رغم حداثة عمرها استطاعت الدراما العربية ان تتقدم على مدى العقود الثلاثة الاخيرة اشواطاً متعددة، وان تبرز على سطح الحراك الثقافي والابداعي العربي كقطب اساسي من أقطابه وان تؤسس لعلاقة وطيدة ومتميزة مع قاعدة جماهيرية عريضة على امتداد الوطن العربي. وعندما نقول دراما عربية تقفز الى الذاكرة شخصيات وتجارب عديدة لعل من ابرزها الكاتب أسامة انور عكاشة الذي قدم عبر كتاباته مفهوماًجديداً للرواية التلفزيونية الراقية التي تتعدى كونها حكاية مسلسلة من مقدمة وذروة ونهاية، الى تلك الزاوية التي تجعل منها وعاء لالتقاط وتسجيل الحياة والتجارب الانسانية والوطنية، أعماله تجاوزت المفهوم التسلوي للوجبة الدرامية، والبعد الساذج للحكاية التلفزيونية لتحمل رسالة حقيقية او عدة رسالات متوازية ومتداخلة، وان تخاطب عقل المشاهد العربي مع الاستفادة القصوى من خطورة المادة الدرامية وتأثيرها اللامتناهي على ملايين العقول باعتبار ان الدراما التلفزيونية اصبحت المادة الابداعية والفنية الاكثر انتشاراً على الاطلاق في الوطن العربي امام تراجع دور الكتاب والمسرح والسينما وخاصة خلال العشر سنوات الاخيرة. وتحت عنوان «الدراما العربية» استضافت ندوة الثقافة والعلوم في دبي وضمن موسمها الثقافي الرابع عشر الكاتب اسامة انور عكاشة في محاضرة قدم فيها قراءة عامة لماضي وواقع ومستقبل العمل الدرامي متوقفاً عند معطيات واشكاليات عدة يعيشها هذا الحقل الفني محاولاً استقراء مستقبله في ظل المتغيرات الثقافية والاقتصادية والسياسية القائمة وذلك بحضور الاديب محمد المر رئيس الندوة وعبدالعزيز داوود القنصل المصري بدبي ومقدمها بلال بدور امين سر الندوة وعدد كبير من الحضور والمهتمين. استهل عكاشة محاضرته بالقول ان الدراما العربية هي جنس ادبي حديث لم يتجاوز عمره بأحسن الاحوال 41 عاماً وهي الفترة التي ظهر فيها التلفزيون وانتشر في المنطقة العربية ولذلك يمكن اعتبار الدراما في العالم العربي فناً لا يزال في مرحلة استكمال ادواته وكوادره حيث كانت البدايات فيها الكثير من الاستحياء وبدأت مع التمثيليات والمسلسلات التي كانت تعرض اسبوعياً. ومع توالي اجيال العاملين في هذا المجال يعد جيل الرواد أمثال عاصم توفيق، مصطفى كامل، جلال الغزالي، محفوظ عبدالرحمن، رأفت الميهي بدأت الدراما تحتل مكانة الصدارة لتصبح على رأس المواد التلفزيونية التي تجذب المتلقي ومن هنا اكتسبت الدراما خطورتها في انها مرتبطة بأكبر عدد من المتابعين وامام هذا الاقبال ازدادت نسبة الانتاج لتصل في العام الواحد من 50 الى 70عملاً يمكن اختيار عشرة منها تصلح لذائقة المشاهدين وهذه الصورة السلبية اعادها عكاشة الى مجموعة من الأسباب منها: قلة عدد الكتاب ذوي المستوى الابداعي الجيد، عمر التجربة الدرامية القصيرة، الرقابة القاسية والمجحفة والتي تحولت من رقابة لحماية القيم والعادات والدين الى رقابة امن سياسي وتحت هذه المظلة ماتت العديد من الافكار والمواهب وما كان امام العاملين في هذا المجال اما الاحباط او هجر العمل او التنازل، ومن الاسباب الاخرى دخول الدراما الى السوق التجارية، ليصبح الكتاب آلات تملأ ادراج المنتجين بالأوراق والمنتجين يملأونها على أفلام. واكد عكاشة بأن الصورة ليست دائماً بهذه السلبية بل شهدت حركة التطور الدرامي تطورات ومكتسبات ايجابية متعددة ومن ابرز هذه التطورات التخلص من سيطرة المركز الانتاجي الاوحد الذي كان يفرض شروطه ومقاييسه الى تعدد المراكز الانتاجية التي ساهمت وبشكل كبير بفتح آفاق جديدة مع الدراما العربية وايجاد ذلك التنوع والغزارة ولكن المؤسف في الموضوع ان البعض حاول جاهداً ان يحول هذه النقطة الايجابية الى حالة سلبية عبر خلق مواجهات وصراعات الى ما هنالك من ممارسات تسيء اولاً واخيراً للدراما العربية وتطورها. هذه الحالة ظهرت خصيصاً بعد النمو الكبير الذي شهده القطاع الدرامي السوري فراحت الاقوال والتصريحات تتحدث عن سحب البساط من تحت اقدام المصريين دون ان يفهم اي واحد من اصحاب مثل هذه المعارك والتي تهدف اولاً واخيراً الى تكريس الخلافات والنزعات الشعوبية فيما يشكل تطور الدراما السورية اضافة للدراما المصرية وكذلك الامر لبقية الدول العربية وفي هذا الاطار اشار عكاشة الى ان كل انواع الوحدة العربية السياسية والاقتصادية منيت بالفشل ولم يبق الا الثقافة الوحيدة التي بمقدورنا الاعتماد عليها في ايجاد حالة ما من الوحدة وانه طالب اكثر من مرة بفتح ابواب التلفزيون المصري امام الاعمال الدرامية السورية لكن الامر لم ينجح ولم يستمر تحت شعارات عديدة منها مبدأ السيادة الاعلامية الذي بات من المستحيلات في زمن الفضائيات وثورة الاتصالات الهائلة فما دام الفن بمقدوره توحيد الناس لماذا نحوله الى وسيلة فرقة ونزاعات في سنوات سابقة وايام الابيض والاسود كان لا يخلو فيلم سينمائي مصري من ممثلين لبنانيين او سوريين وكانت الامور تسير هكذا دون اي تخطيط مسبق او نوايا لأن رغبة التواصل كانت رغبة فطرية وعفوية الى ان بدأت السياسة وحساباتها تتدخل لتقتل كل الاشياء الجميلة تلك. تحديات المستقبل وفي قراءته لتحديات المستقبل تحدث عكاشة بالكثير من الحزن على الواقع العربي الذي غلف نفسه بنظرية المؤامرة التي كرسها في خياله وحياته وحولها الى عذر دائم يعلق عليه كل اخطائه وخيباته وفشله في دخول قلب العالم والمشاركة الفاعلة فيه. متسائلاً عن السبب الذي يجعل الغرب لا شغل له الا التآمر على العرب فالثروات الاقتصادية والطبيعية يحصل عليها بسهولة لا بل يتحكم بها دون أدنى حاجة لكل هذه المؤامرات الى جانب اننا نستهلك كل ما ينتجه الغرب دون ان يكون لدينا ما نقدمه في مجالات التصنيع والعلوم وغيرها من القضايا التقنية اذن ليس امامنا الا الثقافة والفنون التي لا نحاول حتى مجرد تطويرها وتصديرها للعالم بالشكل الذي يجعل هذا الغرب قادراً على الاقتناع بنا لماذا لا نفعل في الآخر كما تفعل المسلسلات المكسيكية التي غزت و سيطرت على عقول المشاهدين العرب في كل مكان؟ وهنا ألقى عكاشة باللوم على الرقابات العربية التي تسمح بمرور مثل هذه الاعمال السخيفة بينما تمنع الاعمال الاجنبية الجادة والمتميزة مؤكداً ان الغرب لا يزال حتى الآن جاهلاً للثقافة العربية وخصائصها الحضارية فهو لا يعرف عنا الا الصحراء والجمال وتماسيح النيل وغيرها من هذه الصور التي لا تجد من يغيرها. وفي ختام هذه المحاضرة اجاب عكاشة على مجموعة من المداخلات حول استخدام العامية والاعمال التاريخية وتجربته الفاشلة في فيلم كان سيكتبه عن حرب اكتوبر.