يقيم «جيم روهور» مؤلف هذا الكتاب في هونج كونج منذ عام 1991. وهو من كبار المحررين الذين يعملون في مجلة «فورتشن». كما عمل محرراً في مجلة «الايكونومست». يحمل شهادة الدكتوراه من المدرسة القانونية التابعة لجامعة ، هرفارد كما يحمل الماجستير في الاقتصاد من جامعة كاليفورنيا. سبق له ونشر كتاباً نال شهرة عالمية تحت عنوان «اسيا الصاعدة» وكتاباً اخر هو «لماذا تزدهر امريكا بازدهار اسيا». تتوزع مواد هذا الكتاب الجديد بين اربعة اقسام تضم ستة عشر فصلاً. يخص القسم الاول «التحدي» ويتحدث المؤلف فيه بشكل خاص عن «الثورة الامريكية»، «الثورة المحافظة» كما اطلق عليها بعض المحللين الاقتصاديين. والقسم الثاني عنوانه «الاجابة»، اي الاجابة على التحدي «الاسيوي» ويتعرض القسم الثالث لـ «صناعة الاسواق»، اما القسم الرابع والاخير فيبحث في العلاقة بين «السياسات» و«المجتمع» وهو قسم مقتضب يحتوي على فصلين يبحث اولهما في «المشاركة والديمقراطية» اما الثاني فهو دراسة مقارنة بين «اسيا وامريكا واوروبا» من حيث الانماط السياسية والاجتماعية ومواطن تمايزها وتشابهها. ينطلق المؤلف في تحليلاته من اواخر صيف عام 1998 حيث بدا انذاك النظام المالي العالمي على وشك الانهيار، وذلك في اعقاب الازمة المالية العاصفة التي شهدتها اسواق جنوب شرق اسيا وبدت مهددة للعالم كله. وكان اكثر ما لفت انتباه المحللين هو انه لم يكن هناك شخص واحد قد تنبأ بما حدث. ولقد أجمع معظم المحللين على ان تلك الازمة بدأت في تايلندة يوم 2 يوليو 1997 بالتحديد، وذلك عندما قررت حكومتها تخفيض عملتها المحلية. ولكن الواقع، كما يرى مؤلف هذا الكتاب، ان تلك الازمة بدأت في امريكا قبل عشرين سنة تقريباً حينما شرعت الولايات المتحدة الامريكية بالتعبئة لحقبة جديدة. تلك الحقبة هي التي أسست للقواعد التي يعمل بها الاقتصاديون اليوم والتي كانت وراء نشوب الازمة المالية الآسيوية خلال عامي 1997 و1998، والتي ـ اي الحقبة ـ سيكون لها آثارها خلال السنوات العشر المقبلة في امريكا ولكن في اسيا ايضاً. ان المؤلف يستعرض الآراء العديدة التي تم تقديمها من اجل تفسير الاسباب العميقة للازمة المالية الآسيوية. وقد تراوحت هذه الآراء بين اعادة تلك الاسباب الى الاستثمارات المفرطة والتي زادت عن الحد الذي يمكن استيعابها فيه وبين القول بان وراءها سوء الرقابة المصرفية ووجود كميات هائلة من القروض الاجنبية التي تم استخدامها في المضاربات وبحيث ان السداد لم يكن ممكناً، في النهاية. كما حاول البعض الزج بالولايات المتحدة الامريكية وتحميلها مسئولية ما حدث من خلال ما اعتبروه مؤامرة امريكية. لكن المؤلف يرفض بشكل قاطع هذا التفسير التآمري. ويحدد المؤلف المنعطف الحاسم الذي وضع حداً لحالة الازدهار والرخاء التي شهدتها الانسانية، في امريكا كما في غيرها من دول العالم الغربي، بعد الحرب العالمية الثانية بتاريخ عام 1973 و«الصدمة النفطية الاولى». حيث ارتفعت اسعار البترول اربعة اضعاف عمّا كانت عليه قبلها. ثم ارتفعت اسعار هذه المادة الاستراتيجية اكثر مما ادّى الى ازمة اقتصادية حادة في الولايات المتحدة الامريكية مع زيادة كبيرة في معدلات التضخم. في مواجهة مثل هذا الوضع تبنّت الادارات الامريكية المتعاقبة اتباع سياسة مالية ترمي الى تفعيل المؤسسات الاقتصادية وتطوير الامكانات التكنولوجية. وترتب على مثل هذه السياسة ان اصبح الاقتصاد الامريكي خلال عقدين من الزمن فقط اكثر اقتصادات العالم ديناميكية. لكن هذا لا يعني اي ضمان نهائي حيال المستقبل ذلك ان الازمة المالية الآسيوية لم تكن متوقعة من احد خاصة وان اقتصاد معظم الدول المعنية كان اقتصاداً قوياً بلغ معدل نموّه في السنوات التي سبقت الازمة مباشرة 5.4% وهو معدل يفوق كثيراً نظيره الامريكي خلال الفترة نفسها. ضمن هذا السياق يقوم المؤلف بتحليل الاسباب التي أدّت الى انفجار الازمة المالية الآسيوية. ويضع في رأس قائمة هذه الاسباب واقع ان المدخرات المحلية كانت متوفرة، لكن تسييرها كان يتم بواسطة مصارف وبنوك لا تهتم كثيرا بدراسة المخاطر المترتبة على عملية الاقراض. ومع ان جانباً منها كان يستخدم في الاستثمارات، الا ان الجزء الأكبر منها كان يتم استعماله في المضاربات العقارية واسواق البورصة. ويرى المؤلف انه باستثناءات قليلة مثل حالة هونج كونج وسنغافورة، كانت البنية الاساسية للمؤسسات الاسيوية ضعيفة وخاصة في مجال الرقابة وحساب المخاطر. من جهة اخرى جعلت علاقات اسيا المنفتحة على العالم من الميسور خروج الاموال مما ادّى الى فقدان الثقة بها وخاصة بعد الانخفاض الحاد الذي عرفته الصادرات الاسيوية خلال عامي 1996 و1997. هكذا وجدت اسيا نفسها في الوضع نفسه الذي عرفته امريكا خلال عقد السبعينيات مع اختلاف الاسباب، اي التضخم في امريكا ورخص رؤوس الاموال في آسيا. وفي سياق التعرض للآليات التي تبنتها الحكومات الآسيوية للخروج من تلك الازمة المالية الخطيرة التي واجهتها، وذلك بدءاً من اصلاح المؤسسات ذات العلاقة بمجالي الاقتصاد والاموال. وقد تمّت المواجهة على مرحلتين. تمثلت المرحلة الاولى في اعادة هيكلة النظم المصرفية التي سمحت بسبب غياب الرقابة الفعلية، باتساع حركة اقتراض واسعة محفوفة بمخاطر عديدة. وقد وصلت قيمة القروض التي لم يتم التمكن من سدادها الى أكثر من ثلث الناتج القومي الاجمالي في العديد من البلدان الاسيوية. بل ان قيمة تلك القروض بلغت في دولة مثل اندونيسيا ضعف الناتج القومي الاجمالي. كما ان العقارات التي كان ينظر اليها بمثابة الضامن لمنح القروض خسرت 90% من قيمتها. هكذا زالت بنوك عديدة اما بسبب الافلاس او عبر الاندماج مع بنوك اخرى. وفي اليابان مثلاً كان هناك 21 بنكاً عام 1997 وتقلّص هذا العدد الى ثمانية بنوك فقط عام 2000. اما المرحلة الثانية في مواجهة الازمة الاسيوية فقد اعتمدت على تنظيم المؤسسات والشركات واعادة النظر في اسلوب تشغيلها وتحديثه. هكذا بدأت بعض ملامح التحسن الاقتصادي وان كانت الصادرات قد غيرت من وجهتها وظلّت داخل الاطار الاسيوي اكثر فأكثر بينما كانت تتجه عادة نحو الغرب. كذلك قل الاعتماد على الصناعات القديمة التقليدية واعطيت الأهمية لصناعات حديثة مثل الهواتف النقالة. كما ازدادت نشاطات قطاع الخدمات. وشهد عام 1998، هبة اقتصادية وانتاجية جديدة تبشر بأن اسيا تعيد بناء نفسها لتصبح من جديد قوة اقتصادية كبرى على أسس سليمة وقوية. ومن بدء انحسار الازمة المالية الاسيوية في عام 1999 بدأ البعض يعربون عن مخاوفهم من ان الحماس للاصلاح قد يفتر. وهذا صحيح الى حد بعيد. ان العديدين يأخذهم الحنين لما اعتادوا عليه وقد يعودون اليه اذا لم يتم قسرهم على غير ذلك. لكن، ولكي تواصل اسيا مسيرتها نحو مستقبل افضل وتدخل القرن الجديد من اوسع ابوابه مستفيدة من التجربة الامريكية في الثمانينيات والتسعينيات، كان لابد لها ان تعتمد اساساً على التكنولوجيا الحديثة وعلى استخدام «الانترنت» الذي ثبت بأن القارة الاسيوية كانت متأخرة الى حد كبير في استخدامه ولم يتم تعميم هذا الاستخدام في اسيا الا في اواسط التسعينيات في حين انه انتشر في امريكا منذ الثمانينيات، وقد اعطى استخدام الانترنت في اسيا دفعة كبيرة للاقتصاد في الجانب الشرقي من القارة الاسيوية الذي كان متخصصاً في صناعة السلع الخفيفة وتجميع مكوناتها. هذا فضلاً عن ان الانترنت يساعد اسيا في التغلب على اكبر نقاط ضعفها، اي قطاعي الخدمات والتوزيع. ولعل من ابرز الامثلة الصارخة على فائدة الانترنت لآسيا مثال الهند التي كانت تعتبر ولزمن طويل من أكثر البلدان الاسيوية تخلفاً من الناحية الاقتصادية. لكن ومنذ نهاية عقد التسعينيات في القرن العشرين، اصبحت الهند تحتل موقعاً متميزاً بين هذه الدول. وأكثرها يثير الدهشة والاعجاب تنامي صناعة برامج ومكونات «الكمبيوتر» التي اصبحت على رأس قائمة الصادرات الهندية. واحتلت الهند مكانة بارزة على مستوى العلاقات المالية والصناعية مع وادي «السيلكون» بالولايات المتحدة الامريكية. كذلك فتحت الاسواق الاسيوية ذراعيها للشركات الاجنبية، الامر الذي كان بحكم المستحيل قبل الازمة المالية. هكذا شاعت ظاهرة مشاركة ـ او شراء ـ شركات غربية لشركات اسيوية. ورأينا شركات سيارات يابانية وكورية تشارك في رؤوس اموالها شركات اوروبية او امريكية. كما نلاحظ ان صناعة الاسمنت في اسيا اصبحت في معظمها مملوكة من اوروبيين ورجال اعمال مكسيكيين. بل ان الصين نفسها تتجه نحو فتح ابوابها بفضل منظمة التجارة الدولية التي ستنضم اليها. وباختصار تغيّر المناخ بشكل كبير بحيث اصبح يستحيل معه الاستمرار بالشكل التقليدي القديم، ولابد من التأقلم مع التطورات الحديثة. وقد بدأت النتائج بالظهور حيث تشير الاحصائيات الى ان الناتج القومي الاجمالي في اسيا يتزايد بنسبة تصل الى ضعف المعدّل العالمي. ومن المنتظر ان يستمر هذا النمو حتى نهاية العقد الاول من هذا القرن الحادي والعشرين. وما يؤكده المؤلف في محصلة تحليلاته هو ان البلدان الاسيوية ستستفيد كثيراً من التجربة الامريكية مع عدم اغفال خصوصياتها من عمالة منشطة وجادّة ومدخرات مالية وشركات قوية ويد عاملة شابة ايضا. العقبة التي لا يمكن اغفالها هي انه يمكن للسياسة او للحرب معاً، او لأي منهما، ان يكبح هذا النجاح، فاحتمالات نشوب حرب في المنطقة لا يمكن استبعادها تماماً خاصة مع وجود مشاكل بين الصين من جهة وتايوان والولايات المتحدة من جهة اخرى. ثم ان مثل هذه الحرب ـ ان وقعت ـ لن تؤدي الى عدم استقرار المنطقة فحسب، ولكنها ستوقف تحديث مؤسساتها ونظمها الاقتصادية. ومن الملاحظ ان الولايات المتحدة تتبع منذ ثلاثين سنة تقريباً سياسة غير معادية للصين وتفادي وجود اجواء «مجابهة» مستديمة كما كان الحال مع الاتحاد السوفييتي السابق خلال العقود الاربعة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية. كما كانت امريكا تعمل باستمرار على تفادي انتشار الاسلحة النووية في اسيا. ولذلك فان تعزيز التحالف الامريكي ـ الياباني يطمئن ـ وقد يبدو ذلك غير منطقي ـ الصين. ذلك لان المظلة الامريكية لليابان تمنع طوكيو من التفكير في تقوية قواتها المسلحة او الحصول على السلاح النووي. كما ان تواجد الاسطول الامريكي في بحر الصين يضمن ـ ضمناً ـ تدفق البترول من الشرق الاوسط الى شمال شرقي اسيا. واذا استمر الدور الامريكي في المنطقة لعشرين سنة مقبلة اخرى وانضمت الصين لمنظمة التجارة العالمية، فقد يستمر السلام في هذه المنطقة من العالم. ذلك السلام الذي بدأ منذ نهاية حرب فيتنام. ومن هنا يأتي «الترابط» بين الدور الامريكي والازدهار الاسيوي. وفي المحصلة النهائية، يرى المؤلف أن هناك مؤشرات عديدة على ان اسيا ستواصل تقدمها وازدهارها. وانه مطلوب من امريكا الاستفادة من فرصة علاقاتها الوطيدة مع القارة الاسيوية لتساعد على تعزيز هذه القوة الصاعدة وابعاد شبح الحروب من اجل المحافظة على المكاسب المتكدسة خلال عشرات السنوات