حوار طويل يتطاول فيه استيبان على زواجها من جيرونيمو ويؤكد حبه لها، لكنها لا تستطيع ان تفعل له شيئاً من وقع سحر عينيه وعندما ينصرف تقع مغشياً عليها. في الوقت الذي كان رينو كوبيتا يستعد مع مجموعة شباب الجزيرة لاستقبال السفينة النمساوية بمديّهم كان استيبان غارق في بحر الاحلام مع آليا ايمار التي كان يتخيل انه سيتزوجها بعد موت جيرونيمو ذي الخمسين عاماً او ان يكون عشيقا لها، لكن رينو يواجهه بحقيقة الجيش النمساوي الذي يجب التصدي له والا سيموت قريباً في حرب في مكان ما من العالم لا يدري عنه شيئاً. كان جيرونيمو يعاني من واقعة «ستاموس ومارتا» التي ظلت القرية تتشدق بها وتتعامل معه وكأنه سيفعل نفس الشيء مع آليا، فقط لكونه المالك الثاني للمتجر الاوروبي.. وكان يستقبل كل ذلك معتصماً بصمت متكبر حتى اثقل عليه الهم وذهب الى القس الالماني فرانز بريجل ليسجل لديه اعترافه وفي غفلة حميمية الاعتراف اخطأ واعطى القس مذكرات ستاموس التي عثر عليها بين اغراضه التي تركها قبل رحيله الى الصين. وطمأن القس انه لن يحدث لآليا مثلما حدث لمارتا وبعد ان بدد شكوك جيرونيمو دافعاً اياه ليذهب ويستكمل تفاصيل عرس القرن، اكتشف انه اخطأ بتسليم القس المذكرات ففي صباح اليوم التالي كانت القرية تعرف تفاصيلها وتطبقها على جيرونيمو الذي احس بأنه اصبح مثقلاً بالخيانات، لكنه عزى بنفسه بأنه سوف يبحر مع حبيبته بعد حفل الزفاف في سفينته التي يبنيها له بيزارو النابولي، الى اقرب مرفأ ايطالي ومنها الى نيويورك بلا عودة وان كان قد عكر مزاجه بأبيات كتبها مجهول في عشق خطيبته وتم نشرها في جريدة لاريبوبليكا. ووصف مراسم الحفل التي بدأت بعرض سينمائي حيث شاهد اهل الجزيرة لأول مرة فيلماً سينمائياً جلبه جيرونيمو اليهم وقد جذب الفيلم رينو كوبيتا فنسي زملاءه الذين تركهم على الشاطيء في انتظار السفينة النمساوية وعندما انتهى الفيلم تذكر امرهم فانتضى خنجره وركض نحو الشاطيء خائفاً ان تكون بنادق النمساويين قد حصدت مواطنيه، لكنه عندما وصل اليهم وجدهم على الشاطيء صدورهم عارية تصيبهم حالة من الصمت وعندما رأوه أخبروه بأنهم قد قتلوهم فشعر انه قد خذلهم، فقفز الى البحر عائماً نحو السفينة ثم تسلقها ليجد اخيه استيبان يبكي لانه عجز عن قتل احد وان مواطنيه تركوا له جندياً ليقتله ورحلوا، لكنه عجز عن ذلك ايضاً. .. ويدور صراع عنيف بين الأخوين حيث يأمر رينو استيبان بغرس مديته في قلب الجندي، لكن استيبان يرفض ويرجوه الا يفعل، لكن رينو يتمكن من القاء اخيه الى البحر ليقتل هو الجندي. وهنا تبدأ الازمة التي تقلب حياة الجزيرة رأساً على عقب فالسفينة التي تحمل جثث الجنود النمساويين تظل تتقاذفها الامواج والرياح وتتحول الى سفينة اشباح تفوح رائحتها حتى تصل الى الامبراطورية النمساوية التي تشعر بالاهانة وتستعد للانتقام من الجزيرة التي استهانت بقوتها. خلال ذلك يعود سكارميتا سريعاً ليلقي الضوء على حياة جيرونيمو والسبب الذي ادى الى انتقاله الى الجزيرة والعيش فيها.. فجيرونيمو ذلك الفتى الحالم الزاهد في اموال ابيه، البوهيمي، والذي كان يدرس القانون لمجرد ارضاء والده، ما ان يموت حتى يترك كل شيء ـ خاصة بعد ان اوصى الاب بأن تدير ابنته مصانعه وبنكه لصلابتها ـ ويرحل حاملا كتبه واسطواناته مرتاداً احدى السفن متجهاً نحو ايطاليا ولكنه وهو في طريقه تجذبه جيما فيقطع رحلته ويستقر فيها. جيرونيمو الذي كان يلقبه والده بالشاعر تجذبه الجزيرة بجرس كنيستها الضخم غير المتناسب مع ضآلة البناء هندسياً، يشير اليه القس ان يفتح متجراً وماخوراً في الجزيرة ولكنه يكتفي بشراء القصر والمتجر الاوروبي ويعيش في الجزيرة مكتفياً بتجارته الهزيلة ولا يفكر في تركها بعد ان يرى الفتاة الصغيرة آليا إيمار، منتظراً إياها حتى تنضج ثمارها الانثوية ممنياً نفسه بقطفها يوماً.. فيبقى راهبا في انتظارها. ويعود سكارميتا الى عرس الشاعر وتأهب الجزيرة بكاملها له في الوقت الذي تقترب ترسانة الاسطول النمساوي الهنجاري من شواطيء جيما يقودها الاميرال مولينهاور الذي يسعى الى تحقيق نصر اسطوري من خلال الحملة التأديبية على سواحل ماليسيا بعدها يتم احالته الى التقاعد مع دخل عال. في نفس الوقت ايضاً كان السيد تورينيتس قادماً في احدى السفن مع الاحماض والمفرقعات التي ستضيء الليل لمراسم الزفاف والحفلة القروية ليتم تصويرها كما لو انها في وضح النهار.. على السفينة ايضاً كانت باولا فرانك اخت جيرونيمو ذاهبة لحضور الزفاف كي تثني آليا ايمار عن مضيها في الزواج من اخيها باغرائها بالمال. وبين زخم الاحداث وتداخلها في وقت واحد يستطيع انطونيو سكارميتا ان ينسج خيوط الازمة فرينو واستيبان يدخلان في صراع مطول بين عنف الاول ورقة الثاني وعشقه لآليار ايمار، التي لا تدري ما هو الحب وهل تحب استيبان ام جيرونيمو ام لا تحب احدا على الاطلاق وباولا التي تمنح إيمار شيكا كبير من المال حتى تختفي ويفسد العرس، لكنها بدورها تشعل فيه النار امام قس الكنيسة.. وجيرونيمو الحائر وسط كل ما يدور حوله وينتظر انتهاء العرس الاسطوري ليأخذ حبيبته ويرحل الى الابد في سفينته. الاحلام كانت تراود الجميع ولكنها تتبخر بوصول الترسانة النمساوية.. وقبل ان تصل يقتحم شباب الجزيرة الوطنيون سفينة جيرونيمو ويجبره رينو واستيبان على ان ترحل بهم الى ايطاليا ومنها الى تشيلي.. ويعود جيرونيمو مع عروسه لتمضي ليلتهم الوحيدة دون ان يطفيء لظى جسده المتقد منذ سنين عدة. يهبط الاميرال مولينهارو على شاطيء جيما فيجد الاهالي قد اختفوا ولا يجد سوى تورنتيس المسكين ليقتله ثم يتوجه نحو قصر جيرونيمو موجهاً اليه تهمة التآمر مع اهل جيما ضد بلده النمسا مساعداً اياهم على الهرب فوق متن سفينته.. ويأمر جنوده ان يغتصبوا آليا ايمار... ويطلب جيرونيمو المسدس الخاص بمولينهاور ويستأذنه ان يرتاد مركباً وحده متجهاً نحو الترسانة فيمنحه مولينهاور طلبه، وعندما يبتعد عن الشاطيء يضع فوهة المسدس فوق مركز القلب مباشرة ويطلق الرصاص. وتصل سفينة جيرونيمو الى ايطاليا ليستقلوا واحدة اخرى متجهين نحو تشيلي، لكن رينو يترك الجميع ليذهب وحده الى نيويورك حتى يعمل بالسينما مع احد الامريكيين الذين قابلهم على متن السفينة.. وعندما يصل استيبان مع باقي الرفاق الى تشيلي ليخبره مراسل «لاريبوبليكا» بما حدث لآليا ايمار وانتحار جيرونيمو فيخر على ركبتيه فوق الارض ويقول «هناك إله» وبهذه العبارة انتهت رواية «عرس الشاعر». امنية طلعت