كيف تختار عملاً او اكثر لتمنحه جائزة في بينالي دولي للفنون؟ كيف تصل الى قناعة مفادها ان هذه التجربة تستحق الفوز دون سواها في مكان تجتمع فيه المئات من التجارب والأعمال المتميزة؟ وكما اشرنا سابقاً فإن لجنة التحكيم المؤلفة من ثمانية فنانين هم محمد يوسف الامارات، احمد فؤاد سليم مصر، عارف الريس لبنان، اسماعيل الترك العراق، جان تانغي فرنسا، اليسا ماريا الدنمارك، مارتن جيزن المانيا، عبداللطيف الصمودي سوريا كانت امام تجربة ليست بالسهولة المتخيلة وعلى كافة الاحوال كان عليها في نهاية المطاف ان تصل الى نتائج محددة مرضية ام غير مرضية هذا الامر متروك لرؤية لجنة التحكيم والقناعات التي وصلت اليها. ومن منطلق ان هذه اللجنة كان عليها اكثر من اي جهة اخرى ان تتسم بالتروي والتوقف امام جميع أعمال ولوحات البينالي دون استثناء من هذا المنطلق يمكننا الاعتماد على رأيها التقييمي للبينالي بصورته العامة وعن هذه الوقفات مع بعض اعضاء لجنة التحكيم حاولنا التعرف على انطباعاتهم العامة حول التجارب المشاركة وملاحظاتهم الايجابية والسلبية التي لمسوها خلال تواجدهم اليومي بين أروقة هذه الفعالية. أعمال جريئة الفنان عارف الريس اشار في مستهل حديثه الى وجود مجموعة كبيرة من الأعمال التي تتسم بالجرأة والمغامرة الفنية التي يعيشها العالم الفني بصورة عامة عبر حالة من المخاض في المفاهيم والكيفية والنوعية، لان موارد الالهام قد انتقلت من الطبيعة الهادئة والنفس الراضية الى حالة من الصراع الفكري والتساؤلات التي تجاوزت الواقع ودخلت في ميكانيكية العصر ومقوماته المعاصرة المعقدة نوعاً ما، هذا الأمر اوجد اختلافاً للطبيعة الأساسية نحو طبيعة جديدة قائمة على مفرداتها ولغتها الخاصة التي تجعل المتلقي في حالة من الدهشة والسؤال عن ماهيات الفن والتجارب الحديثة هذه الحالة ليست في الوطن العربي بل هي حالة يعيشها العالم بصورة عامة. واشار الريس الى اهمية التحضير المسبق لمثل هذه الفعاليات، فلابد ان تكون الاعمال واللوحات مفروزة ومعروضة قبل انطلاق البينالي بعدة اشهر مضيفاً ان مثل هذه الامور والتحضيرات لاتزال صعبة في المنطقة العربية نظراً لحداثة خبرتها وتاريخها في مثل هذه التظاهرات التشكيلية يضاف اليها وجود مسئوليات خارجة عن الحدود الداخلية لارتباط هذه الانشطة بالعالم الخارجي الذي يفرض بدوره مناخات واجواء جديدة وبالتالي مسئوليات جديدة. وعن مدى رضاه عن النتائج التي وصلوا اليها في جائزة البينالي اضاف الريس ان لجنة التحكيم راضية تماماً فالأعمال خضعت لقراءات وتشاورات دائمة ومستمرة وبمسئولية وبصعوبة وهدوء كامل والبحث الدؤوب عما يميز عملين جميلين عن بعضهما لكن لا يمكن الوصول الى صيغة ترضي جميع الفنانين الآن كل فنان يعتقد ان تجربته هي الاهم والافضل وهذا الامر مرتبط بأنا الفنان التي اعرفها جيداً فأنا فنان اولاً وأخيراً، وفي ختام حديثه اكد الريس الى الدور البارز الذي يلعبه الاعلام والتركيز على التجارب المتميزة واعطائها الاولوية. الاستفادة من تجارب العالم الفنان احمد فؤاد سليم تحدث بدوره عن عدم وجود معايير ثابتة ومحددة يمكن لنا من خلالها القول ان مستوى البينالي جيد او عكس ذلك فالبينالي في نهاية المطاف هو معرض يقام كل عامين لمجموعة من الفنانين المحليين وغير المحليين ولكن اذا تناولنا قضية التجارب الفنية ذات المستويات العالية جداً فبينالي الشارقة يفتقدها نوعاً ما. وفيما يتعلق بملاحظاته حول هذه الدورة أشار احمد فؤاد سليم الى وجود ملاحظات سلبية وايجابية، الايجابية تتمثل في وجود ارادة وجهود حقيقية في مجال الارتقاء بالفنون والثقافة بصورة عامة، ورغبة صادقة في تقديم صورة مشرقة للحراك الثقافي في الامارات والخليج بصورة عامة ولابد من ان تعمل الجهة المنظمة على مسألة اساسية تتعلق بأن اهمية البينالي غير مرتبطة بحجمه وعدد الاعمال المشاركة واتساع اجنحته بقدر ما هي مرتبطة بنوعية التجارب ومدى القيم الجمالية والابداعية التي يطرحها وخاصة في مجال علاقة التجربة التشكيلية العربية وما يحدث في العالم. وهنا طالب سليم بضرورة الاستفادة من الخبرات التشكيلية العالمية والاستفادة من الطاقات الجبارة والمعروفة على مستوى الحركة الفنية العالمية فمهرجان فينيسيا الدولي يرأسه فنان هولندي و«الدوكومينتا» وهي تظاهرة تشكيلية ضخمة في المانيا يرأسها فنان نيجيري وبينالي جوهانسبورج الدولي ترأسه لفترات عديدة فنان ايطالي والغرض من قول ذلك السؤال هل لانزال نخشى ان يشرف على دورة من دورات البينالي وهذا الكلام ليس موجهاً لبينالي الشارقة فقط هل لانزال نخشى ان يتولى رئاسته واحد من الخبرات العالمية في هذا المجال. وحول رضاه عن النتائج التي وصلت اليها لجنة التحكيم وهو احد اعضائها اضاف احمد فؤاد سليم انه علينا الاعتراف بوجود فنانين متميزين وتجارب جيدة عديدة لكن في نهاية المطاف لابد ان يكون هناك قرار، لكنه اعلن رضاه التام عن منح الجائزة الكبرى للفنان الايراني حسين خسرو جردي لأنه قدم تجربة جديدة وتقنيات عالية المستوى وأبعاداً دلالية انسانية كبيرة الى جانب شخصيته الخصوصية. الدعم الاعلامي الفنان الفرنسي جان بيير تانغي ابدى اعجابه الواضح بهذه الدورة من البينالي مؤكداً على ضرورة التمسك به والسعي بكل السبل الى تطويره والارتقاء به مشيراً الى أن أعمال الاوروبيين في هذه الدورة تحمل صفة ايجابية وبعيدة تماماً عن اي حالة او ملامح فوقية مطالباً بضرورة ان يكون هناك عمل اعلامي مركز لتعريف العالم بالتجربة التشكيلية العربية والخروج بها الى آفاق عالمية نظراً لما تتمتع به من حيوية وفضاءات رحبة وتقاطع ملحوظ مع ما يحدث في العالم من تجارب ومتغيرات في هذا المجال. وحول انطباعه ومدى رضاه عن النتائج التي خرجت بها لجنة التحكيم قال انه يشعر بالرضا لأن الاختيار جاء بعد مداولات طويلة وحوارات مشبعة بين اعضاء اللجنة لتجيء جميع الاعمال المختارة مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالابداع والتعبير الذكي وقد غطت الجوائز عموم الاتجاهات الفنية الموجودة في البينالي وفي نهاية حديثه اضاف جان بيير انه علينا الا نتحدث عن السلبيات والعمل على تطوير الايجابيات لأن هذه الاخيرة تمحي السلبيات وتلغي اي اثر لها. تبادل ثقافي الفنانة الدنماركية «اليسا ماريا» عضو لجنة التحكيم تحدثت في البداية عن مشاركتها السابقة في بينالي الشارقة الدولي للفنون ضمن مجموعة من الفنانين الدنماركيين والتي جاءت تحت شعار «حوارات» وبمعنى آخر التبادل الثقافي بين مختلف أقطاب العالم واوضحت انه من خلال المشاركة السابقة والعلاقة الحميمة التي نشأت مع القائمين على هذا البينالي تم ترشيحها لمهمة التحكيم في هذه الدورة. واشارت «ماريا» الى التطور الملحوظ الذي يشهده البينالي والحضور الكثيف من قبل الفنانين العرب والمؤهلين لاجراء حوار بصري بين جذورهم التراثية والاسلوب الحداثي في التعبير. وعن الآراء المتباينة التي احدثتها نتائج مسابقة البينالي لهذا العام اكدت «ماريا» ان منح جوائز لثمانية فنانين من بين زهاء اربعمئة مشارك سيحدث بكل تأكيد العديد من الانتقادات لان هذه هي احدى خواص عالم الفن، واشارت «ماريا» الى تنوع جنسيات لجنة التحكيم الذي يعكس تنوع المرجعيات الثقافية لهذه اللجنة التي عكفت على اجراء نقاشات ودراسات مطولة ولم يكن الامر هيناً في اطلاق النتائج النهائية ولكننا نعتقد ـ لجنة التحكيم ـ بأن الفنان الايراني جدير بالجائزة الكبرى للبينالي كون الاسلوب الذي نفذ به العمل غاية في التعقيد وهو مزج بين الحرفية العالية والفوتوغرافي والتصوير عبر الكمبيوتر وفي النهاية فإن الصورة او الرؤية التي خرج بها العمل تمتاز بالاصالة ومع ذلك لجنة التحكيم مؤمنة تماماً ان هناك العديد من الفنانين الجديرين بالجوائز.