ولد رفيق شرف في (بعلبك).. سنة 1932 وفيها نشأ وترعرع.. ومنها استقى فنه وكان في بعلبك يشعر بأنه (اسطورة حية مجهولة في جسد ضعيف معذب). ولما تأكدت موهبة الفتى انتقل الى بيروت للدراسة.. وفي بيروت اواسط القرن رسم حياته مع الآخرين من الفقراء، فأحس بأن (وراء هذا الفقر والويل ظلم يجب ادانته بالفن). وربما لهذه النشأة وتلك الهجرة حملت ذاكرته دائما عالما يتقهقر لصالح عالم يولد.. من أبيه تعلم الكثير.. الوالد الذي كان حدادا انحاز الى الآثار التي بينها بزغ الفنان..(الحياة مواجهة مدهشة) بالتأكيد الحياة مواجهة مدهشة إذا كانت بيئة مثل بعلبك قيد التجربة.. ومثل رفيق شرف فنانها.. درس في الاكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة، والاكاديمية الملكية للفنون (سان فرناندو) مدريد 1957، واكاديمية (بياتروفانوشي) ايطاليا 1960. فنان اصيل يتوارى خلف اعماله، يعرف كيف يصنع من الذات واقعا بالصورة المحسوسة. كيانه مشبع بالاساطير الشعبية، وذاته مليئة بالتناقضات الحياتية، وبتواصل دائم سعى نحو التفرد في اسلوبه الفني المميز.. وبإصرار خط أسس منهجه التشكيلي الخاص، عبر تحليق طيوره ومرافقته لمشاعر عنترة ومحط ترحاله في العصور الاسلامية، وما توحيه اليه الايقونة الشعبية والمنمنمات الواسطية. الا ان هذا التفرد، وذلك المنهج الخاص، لا يعني بالنسبة اليه الوقوف عند مذهب واحد، فهو مزاجي في عطائه، متحول ومتنوع في تجاربه، لا يقبل التصنيف ولا يرضى بالتحديد.. آفاقه متعددة وأعماقه مترادفة. فنان معطاء تجاوز حدود وطنه تقنيا وابداعيا.. وتردد صدى اعماله في العديد من دول العالم.. بعضهم رحب، وبعضهم بهر، وآخرون انتقدوا وقسم عارض واتهم.. ورغم كل ذلك يبقى رفيق شرف فنانا لبنانيا اصيلا دعا الى تمازج الحداثة بالاصالة، وتبني التراث كموقف ابداعي يشكل حافزا للفنان نحو المستقبل. والفن عنده: هو (أن تقودك مشاعرك، وعينك على حقائق الحياة والزمن ورموزهما وصراعاتهما، حراً في بصيرتك وأحلامك). ورغم تعليمه الغربي الا ان «شرف» ظل اللصيق بالبيئة والتراب والمناخ العربي والاسلامي.. لقد درس في بيروت واسبانيا فناً غربياً ومن منظور غير اسلامي.. كان يقول: «لم أشعر بالاكتفاء الروحي في مناخ اللوحة الغربية.. لشعوري بأنها باتت لوحة تسويقية أو لوحة مدرسية بوجه عام. واجهت تساؤلا بهذا المعنى في لوحتي.. تساؤل فنان يستشعر جذوره».. ومن هنا جاءت صيحته: «لا قيمة عالمية لفن بلا وطن او قومية او روح»! ولهذا بحث الفنان عن جذوره ومناخه وحيز لوحته الروحي.. تارة في الطيور ـ في المرحلة التعبيرية الميتافيزيقية وتارة في جمالية الفنون الشعبية العربية الاسلامية.. مستخدماً تراثا بديعا حيا فاعلا، وعنه يقول: استخدمت التراث بصفته التشكيل البحت، واذا ما بدا للبعض من منطق اخلاقي اني اعيد اليه رسوم شرعيته فذلك لأنه حقيقي ومستمر وحي..» وتارة في اللوحة الاسلامية البيزنطية حيث تمازج الايقونة ورسوم الواسطي ـ الحرفة والمدى الروحي.. حتى الحروفية الصوفية السوريالية التي تقول بتجربة ناضجة فالحة.. تؤكد خلاص وإخلاص الفنان للذات وبالذات. يقول رفيق شرف ـ إزاء تناقضات الحاضر العربي: «لا مستقبل آمناً خارج نفوسنا». وقد وجد في التراث الشعبي مادة غنية معبرة، يقول فيصل سلطان: لقد ايقن شرف من خلال معارضه السابقة، ان الصور الشعبية، المعلقة في بيوت الشرقيين، هي مادة غنية لترميم الروح العربية المنهارة ولصنع الذاتية التي تكشف عن الهوية القومية، فصور «عنترة» أو «الزير» التي تزين جدران بيوتنا الشعبية ليست سوى المنبع الذاتي لاساطير الرفض الشعبية، انها نوع من الانتماء الخرافي في التقديس والتعلق بالبطل المخلص. تجربة شرف متصلة بحلقات الفنون الشعبية السابقة، شرف لا يقلد هنا ولا يقع في رتابة الجمود، وانما يتبع مصدر الضوء. انه يرفض ويشذب ويبحث ويتعمق جذور الفن الشعبية محاولا الوصول من خلال دورانه في تشكيل عنتر التراث وعصرنته، الى صفة التوالد الاساسية في تكوين الفن «الاسلامي ـ الشعبي». يذكر ان المعلومات الواردة هي من ضمن منشورات دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة.