في دورات سابقة لمعرضي الشارقة وأبوظبي للكتاب كانت تتم عملية اختيار أفضل كتاب في المعرض ـ في شتى حقول المعرفة ـ وأفضل غلاف من حيث التصميم والتقنية الاخراجية، ولكن هذا التقليد لم يدم طويلاً اذ سرعان ما توقف لأسباب مجهولة. معظم معارض الكتب في العالم تجري فيها مسابقة اختيار أفضل كتاب وغلاف لان فيها حافزاً يدفع الى التجويد والاهتمام ليس طمعاً بالجائزة نفسها بقدر ما هو اعتراف بفضل المؤلف والناشر والمصمم بقيمة العمل الفني المعرفي وخدمته للقاريء بأحسن شكل. وهنا لا نطالب بعودة هذا التقليد الى معرضي الشارقة وابوظبي دون دراسة شاملة لجدوى هذه المسابقة، بل نطالب بترسيخ بعض التقاليد الهامة في انشطة معارض الكتب لتحفز عموم صانعي الكتاب كي يبدعوا في هذا المجال، لان قيمة الكتاب ليست في محتوياته فقط ـ خاصة في هذا العصر ـ فقد اصبحت التقنيات العالية لصناعة الكتب من طباعة واخراج وتصميم ونوعية الورق والحجم جميعها تصب في قيمة الكتاب، فالقاريء يريد شكلاً جميلاً للكتاب الى جانب محتوياته القيمة، وكثيرا ما ينصرف القاريء عن الكتاب الذي لا يمتلك مواصفات فنية تدفع الى اقتنائه، وكلما كان شكل المادة او السلعة المعروضة جميلاً وجذاباً كلما اقبل الناس على الاهتمام بها اكثر، وهذا في عرف التجارة يسمى تسويقاً، ولا يختلف الشأن التسويقي مع الكتاب باعتباره سلعة متميزة تسد حاجة بشرية عليا للانسان، الا وهي القراءة. ان التنافس الشريف في هذا الميدان سيدفع عشرات دور النشر الى الاهتمام بما تقدمه اهتماماً كبيراً، ولعلنا لا نجانب الحقيقة حينما نقبل على اقتناء كتب تراثية متميزة لانها تقدم بشكل جديد، وهذا حال كتاب «تخليص الابريز في تلخيص باريز» للعلامة رفاعة رافع الطهطاوي الذي نعرض له في باب أمهات الكتب المستحدث في «بيان الكتب» كما اشرنا في العدد السابق. ان عودة تقليد الكتاب الأفضل اهتمام مؤسساتي بالدرجة الاولى وعبر لجنة اختيارية حيادية الرأي لا تقيم وزناً لاسم المؤلف وجنسيته بقدر ما تنظر الى مضمون الكتاب وموضوعيته شكلاً واضعة في اعتبارها ان قارئاً ذكياً سيدعم وجهة نظرها بالدرجة الاولى وسيقبل على اقتناء الكتاب والاستزادة منه كلما كان الاختيار مصيباً ومفيداً ولا بأس في تلك اللجنة ان تضم قراء عاديين، يدلون بوجهة نظرهم فيما يرونه مفيداً لهم. واننا لنعرف ان عملاً كهذاً يتطلب جهداً اضافياً يقع على عاتق المؤسسات او الجهات التي تنظم معارض الكتب ولكنه جهد رائع باعتباره سيزرع نبتة في حقل صناعة الكتاب تزداد نمواً وازدهاراً كلما سقيت بماء الحقيقة وتنسمت هواء الدقة والموضوعية. نقول ذلك والأمل يحدونا بعودة هذا التقليد ثانية الى معارضنا المقبلة. حسين درويش