بيان الكتب: نعوم شومسكي هو احد اشهر المفكرين الامريكيين المعاصرين. وهو يهودي لكنه موضوع على «القائمة السوداء» من قبل جميع المنظمات اليهودية الامريكية بسبب مواقفه المناوئة للصهيونية والمؤيدة لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. يعمل نعوم شومسكي استاذاً لعلم اللسانيات والفلسفة ، في جامعة ماساشوستس الامريكية. له العديد من المؤلفات منها: «القوة الامريكية والمتنفذون الجدد» و«المثلث المشئوم» و«عام 501» و«النظام الدولي القديم والجديد» و«سلطات وآفاق» و«النزعة الانسانية العسكرية الجديدة»... الخ. يتعرض نعوم شومسكي في هذا الكتاب الجديد لموقف الغرب من بؤرتي توتر شهدهما العالم خلال السنوات الاخيرة المنصرمة. وقد حاول هذا الغرب ان يدفع الجميع الى الاعتقاد بأن العالم امام عهد جديد وحقبة جديدة تتميز باحترام حقوق الانسان. انه «عالم مختلف تماماً عن سابقه». وقد بدأت هذه المرحلة الجديدة بضربات حلف شمال الاطلسي «الناتو» الجوية لصربيا في شهر مارس من عام 1999 بقصد وضع حد لحرب «الابادة» التي كان يواجهها اهل كوسوفو ذوي الاصول الالبانية. يومذاك اعلن توني بلير رئيس وزراء بريطانيا ان «الجيل الجديد يرسم الخطوط» ويقاتل من اجل المباديء والقيم الانسانية العليا ويرفض القمع وسياسات التنقية الاثنية التي لم يعد ممكناً التسامح حيالها. وكان الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون قد اعلن بدوره بأنه لن يسمح «بعد اليوم» باضطهاد مدنيين بسبب لون بشرتهم او معتقدهم الديني. امام مثل هذه التصريحات اعتقد الآخرون بأن السياسة الخارجية الامريكية قد دخلت مرحلة جديدة من النبل والقيم المثالية. لكن مثل هذا التوجه الذي اطلقت عليه تسمية «التدخل لاسباب انسانية» قلق عدد من المسئولين في الادارة الامريكية وخارجها. ان نعوم شومسكي يبحث عن معرفة الآراء الحقيقية لما يسمّى بـ «الاسرة الدولية» على مبدأ «التدخل لاسباب انسانية»، وهكذا يعود الى مؤتمر قمة مجموعة الـ 77 الذي شهدته كوبا في شهر ابريل من عام 2000 وحيث ان هذه المجموعة تمثل حوالي 80% من مجموع سكان العالم، ورأت في مبدأ «حق التدخل لأسباب انسانية» مبدأ مرفوضا ولا يخرج في عمقه عن كونه احد تعبيرات الاستعمار الجديد. ويشير «شومسكي» بهذا الصدد الى الموقف المبدئي الذي اتخذه الزعيم الافريقي نلسون مانديلا حيث ندد بالولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا اللتين تقومان بدور شرطي العالم الذي قصف «كوسوفو» و«العراق» مع التجاهل الكامل لدول العالم اجمع ولهيئة الامم المتحدة. ورأى الكثيرون بأن الاستراتيجية التي تبنّاها الحلف الاطلسي حيال كوسوفو يمكن ان تمثل سابقة يحتذى بها ويستخدمها الاقوياء ضد الضعفاء. وقد صرّح مؤرخ عسكري اسرائيلي بأنه يمكن لاسرائيل ان تفعل في لبنان ما فعله الحلف الاطلسي في كوسوفو. ثم ان ما جرى اثناء حرب الخليج وقصف صربيا دفع دولة مثل الهند الى ان تذهب ابعد في تصميمها على امتلاك السلاح النووي كي لا تبقى خاضعة لارادة الولايات المتحدة الامريكية التي اطلق عليها البعض تسمية «القوة العظمى المارقة» مع كل ما ينضوي عليه هذا الرأي من غطرسة امريكية واستهانة بالاخرين وبمصالحهم. ويأخذ التدخل الامريكي في شئون الاخرين شكل معونات ومساعدات التي يذهب قسم كبير منها الى دولة غنية مثل اسرائيل بينما خفّض «الكونجرس» الامريكي المساعدات التي طلبتها الادارة الامريكية بقصد منحها للدول الفقيرة. وانخفضت تلك المساعدات في شهر يونيو من عام 2000 الى 75 مليون دولار بدلاً من 252 مليون دولار في السنة الماضية. وتكون المعونة احياناً ذات طابع عسكري خاصة الى تركيا دون ايلاء أية أهمية لمسألة حقوق الانسان التي تحيط بالمسألة الكردية. لقد كان التدخل العسكري للحلف الاطلسي في كوسوفو هو في واقع الأمر، كما يقر مؤلف هذا الكتاب، هو تدخل امريكي ـ بريطاني بالدرجة الاولى. وكانت اسرائيل قد مارست عملياً «حق التدخل» في جنوب لبنان الذي احتلته لمدة اثنين وعشرين عاماً منتهكة بذلك جميع قرارات الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي. بل انها قامت بمساندة ودعم الولايات المتحدة الامريكية بقتل الآلاف وتدمير المنازل وتهديم البنى الاساسية وطرد السكان من اراضيهم وحيث لا يمكن بأي حال من الاحوال تبرير ذلك بمقولة «الدفاع عن النفس»، كما ادعت اسرائيل. وفي اوج الاحداث التي شهدتها ازمة كوسوفو اندلعت احداث تيمور الشرقية ولكن دون ان تتحرك اية دولة، امريكا او غيرها، للمطالبة بالتدخل بل ان الولايات المتحدة الامريكية مصدر السلاح المستخدم ضد أهالي تيمور الشرقية، ولا يتردد «نعوم شومسكي» في الحديث عن موافقة واشنطن «سراً» وبالتالي لم يكن هناك مجال لتهديد اندونيسيا بالقصف او بفرض العقوبات الدولية. والملفت للانتباه هو ان التأكيد على صيانة حقوق الانسان والديمقراطية لم يجد أية ترجمة في الواقع بخصوص تيمور الشرقية حيث أظهرت عملية استطلاع للرأي العام جرت في شهر اغسطس من عام 1999 بأن هناك شبه اجماع من اهالي تيمور الشرقية للمطالبة بحق تقرير مصيرهم وباستقلالهم السياسي. وايضا وبعد وصول قوات دولية الى الجزيرة بعد مماطلات وعمليات تسويف قامت بها الولايات المتحدة وبريطانيا قدّمت اليابان 100 مليون دولار لتلك القوات وقدمت البرتغال خمسة ملايين دولار، غير ان ادارة الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون لم تقدم دولاراً واحداً، بل وطلبت من الامين العام للامم المتحدة تخفيض عدد القوات الدولية، واخيراً وبعد مرور اكثر من سبعة اشهر دفعت مبلغ 8 ملايين دولار. وبكل الاحوال ومهما كان الرأي حيال مسألة كوسوفو، فانه لا يمكن اعتبارها مسابقة «للتدخل لأسباب انسانية». ان «نعوم شومسكي» يطلق احكاماً شديدة القسوة على القوى الكبرى بسبب موقفها حيال الحروب الاهلية في القارة الافريقية، انه يصف هذه القوى بأنها «انتهازية» وبأنها وان لم تكن مسئولة مباشرة عن تلك الحروب والفظائع التي كانت احداث رواندا مثالاً صارخاً عليها، فان خلفية موقفها كانت تقوم وخاصة بالنسبة لواشنطن، على اساس مبدأ يقول بأنه اذا لم تكن هناك «منفعة» للتدخل الانساني، فليس هناك من «مبرر» له او لتقديم اي عون حقيقي باستثناء «الاسلحة» من اجل زيادة اشتعال تلك الحروب وقد ساعد على مثل هذا الموقف واقع ان الاستعدادات للتدخل في صربيا كانت خلال شهر فبراير 1999 على وشك الاكتمال. وبالتالي كانت سياسة الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون وادارته تقول بـ «ترك مشاكل افريقيا للافارقة». بل و«الادهى» من ذلك واقع. الامريكيين لارسال اية قوات دولية الى القارة الافريقية. كما ان رفض الولايات المتحدة الامريكية لدفع الديون المستحقة عليها لهيئة الامم المتحدة حال، عملياً، دون القيام بأية مبادرة لمساعدة ضحايا الحروب الاهلية الكثيرة، للاسف، في القارة السوداء. ولعل من اهم المباديء التي برزت في العهد «الانساني» الجديد هو غياب اي احترام لمبدأ السيادة الذي نصّت عليه المواثيق الدولية وعلى رأسها ميثاق الامم المتحدة. ان الدول الكبرى تقوم بشكل «منهجي» بعمليات التدخل بشئون الآخرين باسم «حماية حقوق الانسان» او «حقوق الاقليات».. الخ. هكذا نجد ان الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا تعطيان لنفسيهما الحق في شن حرب عسكرية واقتصادية ضد العراق بذريعة مواجهة صدام حسين، بينما كانت هاتان الدولتان كلتاهما تساندان العراق في حربه الطويلة ضد ايران. ويؤكد نعوم شومسكي التباين الكبير بين النوايا «الانسانية» المعلنة وبين الواقع الحقيقي للسياسات التي تتم ممارستها. هكذا وبعد انتهاء العملية التي قامت بها القوات الاطلسية في عام 1999، توقع العالم ان تتصدر تلك القضية بتفاعلاتها وتداعياتها التحليلات السياسية التي تتناول احداث ذلك العام عند انتهائه. لكن شيئاً من هذا لم يحدث. وكان الاستثناء الوحيد مصدره صحيفة «وول ستريت جورنال» التي عكست انطباعات تتناقض تماماً مع الدعايات التي احيطت بها الضربات العسكرية التي قامت بها القوات الاطلسية في كوسوفو. وقد وصفت تلك الصحيفة العملية العسكرية الاطلسية بأنها كانت غطاء لجرائم كثيرة تم ارتكابها حتى وان كانت لا تقاس بتلك التي ارتكبها الصربيون خلال عمليات القصف الجوي. ويعتبر «شومسكي» ان من اهم عواقب حرب كوسوفو واقع انها مثّلت تهديداً لنظام الامن الدولي الذي قام على أسس ميثاق الامم المتحدة كما اشار بوضوح الامين العام للامم المتحدة في تقريره السنوي لعام 1999. لكن هذا لا يهم الاقوياء الذين يفعلون ما يريدون ويرفضون قرارات المحاكم والمنظمات الدولية ويستخدمون حق النقض «الفيتو» اذا كان ذلك يتماشى مع مصالحهم الخاصة. وتأتي الولايات المتحدة الامريكية على رأس قائمة الدول التي استخدمت ذلك «الحق» وتليها بريطانيا ثم فرنسا. وفي المحصلة يبدو ان العالم اليوم يواجه خيارين فيما يتعلق باستخدام القوة. فإما الحرص على احترام ميثاق الامم المتحدة والتأكيد على مبدأ الشرعية الدولية واما ان تفعل الدولة القوية ما تريد على ضوء مصالحها الذاتية، ودون الانتباه لمبدأ اسمه «احترام السيادة»