لم تمنع جاذبية الحكاية المؤرخ المهتم بشئون التاريخ الاجتماعي للعالم العربي «اندريه ريموند» من الاشارة الى ان ميلاد القاهرة كان مخاضاً محفوفاً بالغموض. وعلى الرغم من امتداد تاريخها الشبيه بالملحمة الا ان ريموند استطاع في كتابه «القاهرة» ان يقدم بحثاً مختصراً، متميزاً يلقي الضوء على الجذور التاريخية التي أسست لسياسة التسامح الديني التي بدأت بالفتح الاسلامي لمصر بين 642 ـ 639 للميلاد. والقاهرة التي يتحدث عنها المؤلف هي نتاج عملية التفاعل القوي بين سكانها الاصليين من المسيحيين واليهود والمسلمين. التي اعتمدت شيئاً من سياسة التعايش السلمي الديني وهي مسألة في غاية الاهمية بالنسبة للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمنطقة الشرق الاوسط في الوقت الراهن. وبداية فان هذا التحليل والوصف اللذين ربما شعر القاريء بأنهما يشتملان على بعض جوانب النقص، خاصة ما يتعلق منه بجوانب الحياة الاجتماعية المصرية في مدينة القاهرة خلال فترة حكم الطولونيين يمكن التغاضي عنه قليلاً لدى مقارنته بأسلوب التحليل الممتع للحياة الاقتصادية للمدينة في مصر الفاطمية التي بدأت في مطلع سنة 969م حيث اطلق عليها للمرة الاولى اسم القاهرة الذي يعني في اللغة العربية «المنتصرة». وعلى الرغم من ان رواية ريموند تظل في بعض جوانبها بحاجة الى المزيد من الدعم المادي بالبراهين والادلة خاصة اذا تذكر القاريء ما يمكن ان يضيفه شيء هام غير حياة البلاط من الدقة الى الموضوع وهو تناوله لحياة فئة معينة من ابناء مدينة القاهرة بالبحث منذ اللحظة التي بدأ فيها سكان المدينة باطلاق اسم الفلاحين على ابناء الطبقة العاملة من الكادحين الذي ينحدرون في اصولهم من القرى والارياف والمناطق الزراعية. الا ان هذا لا يمنع القاريء من الاستفادة والاستمتاع بما يسلط عليه الاضواء من اشياء لا تقل اهمية في قيمتها الحقيقية وتأتي متسلسلة منذ اللحظة التي قرر فيها الخليفة الاسلامي عمر بن الخطاب انتداب قائد قواته في الشام عمرو بن العاص على رأس جيش تكون مهمته الاساسية هي فتح مصر واتخاذ الفسطاط مركزاً لنشاطه العسكري والسياسي. وأياً كان الامر فان المؤلف ينجح في تقديم وصف جذاب للحياة في مدينة القاهرة بعد الفتح الاسلامي في سنة 640م وتحولها شيئاً فشيئاً الى مركز لتجسيد ايقاع الحياة الحديثة في منطقة الشرق الاوسط قاطبة. ومنذ البداية يظهر ريموند وهو مأخوذ بروعة الحياة في المدينة في مصر الفاطمية وحدها بالمواكب والاحتفالات والقصور والقلاع والسلاطين والبلاطات السلطانية والقلاع والقصور والسفراء والوافدين الذين عاشوا بينهم. كما يسعى مؤلف كتاب «القاهرة» الى تقديم فرضية ربما كانت على جانب كبير من الاهمية لا ينقصها سوى الاستدلال بالبراهين المادية الكافية التي تعزز وجهة نظره حين يقول: لم يكن الهدف من انشاء القاهرة هو تحويلها الى مدينة حقيقية بكل ما تتضمنه الكلمة من معنى فقريباً منها كانت تقع مدينة الفسطاط حيث تعيش غالبية سكان مصر وحيث القاعدة الاقتصادية الهامة القادرة على الوفاء بمستلزمات الحياة التي يجب ان تتوفر لابناء الطبقة الحاكمة وطبقة النخبة» وفيما تعاني الاجزاء السابقة من الكتاب من الضعف فان المؤلف ينجح بالفعل في تحليله لجوانب هامة اخرى كالجوانب المتعلقة بدور التجارة ونشأة الطبقة الوسطى والكادحة التي ارتبط ظهورها بنشأة الاحياء الفقيرة والمتوسطة واماكن العمل البسيطة والمحلات والورش الصناعية التي واكب ظهورها تطور الاوضاع الاقتصادية في مدينة القاهرة وهو الجانب الذي اعتمد المؤلف في معلوماته الوافية بشأنه على مراجع ونصوص قديمة احدها على سبيل المثال كتاب «وصف مصر» الذي امر «نابليون» بتأليفه اثناء الاحتلال الفرنسي لمصر بين عامي 17981801م الذي وضع النهاية لحكم المماليك. وفي هذا الجزء الذي يلقي الضوء على ملامح الحياة الاقتصادية في مصر يسهب المؤلف في وصف الكيفية التي كانت تعمل بواسطتها الادارة التي تميزت اساليبها بالنزاهة والحسم والبيروقراطية. وفي تعليقه على فترة حكم «محمد علي» التي امتدت من سنة 1805 الى 1848 يذكر المؤلف هذه العبارة «ان الاضطرابات والفوضى التي اجتاحت مصر في تلك المرحلة التاريخية كانت كافية للقضاء على الوجود الفعلي للمدينة التي اغرقتها ايضاً مظاهر سلبية على رأسها بيرقراطية ولكن على الرغم من ذلك فان هذه البيرقراطية كانت هي الشيء الذي مكن محمد علي باشا من الاستمرار في دعم سياسته الخارجية الفاعلة. إن ما يخلص اليه قاريء كتاب «القاهرة» هو ايضاً هذه المتابعة الدقيقة لنشأة مدينة القاهرة عبر تاريخها الطويل المتسلسل مروراً بالفاطميين ثم المماليك ثم العثمانيين الى حقبة الاستعمار الاوروبي بالاشارة الى المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصراعات الدينية التي حددت بظهورها واحدة تلو الاخرى مصير هذه المدينة التاريخية وبنائها الحضاري كأهم مدينة عربية تقع في القارة الافريقية. مريم جمعة فرج