بيان الكتب : بيرس برندون مؤلف هذا الكتاب هو احد المعلقين المعروفين في القنوات التلفزيونية البريطانية، كما انه يساهم في العديد من الصحف والمجلات ذات الشهرة العالمية. وهو احد الاعضاء العاملين في معهد تشرشل التابع لجامعة كمبردج واحد المسئولين عن الارشيف الخاص بالمرحلة التشرشلية، سبق له وقدم العديد من الكتب، من بينها سيرتا حياة كل من ونستون تشرشل والرئيس الامريكي الاسبق ايزنهاور.يؤرخ المؤلف في هذا الكتاب وادي الظلام، لعقد الثلاثينيات في القرن العشرين. وصفة الظلام التي يستخدمها تحمل بطياتها «حكم قيمة» حول الفترة المدروسة والتي بدأت باحدى أكبر الازمات الاقتصادية التي عرفها الغرب طيلة القرن الماضي. انه عقد «لا يشرف» كما يصفه المؤلف. ان الرؤية الشاملة البانورامية، التي يتحدث عنها المؤلف كما اشار لها في العنوان الفرعي، تبدو من خلال تطرقه في الفصول السبعة والعشرين التي يتكون منها هذا العمل الى الاوضاع التي عرفتها بلدان العالم الرئيسية في تلك الفترة والتي تضم بلدان المعسكر الغربي، اي ما يشكل اجمالاً القارة الاوروبية، القارة القديمة، والولايات المتحدة الامريكية العالم الجديد واليابان وايضا كل من الاتحاد السوفييتي، السابق، والصين باعتبارهما اهم قوتين في المعسكر الاشتراكي. السمتان الاساسيتان اللتان يؤكد عليهما المؤلف في توصيفه لعقد الثلاثينيات من القرن العشرين هما صعود الفاشية، بكل اشكالها وصيغها وتعثر الرأسمالية، خاصة على الصعيد الاقتصادي، بل ان المؤلف يتحدث عما يسميه بآفة الرأسمالية التي اصابت البلدان الغربية الكبيرة باستثناء اليابان، وفي الوقت الذي كانت فيه عجلات الاقتصاد البريطاني تتباطأ في مختلف الميادين، بعد ان كانت بريطانيا على رأس قائمة الدول المنتصرة في الحرب الكبرى، الحرب العالمية الاولى، كان اليابانيون يتطلعون الى زيادة قوتهم العسكرية. كما كانت الولايات المتحدة الامريكية تواجه حالة انحسار اقتصادي كبير وخاصة ما بين خريف عام 1931 وربيع السنة التالية. ويولي المؤلف احد فصول هذا الكتاب لتحليل السياق السياسي والاجتماعي الذي دفع بادولف هتلر الى رأس السلطة في المانيا. وينقل بهذا الصدد عدداً من النصوص لادباء ومفكرين المانيين من امثال برتولد برخت، الكاتب المسرحي المعروف، الذي كان متأثراً بالناحية السياسية بالاتحاد السوفييتي (السابق) وبالايديولوجية الشيوعية لكن مخيلته كانت تذهب باتجاه الولايات المتحدة الامريكية. لكن الانحسار الاقتصادي الكبير الذي شهدته امريكا منذ يوم الثلاثاء الاسود في 29 اكتوبر 1929 عندما انهارت البورصات المالية في وول ستريت مع ما تلاه من ازمة اقتصادية هائلة استمرت عملياً حتى وصول ايزنهاور الى السلطة في شهر مارس من عام 1933، بدل من صورة امريكا الظافرة لتتصاعد بنفس الوقت قوة الاطروحات النازية في المانيا والفاشية في ايطاليا والدكتاتورية الستالينية. لقد وصل الحزب النازي الى السلطة بزعامة هتلر وبدأ بنشر حملة دعايات قادها جوبلز الذي اشتهر عنه فيما بعد بأنه من اكبر الذين مارسوا التضليل الاعلامي في التاريخ الانساني وسادت في المانيا الاطروحات الهتلرية التي تقول بتفوق العرق الآري الالماني ودونية اليهود والغجر بالقياس الى الاعراق الاخرى. لكن هذا لم يمنع واقعا ان ملايين الالمانيين كانوا يعتقدون بأن هذا الرجل وحده كان قادراً على انقاذهم من حالة الازمة التي كانوا يعيشون فيها، وقد قبل هتلر حقيقة ان المانيا قد انهزمت اثناء الحرب ولكنها لن تستسلم، وينقل عنه المؤلف قوله قبل ان يتسلم منصب المستشارية الفوهرر بفترة قليلة قوله: «اننا لن نستسلم ابداً، كلا، ابداً.. اننا قد نتعرض للتدمير.. لكن اذا بقينا على قيد الحياة فاننا سنجر العالم معنا، العالم وهو يحترق». وفي مطلع عقد الثلاثينيات الماضي كان موسوليني يشيد صرح النظام الفاشي الايطالي والذي تميزت بداياته بوجود حالة توتر كبيرة بين الكنيسة الكاثوليكية ممثلة بسلطة البابا في الفاتيكان بروما، وبين الدولة التي كان يملكها موسوليني والذي كانت تسكنه الرغبة في ان يصبح قيصراً جديداً، ووصل التوتر احياناً ذروته عبر اعمال عنف على خلفية سعي الطرفين الى تأمين السيطرة على الجماهير الشعبية. لكن الامر انتهى عبر فتح صفحة مفاوضات استمرت عدة سنوات ادت الى المصالحة بل والتعاون في ظل البابا بيوس الحادي عشر، التي توجهت له فيما بعد اصابع اتهام كثيرة تقول بامكانية ان يكون قد تعاون مع النظام الفاشي في ايطاليا، ولكن ايضاً مع النظام الهتلري في المانيا. على الصعيد الاقتصادي، اظهر موسوليني عداءه الكامل لسياسات تخفيض قيمة العملة الايطالية الليرة. لقد اراد، على غرار وتستون تشرشل في بريطانيا، ان يتم النظر الى الاقتصاد باعتباره صيغة اخرى للنضال الوطني، وكان قد حدد منذ عام 1925 احد اهداف سياسته في وصول ايطاليا الى الاكتفاء الذاتي في مجال التغذية وهكذا اطلق ما اسماه بالمعركة من اجل حبة القمح. لكن وبموازاة هذا كله اقام نظاماً فاشياً يقوم على مبدأ تمجيد الفرد، اي شخصه، مما شكل نموذجا يشبه الى حد كبير ما اقامه هتلر في المانيا باسم الايديولوجية القومية الاشتراكية الالمانية. في نفس السياق شكلت فرنسا حالة استثنائية الى هذه الدرجة او تلك، اذ وعلى الرغم من حالة الاحساس بانعدام الامن عسكريا في مواجهة المانيا ذات الستين مليون نسمة آنذاك مقابل اربعين مليوناً من الفرنسيين، ورغم شبح المواجهة المقبل حيث ان معاهدة فرساي عام 1919 لم تسو في الواقع تركة الحرب العالمية الاولى نهائيا وانما حملت في طياتها، وخاصة فيما يتعلق باذلال المانيا، بذور حرب جديدة اندلعت فيما بعد عام 1939. رغم هذا كله لم يبرز نظام فردي دكتاتوري بل على العكس وصلت الجبهة الشعبية، التي ضمت قوى اليسار الفرنسي بقيادة ليون بلوم الى السلطة عام 1936، وكانت فرنسا قد عرفت مثل غيرها من الدول الاوروبية، وضعاً اقتصادياً صعباً اثر الازمة العالمية الاستثنائية، وانخفض الانتاج الصناعي الفرنسي مثلاً طيلة عام 1931 الى ما يقارب ثلث الانتاج فقط، وارتفع عدد العاطلين في نفس السنة من (12000) عاطل الى (190000) واغلق اكثر من مئة بنك ابوابه كما انخفض نشاط البنوك الاخرى بنسبة تقارب 60% من نشاطها الاعتيادي. من جهة اخرى اتسمت مختلف الانظمة النازية والفاشية والدكتاتورية كلها بتبني نوع من التطلع الى تحقيق مشاريع امبريالية توسعية. اذ ظهرت بوضوح طموحات المشروع الهتلري واضحة منذ بداياته عبر «الخطاب السياسي» الذي تم تبنيه، كما ان موسوليني حاول ان يفرض نفسه في طرابلس الغرب والحبشة بمثابة وريث للاباطرة الرومان، بل واراد ان يطرح نفسه كحام للاسلام، وكان ايضاً للمشروع الستاليني طموحاته التوسعية حيث طرح ستالين نفسه، وطرحه المحيطون به، بأنه سائق عربة التاريخ، واستيقظ بنفس الفترة ايضاً الحلم الامبراطوري الياباني.. اما بريطانيا فانها، وعلى الرغم من مظاهر انحطاطها العديدة، اظهرت تشبثها الكبير بامبراطوريتها الاستعمارية، وخاصة في الهند. يفتح مؤلف هذا الكتاب قوسين للحديث عن الحرب الاهلية الاسبانية التي بدأت بالاحتجاج على سلطة الكنيسة ثم على جميع السلطات وفي مقدمتها سلطة فرانكو، واخذت بالتالي شكل مواجهة بين الفوضويين، وبين انصار فرانكو. ويؤكد المؤلف بأن المسألة لم تكن تتعلق بحركة ثورية وانما بمنافسة عقائدية، انتصر فيها فرانكو بنهاية الامر. رغم كل الذي قيل وتغنى به شعراء وادباء من انصار المعسكر الديمقراطي العادي لـ «الجنرال» من امثال أراجون وهمنجواي ومالرو. وكي تكتمل الصورة الشاملة البانورامية لعقد الثلاثينيات من القرن العشرين يتعرض المؤلف في القسم الاخير من كتابه الذي يتضمن على اربعة اقسام، للسنوات التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية، وقد اعطى لهذا القسم عنوانا له دلالته البالغة اذ جاء فيه الظلام الاكثر قتامة والذي تتميز خطوطه العريضة، كما حددها ووصفها باسهاب بتنامي النزعة العسكرية في اليابان وحيث قامت القوات المسلحة اليابانية باجتياح منشوريا في عام 1931، وفي ظل حكم الامبراطور الياباني هيروهيتو وايضاً ببدء عمليات التصفية الستالينية في الاتحاد السوفييتي (السابق) وبعزلة الولايات المتحدة الامريكية، وبالمنافسة على الحكم في بريطانيا بين تشرشل وخصمه شامبرلين واخيراً وبدء هتلر عمليات التعبئة والاستعداد للدخول في مغامرة الحرب من جديد. كتاب مفصل وشامل واطلالة بانورامية على العالم خلال عقد اسود