يساهم في هذا الكتاب ستة وعشرون باحثاً تضمهم مجموعة بحث وتأمل اطلقت على نفسها تسمية «حلقة الاقتصاديين». تأسست هذه «الحلقة» عام 1992 وتضم اليوم حوالي ثلاثين باحثاً جعلوا هدفهم الأول تشجيع النقاش الاقتصادي المختص ولكن على اساس التنوع في المواقف والاستقلالية في الاطروحات. تتوزع دراسات هذا الكتاب بين ثلاثة اقسام يبحث الاول منها في «الاقتصاد الجديد ضمن سياقه العالمي» وتتعرض مساهمات القسم الثاني لـ «الرهانات الخاصة بكل قطاع من قطاعات النشاط الاقتصادي» اما القسم الثالث والاخير فانه كرّس لـ «الرهانات الاجتماعية والثقافية» للاقتصاد الجديد. ان العالم يعيش اليوم عصر الاقمار الصناعية وشبكات «الانترنت» والاسواق المالية والمؤسسات العملاقة. باختصار غيّرت العولمة معالم المحيط اليومي لعلاقات البشر فيما بينهم وعلاقاتهم في العالم ومع العالم. كما غيّرت بشكل عميق العلاقات الجيوسياسية. هذه المتغيرات كلها ادّت الى ما اطلقت عليه تسمية «الاقتصاد الجديد». وهل هو جديد فعلاً؟. ان أقل ما يقال هو انه لابد من «تجديد» النظرة الى الآليات التي حكمت لفترة طويلة النشاطات الاقتصادية. ويبدو واضحاً ان المساهمين في هذا الكتاب قد أخذوا في اعتبارهم المعطيات التي ترتبت على ما يسمى بـ «ثورة المعلوماتية» بكل الاشكال التي تبدّت بها وخاصة «شبكات الانترنت». لكنهم بالوقت نفسه لم يقوموا بعملية «فصل» تعسفي للاقتصاد ـ كما يفعل بعض الباحثين ـ عن ابعاده التقنية والاجتماعية والثقافية. يتضمن هذا الكتاب ايضا عرضاً لـ «محصلة قرن» من الزمن بدأ عملياً مع الحرب العالمية الاولى وانتهى مع سقوط جدار برلين عام 1989، الأمر الذي يدعو العديد من الباحثين الى اعتباره من «أقصر» القرون زمنياً، لكنه قرن شهد حربين كونيتين. كما انه بدأ في ظل «ولادة» الايديولوجيات المختلفة وانتهى بـ «موتها». لتبدأ سيادة «الليبرالية الجديدة» و«اقتصاد السوق». وقد اعتبر المساهمون بان عام «2000» يمثل من خلال ما يحمله من رمز حول نهاية قرن وولادة قرن جديد «زمنياً» مناسبة للحديث عن «آمال الاقتصاد الجديد» ولكن ايضا عن «تهديداته». وهذا التعبير «الاقتصاد الجديد» يحمل في صميمه الكثير من «الاستسهال» ومن «عدم الدقة» ايضا اذا فهم منه بان كل المعارف المتعلقة بالماضي لم تعد قابلة للاستخدام، وبان كل ما نعرفه عن آليات الاقتصاد قد اصبحت «طي الاهمال». بالمقابل لاشك بان استخدام صفة «الجديد» للاقتصاد الراهن، اقتصاد العولمة، يعني بان هناك ظواهر كبرى ومعطيات جوهرية قد استجدّت على مختلف المستويات التكنولوجية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية. واذا كانت هذه الصفة تنقصها الدقة الكاملة فان لها ايضا بالمقابل بعدا «تربوياً» وطاقة على «التعبئة». الدراسات الاولى من هذا الكتاب تضع «الاقتصاد الجديد» ضمن اطار نظري وتاريخي مرتبط ـ لنقل عضوياً ـ مع مفهوم العولمة وما يلازمها من مقولات خاصة بشروط النمو الاقتصادي وبالسياق الدولي ومباديء عمل البنوك المركزية وواقع اختلاف مستويات التنمية في العالم. ومقابل «الاقتصاد الجديد» يتحدث «باتريك ارتو» عما يسميه بـ «المشاكل الجديدة». انه يؤكد على بعض المناقب والميزات التي يوفرها الاقتصاد الجديد مثل تزايد تسارع التنمية وايجاد الكثير من فرص العمل وتوفر منتوجات وخدمات جديدة وغياب التضخم.. أما المشاكل فان بعضها يعود الى الشروط الضرورية التي تسمح بالاستفادة من ميزات الاقتصاد الجديد وفي مقدمة هذه الشروط التوصل الى تكدس هام لرأس المال وتوفر الموارد الهامة او اليد العاملة المؤهلة. ويتأتى البعض الاخر من النتائج التي تترتب على هذا الاقتصاد الجديد الاجتماعية منها مثل زيادة حدة التفاوت وعدم المساواة المالية مثل صعوبة زيادة قيمة المؤسسات. وهناك ايضا مشاكل ذات طبيعة قانونية مثل تلك المتعلقة بحق الملكية في ميدان السمعيات والبصريات مثلا، وذات طبيعة ضرائبية كما يبدو في صعوبة فرض رسوم على المبيعات بواسطة الانترنت. ويتطلب الاقتصاد الجديد ايضا توفر المصادر الضرورية باليد العاملة ذات التأهيل العالي. ذلك ان هذا الاقتصاد يؤدي الى تسارع كبير في خلق فرص العمل وبالتالي الى «خلخلة» بنية الاستخدام نفسها. وبشكل عام يزداد الطلب على العاملين بسرعة أكبر من توفر اليد العاملة المؤهلة. ومن الملاحظ ان اغلبية الامثلة التوضيحية والاحصائيات المقدّمة تخص بشكل رئيسي الولايات المتحدة الامريكية مع التأكيد على تزايد حدة اللامساواة فيها منذ موجة التجديد الصناعي التي سبقت بوادر الاقتصاد الجديد اذ شهدت سنوات السبعينيات من القرن العشرين انحسار الصناعة التقليدية بعد الصدمة النفطية الاولى وانخفاض الطلب على اليد العاملة غير المؤهلة. ان عدداً من المساهمين في هذا الكتاب يحذّرون من اي تحليل «تبسيطي» للاقتصاد الجديد والقول بنوع من «التسرع» بان النمو الاقتصادي الاوروبي سيكون كبيراً بشكل مستمر. ذلك ان مثل هذه «الاستمرارية». تتطلب توفر «رأس المال والعمل» الضروريين ثم انه ليس من المؤكد امكانية تجنب بعض المثالب التي قد تترتب على عملية جمع رأس المال بسبب الفوائد الكبيرة التي تطلبها الاسواق المالية الدولية بحيث ان كلفة الديون تصبح في بعض الاحيان مرهقة بالفعل. كما يمكن لبعض السياسات المالية ان تكون سبباً مباشراً في اعاقة الاستثمارات الانتاجية وتشجيع قطاع الخدمات وحده. وبكل الحالات ينطرح تساؤل كبير: هل نحن امام عالم جديد ام منافسات دولية جديدة؟ مهما كانت الاجابات يتفق الجميع اليوم بان «العولمة» تشكل احد الابعاد الاساسية للاقتصاد الجديد. ويعيدون هذا الى الدور المتنامي للتقنيات الجديدة في مجال الاعلام والاتصالات والتي سهّلت «العولمة» وزادت في تسارع تحققها، وحيث كان من اول نتائجها وضع مفهوم الدولة ـ الامة التي ساد لعقود كثيرة من الزمن موضع التشكك، أو على الأقل موضع التساؤل، مع ما رافق هذا من «اختلالات» على صعيد العلاقات الاقتصادية في ظل المفاهيم الليبرالية الجديدة التي تطالب بالتقليص الكبير، الى اقصى درجة ممكنة، لدور الدولة في النشاط الاقتصادي. «الاقتصاد الجديد» ترافق ايضا مع «وسائل اتصال جديدة». هذا ما تؤكده عدة مساهمات في هذا الكتاب، حيث يتم التركيز خاصة على دور «شبكات الانترنت» ان الانترنت يشكل بالوقت نفسه اكبر وسيلة اعلام في العالم اليوم «اكثر من 300 مليون مستخدم للانترنت»، وافضل وسيلة للاتصال المهني والشخصي ومع الاخرين «انني اتصل من داخل مؤسستي ومن بيتي مع زملائي ومع عملائي ومع الذين يزودونني بالسلع، ولكن ايضا مع اهلي واصدقائي ومع من ارغب»، وهو اكبر مصدر لاكتساب المعلومات «يمكنني الدخول الى جميع المكتبات الكبرى في العالم: مكتبة الكونجرس الامريكي وهارفارد وكمبردج... الخ»، وهو اكبر واجهة لعرض المنتوجات في العالم واشياء اخرى كثيرة غير معروفة حتى الان والتي يتمثل اهمها دون شك في التبدل العميق في اشكال سلوك الافراد في حياتهم المهنية وفي مجتمعاتهم». في المحصلة يبدو «الاقتصاد الجديد» بمثابة واقع ملازم للثورة التكنولوجية الحديثة الهائلة وللانتقال من «المجتمع الصناعي» التقليدي الى مجتمع يعتمد بالدرجة الاولى على «الخدمات» وحيث ان البعد الجغرافي لم يعد يلعب دور العائق الكبير بفضل وسائل الاتصال الجديدة. باختصار اصبحت وسائل الاتصال هذه بمثابة اوراق رابحة يعبّر عنها مثل امريكي معروف يقول: «ما اريد، وعندما اريد وحيثما اريد». وتدرس عدة مساهمات في هذا الكتاب علاقة الاقتصاد الجديد مع «الصناعة» و«التجارة» و«دورة رأس المال» حيث يبدو ان النشاطات الانتاجية تواجه اليوم بروز الاقتصاد الجديد الذي هزّ البنية العالمية للانتاج وللمبادلات وايضا لانماط التنظيم الداخلية في المؤسسات نفسها». واصبحت «المنافسة» هي القاعدة الاساسية، والى حد ما الوحيدة، في لعبة اقتصاد السوق. وبالاضافة الى المساهمات التي يعالج كل منها احد اوجه الاقتصاد الجديد يتضمن هذا الكتاب عرضاً لما دار في عدة لقاءات بين عدة باحثين ناقشوا حول «طاولة مستديرة» موضوع الاقتصاد الجديد. و«رهاناته السياسية والاجتماعية والثقافية». وتتمثل النتائج الرئيسية والتي تمّ التوصل اليها في القول بانه «حتى لو كانت المظاهر الاقتصادية البحتة تشغل حالياً مقدمة الاهتمام ـ المسرح ـ، فانه من الخطأ اهمال الأثر الذي يمكن لتكنولوجيات الاعلام الجديدة ان تمارسه على تنظيم الحياة السياسية وعلى آلية عملها». ويؤكد «جون دومينيك لافاي» في مساهمة اخيرة تحت عنوان: «الاقتصاد الجديد والسياسة» بانه «خلال مستقبل يمكن ان يكون اقرب مما نتصور، ستؤدي التكنولوجيات الجديدة للاعلام الى التجديد الكامل لطريقة ممارسة السياسة». الاقتصاد الجديد.. آمال وتهديدات