«بيسورا» مؤلفة هذه الرواية هي من مواليد عام 1968 في بلجيكا من اب جابوني (من الجابون في افريقيا) ومن ام سويسرية. عاشت طفولتها وسنوات شبابها بين افريقيا واوروبا والولايات المتحدة الامريكية. وهي تعيش حاليا في العاصمة الفرنسية باريس حيث تقوم بتحضير شهادة الدكتوراه في الانثروبولوجيا» بجامعة السوربون. سبق لبيسورا ان نشرت رواية تحت عنوان «53 سنتيمتراً» حول حياة الشباب الافارقة السود في المجتمعات الغربية، وكان «بيان الكتب» قد قدمها باحد اعداده السابقة. هذه الرواية الجديدة «لطخات الحبر» تبدو وكأنها تتمة للرواية الاولى «53 سنتيمتراً» وذلك ان المؤلفة تتابع فيها عملية النقد التي شرعت بها ضد الديمقراطية الغربية. ولكنها لا تمارس هذا النقد من موقع الآخر، اي الافريقي، في حالة المؤلفة وانما بالاعتماد على مرجعيات فكرية غربية معروفة مثل هيجل ونيتشه.. وغيرهما. الهدف الذي تركز عليه بيسورا هجومها في هذه الرواية الجديدة يتمثل في العادات لتي اكتسبتها الحياة اليومية في المجتمعات الاستهلاكية الغربية وحيث ان السهولة اصبحت تقتل اية امكانية لـ «المتعة» الحقيقية وقد جاء على لسان برنار، احد الشخصيات الرئيسية في هذه الرواية قوله: اننا نقبل الان كل شيء. لقد طالبنا باماكنية الطلاق وحصلنا عليها، وطالبنا بحبوب منع الحمل وهي بمتناولنا، بل وتمت المطالبة بالزواج المثلي، والقانون سوف يتيحه. ان هذا يبعدنا اكثر فأكثر عن صراع الطبقات. وبالمقابل هناك تعميم للنمطية الوحيدة في المجتمعات الاستهلاكية بكل ما في هذا من ابتذال وغباء. ان شخصيات هذه الرواية يتنقلون في شوارع العاصمة الفرنسية باريس وينقلون للقارئ ما يشاهدونه. انهم الى حد ما نموذج اخر من الشيطان الاعرج، الذي ينظر من اعلى المداخن كي يرى ماذا يجري داخل المنزل.. اوربما انهم اقرب الى الشخصيات الفارسية في كتاب «رسائل اعجمية الذي الفه مونتسكيو ـ شارل دومونتسكيو وحيث نجد ان اثنين من بلاد فارس يسافران عبر اوروبا ويكتبان الى اهلهما مشاهداتهما عن حياة الناس فيها. ان بيسورا تقوم تماما بعملية نقد الحضارة الاوروبية والغربية عامة، بكل جوانبها ومؤسساتها السياسية والاجتماعية، كما فعل مونتسكيو من خلال رسائله الاعجمية، ان لوحات كثيرة تتالي وتتداخل فيما تقدمه بيسورا من مشاهدات للحياة اليومية الباريسية. رجال شرطة يطلبون من مجموعة من شبان الضواحي ـ كما يقال عن ابناء الجيل الثاني من المهاجرين ذوي الاصول المغاربية او الافريقية السوداء. الاوراق التي تثبت هويتهم هذه صورة تتكرر كثيراً في الشوارع وعلى صفحات هذه الرواية ايضا. ان جميع الحالات تقريبا هناك حالة من الاختلاط، والتشويش في الدلالة على الواقع. انه التداخل بين الزوج والعشيق والمقيم بصورة قانونية والمهاجر السري. عالم متشابك وغريب ترسمه مؤلفة هذه الرواية وهو عالم يتجاور فيه الجميع لكنهم لا يتواصلون ابدا، تماما مثل من يسكن في احد احياء العاصمة الفرنسية باريس وبأحدى البنايات الفخمة وبشقة واسعة من مئات الامتار واخر يسكن معه بنفس البناية ويتقاسمان نفس المدخل وانما يحتل غرفة صغيرة على السطح بمساحة لا تتعدى عدة امتار مربعة. انه عالم فقد القدرة على التواصل وعلى الحوار. وحتى حديث البشر فيما بينهم اضحى نوعا من الحوار مع الذات المونولوج حيث لا يستمع اي المتحدثين الى الاخر. ان فصول هذه الرواية الخمسة والثلاثين اذا كان بالامكان الحديث عن فصول عند تبني المؤلفة لعنوان جديد يعلوه رقم يدل على تسلسلية في السياق الروائي ـ تبدو وانها دون اية رابطة حقيقية فيما بينها. انها مثل «لطخات الحبر» على ورقة بيضاء. القاسم المشترك بينها هو وجود نفس الشخصيات وخاصة برنار وبيانكا وعائشة وفريد.. الخ. وفي كل مرة هناك لوحة جديدة وحديث عن الاشياء الصغيرة وبنفس لغة واسلوب المعنيين بها وتبعا لطبعة الموضوع الذي يتم التعرض له. هذه الرواية هي احد افضل الوثائق عن الصورة التي يري بها الشباب الذين تعود اصولهم الى مجتمعات ذات ثقافات اخرى، فرنسا اليوم. وهي صورة دون اية رتوش ودون تجنب التطرق الى اي موضوع من المواضيع بما في ذلك النظر الى تاريخ فرنسا ورموزها انطلاقا من ماريان، رمز الجمهورية الفرنسية وحتى شارل ديجول اب فرنسا الحرة. «لطخات الحبر» رؤية خاصة على المجتمعات الغربية الاستهلاكية من داخلها وحيث قتلت الآلة روح البشر كما قتلت آلة الغسيل برنار وبيانكا كما نقرأ في الاسطر الاخيرة من الرواية