الفنان محمد طه حسين هو واحد من أولئك المبدعين الذين يتسمون بالصفة الريادية، والشمولية، والمؤسسية «مواليد القاهرة 1929» حيث عرفته الحركة الفنية المصرية منذ أوائل الستينيات من القرن الماضي، مفجراً لطاقاته الابداعية في فروع الفن المختلفة مشاركاً ومؤسساً لدور ريادي في فتح آفاق الفكر التشكيلي على عوالم ورؤى جديدة، مساهماً بدور ريادي في مجالات تعليم الفن وخدمة الحركة الفنية وتوجيه مساراتها. فانطلقت رؤيته الفنية، منذ البداية، من ايمان بجدوى الرسالة.. وعن قناعة بضرورة الفن.. احب الفن وعكف على دراسته فنال: - دبلوم من الكلية الملكية للفنون التطبيقية، تخصص زخرفة، خزف، الجيزة، مصر 1951، والمعهد العالي للتربية مصر 1953، ومدرسة التصميم كريفيلد، خزف 1959، ومدرسة الفيرك سمنا، 1960، وكرافيك الفنون الجميلة، المانيا الغربية 1961. - دكتوراه الفلسفة «كلية الآداب»، جامعة كولونيا، المانيا الغربية تخصص تاريخ فن وآثار 1963، «أول شهادة في التخصص بكليات الفنون والتربية الفنية بمصر». وخلال الاربعين عاماً الماضية، استطاع محمد طه حسين ان يعزز باقتدار أهم ابداعاته الحياتية دون ان تتوزع طاقته او تتبعثر متأثرة باتجاهات سوق الفن المحلية او العالمية حيث التزم منذ شبابه المبكر بالاخلاص لمنهج «التفكير بالفن». شارك في العديد من المعارض والمهرجانات المحلية والقومية والعالمية منذ عام 1960 وحتى الآن. في كل من اوروبا الشرقية وشتوتجارت، وميونيخ، وبروكسل، وترينالي الهند، وموناكو، وبينالي فينيسيا، واليابان، وبينالي بلجراد، وبينالي فالبريزو. ان من يتتبع العطاء الفني الغزير للفنان محمد طه حسين عبر مشوار ابداعه الطويل، انما يستمتع ببحثه الدائم في عالمه الداخلي المفتوح بلا حدود، حيث جاوز بتأملاته اغراء محاكمة الطبيعة والواقع، باحثاً عن عالم لا يعرف القيود، مواصلاً الامساك بعناصر تجربته الفنية التي نال من خلالها التقدير على المستويين القومي والدولي.. فالفنان عليه ان يبحث في مختبره الفني عن تعميق خطوات النجاح.. البحث عن اتساع التجربة التي حصلت على تقدير، كي تكون هذه التجربة مرفأ متميزاً للحركة التشكيلية المصرية.. وخطوة فخطوة ادى به هذا الترحال في باطن نفسه، كما ادت به غيرته على هويته الى انصار المشاهد في الشيء الذي يتأمله فهو فنان مثقف ينطلق في مشروعه «التفكير بالفن» للبحث عن عناصر البيئة والتراث عن اشكال مصرية عديدة تشيع بسيمفونياتها الموسيقية متعة في الروح.. وهو ماض في هذا المشروع، البحث منذ سنوات عديدة، عن قناعة بأن رؤية العالم من الممكن لها ان تنعكس وتتبلور من خلال صنع صور واشكال وبناء أشياء وان انعكاس مثل تلك الصور، لا ينبغي ان يتم ـ بطبيعة الحال ـ بتفسيرها بطريقة وصفية، بل بنوع من العقلانية والحساسية تركز على التأمل والتدبر والتركيز الضروري. هكذا تعتمد العملية الابداعية عند «محمد طه حسين» في الاساس على الادراك والتأمل والحدس معاً، انطلاقاً من مخزون معرفي اجتهد كثيراً في بنائه بصمت واعتماداً على رصيد فكري وعلمي وتجريبي يؤهله لتجاوز الجوامد والموروثات، وفك رموزها، وتحليلها، وابتكار لغة عصرية جديدة تصير هي ـ بفعل الفن ـ خلاصة التفاعل للتعبير عن جوهر العمل الابداعي. وقد ارتبط فنه بالقضايا الحياتية الاساسية وادرك قدرة الانسان المبدع على صنع عالمه، وعلى بث الحياة فيه وعلى تفعيل دوره في الحياة، فأدى الى اهتمامه بما هو جوهري في الاشياء، وهو ما يشكل، بالفعل، القاعدة الاساسية التي ترتكز عليها كل اعماله. يدهشنا طه حسين ببراعة استخدامه للخامات المختلفة والتقنيات وبارتياده للعديد من مجالات الفنون البصرية على تنوعها ـ حيث يقدم الآنية والمنحوتة والتجويفات الفراغية والعمل الطباعي والتركيبات والملامس والنسجيات المرسمة. وحينما تتأمل هيئة اشكال «محمد طه حسين» في فنون التصوير والرسم والحفر والعمل الطباعي انما نتبينها واقعة في برزخ متوسط بين هذه العناصر الطبيعية او التراثية ومنحى جرافيكي اشاراتي تجريدي او سحري، ويدعم الفنان هذا الاختيار الجرافيكي المتميز باختيار اشكال دائمة التحول، معبراً بذلك عن رفضه لأي تنميط او اسلوب مسبق التصور او سابق التجهيز. فهو فن ـ في مجمله ـ تركيبي استدلالي يتجنب العقائدية والنشيد الميثولوجي لذاته، لكأنه في النهاية صانع لقيم بصرية تمتص حياة تراثات المنطقة المصرية والعربية والاسلامية برمتها.. من ثم يعمل على تقويمها بتحولات وابتكارات اصلية. ان عالم محمد طه حسين هو فضاء اتصال مفتوح، لا بداية له ولا نهاية، عالم لا متناه من الاشارات عالم من الاشارات متوهج وخارج عن المألوف، فالتخطيطات العنيفة المنطلقة في بعض لوحاته تذكرنا بفعالية وحيوية الخط العربي. لذلك نرى ان كل الحدود بين الرسم واللون تنمحي في أعماله حتى لكأنها تذوب في دفق واحد. يذكر ان المعلومات الواردة في هذه المادة هي من ضمن المنشورات التي طبعتها دائرة الثقافة والاعلام بمناسبة الدورة الخامسة للبينالي.