تواصلت لليوم الثاني على التوالي فعاليات الندوة الفكرية الدولية المصاحبة لبينالي الشارقة الدولي للفنون والتي تقام بقاعة مؤتمرات «اكسبو» الشارقة بمشاركة العديد من النقاد والباحثين التشكيليين العرب والاجانب. وانقسمت فعاليات الندوة امس الى فترتين صباحية ومسائية تحت عنوانين رئيسيين هما «الخصوصية والعالمية في الفنون» و«تصحر الفنون حضور الذات وغياب المجتمع» حيث قدمت اربع ورقات لكل من د. رفيق شرف «لبنان»، حكيم عاقل «اليمن»، محمد الجزائري «العراق»، ناصر عراق «مصر». الفترة الصباحية استهل الدكتور رفيق شرف اوراق هذه الفترة التي ترأسها د. أحمد نوار وادارها الصحفي السعودي عبدالرحمن السليمان. حيث اشار في مستهل ورقته الى أن التراث يؤكد الى حد كبير مفهوم الهوية الحضارية والثقافية لدى كل أمة في عصرنا الراهن، وهو بهذه الصفة يحمل شرعية الانسانية والفكرية والحسية وآفاق الابداع الثقافي في المجتمع، كونه ارثا مرئياً ومعاشا يحيط بكل جوانب حياتنا وذاكرتنا وارواحنا، ففي كل معرض أو عرض تشكيلي نحن نفتش عن الاختلاف اي نفتش عن الآخر، ان اي ابداع وفي اطار ثقافة كل امة لا يمكن ان يتوحد دون قيم خاصة هي في العمق متجذرة في روح الأمة هي في عيشها وحياتها وتوازنها اليومي الذي يمكن تلخيصه بايقاع وتناغم الفرد مع الجماعة عبر الزمان والمكان وتوحد الرؤية المستقبلية. فالانسان العربي ومع التلقي الذي لا حدود له للمواد الاستهلاكية وانماط الثقافة والسلوك الواردة عبر وسائل الاعلام العالمي يخضع دون ان يدري لسيطرة هذه الواردات، وهو يعيش معها صيرورة نزاع لا مثيل له لخصائص تراثه وتقليده وثقافته، هدم في العمق والاتساع، تفتيت لركائز الامة الاجتماعية، وضياع للافق الثقافي الخاص وبالتالي ضياع الحيوية، فبعض الفنانين العرب سافر الى الغرب بخصوصية اكيدة وعاد بدونها. والمطلوب هو ان نذهب الى الغرب لنتبلور وليس لنقولب ونتخلى عن جذورنا، وبعض العلم يجب ان يحرض تنوير الانا، لا ان يستلبها، التعاليم يجب ان تعلمنا الحرية حرية التفكير وحرية النقد، فلا حرية للانسان بعيدا عن ذاته، ولا معنى لحرية لاتتآخى مع الروح. واضاف ان الابداع الحقيقي كان ومازال هو الفن الذي خرق جدار التردد. وعارض الاساليب السائدة حيث لا مرجعية لديه خارج حدود الذات وهواجسها. فن يأتي بذاته بقوة وبساطة حضوره، كما العناصر الحية تعبر عن نفسها ونبرتها في الحياة. كما الحروف والكلمات عندما تزهر شعرا أو تجليات صوفية حيث الخط يصير لونا والارض فضاء والسكينة روحاً، واللوحة شهادة، والفن اعترافا. ان عددا من الفنانين المتصفين بوعي نقدي لعالم اليوم وتياراته الثقافية يشعرون بتلك اللعبة بين الانا وما ليس أنا. وهم بهذا يعون الأفق البعيد لشكوكهم تجاه بعض مظاهر الفن الحديث وتياراته. متجاوزين اللعبة الى المكان الحميم حيث توازنهم ويقين مشاعرهم وابداعهم الحقيقي. فهل هم مقبلون الى المطالبة بعدالة ثقافية في عالمهم المعاصر؟ إذ ليس صعباً ان نعثر على كلمات أدبية وتعابير بليغة مجانية تقلب الحقائق في مفاهيم الفن، وكل شيء يمكن تمويهه ووصفه بنقيضه. لكن المبدع عندما يشعر بالألفة مع نوازعه الحسية يعيش صفاء هذه الحالة يشعر بتمرد يولد وعيا بالعالم يشع منه. يحرره من الضغوط ويألف مكانه الخاص والحميم يستلهمه. فخواصنا ليست زخارف سطحية مقحمة في وجودنا ومسارنا الزمني، بل هي عناصر توافقنا مع الحياة، هي الطقوس التي أرسينا بواسطتها جذورنا يوما بعد يوم وقرنا بعد قرن في مكان ما في هذا العالم حيث الامكنة والرموز والاشكال المرتبطة بوحدتنا حاضرة وحية على الدوام تؤنس ضمائرنا وتواكب نمونا نحو الافضل. واختتم رفيق شرف ورقته بالقول: انه العصر الحديث الذي ينفتح لنا بعد انحسار الروح والبراءة، والمعاناة مع هذا العصر هي التي ستوفر لنا ـ مسئولين ومبدعين ـ امكانية التفكير وحوافز البحث عن الذات وعن الآخر ايضا حتى لا نسقط في دمارات الغربة والانعزال. والفن هو التضامن الوحيد بين الإيقاع والذات، بين الروح والمخيلة. بين الواقع والزمن، وهو يصنع في الوقت ذاته حداثته ونبوءاته بما تتضمنه من هواجس حاضر محسوس وغد غير مرئي. إذ إن كل شيء يمكن عرضه لنماذج القياس والقدرة الا الإبداع الفني لانه صادر عن ذاتية قصوى. إن حداثة كل فنان تنطوي فيما تنطوي عليه تناغمه مع حريته في عملة. فهويته وقضاياه هي اسلوبه ورؤيته هي حداثته. ان نظرية «الاسلوب هونتيجة تقنية»، هي تغييب الفن لصالح الفذلكة المجردة حتى لا نقول للعبة الفرشاة التي لا يجهل خداعها كل فنان عارف. ان الفن صورة لجغرافيا الروح والجسد. ان جدية العلاقة بالخصوصيات الانسانية والحضارية والجغرافية تؤكد اسلوب الفنان وتستحدثه، هذا ما هو مطلوب ان يعيه الفنان العربي، هو ما تهدف اليه التجارب المحترفة المعاصرة والرائدة خارج مناخات ومدارس وقطعان الفن الغربي وتياره، ويجب الاعتراف بالاختلال والاشتباك الثقافي والحضاري الذي نتحسسه ونعيشه في عصرنا في أكثر من حدث، وعلى الفنان العربي في رؤيته الاكثر عمقا وادراكا لعصره ان يكتشف ادواته وضروراته، وبالتالي سيتعرف على موضوعه ولوحته. ان الفنان العربي مدعو الى التعبير عن هذه التحولات للاشياء والقيم وهذا الادراك للثوابت، حيث الحداثة لا تعارض الحياة والتقدم وحيث التقدم لا يعارض التراث وحيث المستقبل هو في معناه تنوير لشرعية التاريخ وإبداع له وحيث العالمية الحقيقية هي الخصوصية مشحونة بذاتها. البحث عن الذات الورقة الثانية للفترة الصباحية قدمها الدكتور حكيم العاقل مشيرا الى ان الخصوصية والهوية لازمت الفنانين التشكيليين العرب على مدى خمسين عاماً مضت وكانت كل النقاشات تصب في مجرى واحد هو ايجاد صيغة تشكيلية تميز الفنانين العرب في خلق اتجاه عربي يميزه ويترك اثراً ملموساً في الاتجاهات العالمية وبصمة عربية تضاف الى سجل التاريخ التشكيلي العالمي كنوع من الاعتراف بمشروعية التوحيد المليء بالاتجاهات والشطحات وشكلت الحضارات القديمة رافداً مهماً في تطور الفنون، فكل حضارة كانت الخصوصية حاضرة لما تمثلته من قيم ورؤى وافكار مرتبطة بالدين، اما الحضارة الاسلامية الموحدة والتي كونت الحضور الحقيقي في مختلف الاقطار العربية بالرغم من وجود بعض الاختلافات في كل قطر فالحضارة الاسلامية جمعت فنونا مختلفة صهرت في بوتقة أو ارضية حملت العام وانتقلت الى المفرد وتأكدت عبر الحضور المعماري والفلسفي، استفاد الاوروبيون من الحضارة الاسلامية بشكل خاص. حيث اتكأت كثير من الاتجاهات على الفنون الاسلامية. رأى في النقوش والزخارف الاسلامية «الجديد» وحاول الاستفادة منه ونحن نرى في الحضارة الاسلامية «القديم» ونحاول توظيفه كمميز يحمل خصوصية الجديد، وهنا تكمن المشكلة، فالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية انتجت هذا النمط من الفن، بينما نحن نعيش ظروفاً مختلفة فلم يعد الشرق شرقاً ولا الغرب غرباً، بل نسيج متواشج يبحث عن صيغ جديدة، تحمل اهدافا ورؤى عصرية اصبحت فيه الذاتية هي محور العمل الفني والعملية الفنية برمتها، فالمرجعيات المعرفية تعددت مصادرها وتنوعت اساليب طرحها، فالتقارب المعرفي في الفنون وثورة الاتصالات والمعلومات قربت الرؤى والاهداف واصبح ما ينتج يسير متلازماً مع بقية الفنون. واضاف العاقل قائلا: ان الحداثة وما بعد الحداثة اصبحت هماً يلازم الفنان في الوصول الى العالمية انطلاقا من نقطة الخصوصية. فالتجارب العربية الحديثة تأخذ ابعادها العصرية التي ترتكز على آلية التحديث في الافكار والرؤية. تجد تقاربا واضحا بين المنتوج العربي الحديث والمنتوج التشكيلي العالمي باستثناء تجارب «الانستليشن» و«البيروفورمن» نظراً للاختلاف في تبني مثل هذه المشاريع، فالفنان العربي مازال يبحث عن تواجده في اأطر ما بعد اللوحة، وفكرة التجريد الحداثي قريبة الى عالمنا العربي اكثر من التشخيصية. فتوظيف الرموز في العمل الحداثي يأتي أكثر خصوصية وتميز وغنى وقد استطاع عدد من الفنانين النفاذ من خلال ابداعاتهم وطرحهم المعرفي تقديم صورة متزنة دخلت الى الفن العالمي والانساني كتجارب جديدة في التناول مع استخدام تقنيات محلية بالاستفادة من الفن الشعبي ومحاولة تقديمه بصيغة حديثة يكون اللون والموضوع اساسيين فيها الى جانب التحرر الداخلي في التناول الذي يطلق الحالة الذاتية المتحررة. خدمت ثورة المعلومات الثقافة والفن وازالت جزءاً كبيراً من الاحتكار، وفتحت شبكة الانترنت طريقا بمتناول الفنان ان يضخ افكاره وتشكيلاته عبر هذه الشبكة التي فتحت سوقا مفتوحا امام الفنان العربي، فمن المواقع المخصصة للتعريف بالفنون الى مواقع بيع الاعمال الفنية وكذلك سهولة التعريف والتعرف على ما يدور في العالم من حراك تشكيلي والذي من المفترض ان يشكل الفن العربي جزءاً منه ومحاولة النفاذ الى الساحة التشكيلية العالمية. واختتم العاقل ورقته مشيرا الى ان لكل فنان عالمه الخاص الذي اثر فيه وكون معارفه وتجربته وعبرها حاول تقديم تجربته مستعملا كل التقنيات الحديثة لإيصال افكاره عبر تجارب بحثية متواصلة تكون منهجيه الطرح المتلازم مع الفردية الاسلوبية والمعززة لحداثة العصر والحاملة لمكنونه الثقافي الذي يفرز تميزه وخصوصيته لتضاف الى التجارب البشرية العالمية. الفترة المسائية بدأت فعاليات الفترة المسائية التي ترأسها الدكتور جمال بلاطه عند الخامسة والنصف مساء بورقتين حول محور تصحر الفنون حضور الذات وغياب المجتمع شارك فيها كل من الباحث محمد الجزائري، والباحث الزميل ناصر عراق. الجزائري قدم ورقة طويلة أشار فيها الى ان الجدل ينصب احيانا على اشكالية الهوية ـ الوطن ـ الابداع، من يتقدم على من! اعتقادا من العولمانيين بان الفنان بفنه، حسب، وليس بهوية وطنه الفنية. يتقدم، ويثبت جدارته وسط صراع الكفاءات، من ثم حين يسأل عن مسقط رأسه، سيقول: ايطالي من اصل عربي، او بحسب جنسية بلد اللجوء، او الحماية. حين يظن هؤلاء وأولئك، ان الوطن نفاهم ولم يقدم لهم ما يحيون عليه، وما يحبون: الخبز والحرية. والواقع انه عارفون جيدا بان الوطن انتماء، وهو لم يخذلهم، لقد خذلتهم شكلانية السلطة، سلطة السياسة وربما سلطة المؤسسة الثقافية، والدوغما، في داخل الوطن ـ كفضاء تفاعل ـ ينشغل الفنان بالتجريد، هروبا من المواجهة لمنظومة التنميط والتقنين والالزام، وتحاشيا للصدام المعرفي المباشر مع الدوغما، أو بداعي (الانتماء) الى العالمية، يتوجه لها، بآليتها التقانية وبخاطبها الفني، فيبتعد ـ بالضرورة ـ عن هموم القلب والوطن، التراث والارث الحضاري، في آن.. بدعوى ان التزام تلك الحصيلة الهويتية محض (فولكلور) يستجيب لمتطلبات السوق العربي ـ محطة لتسويق ابعد ـ تماما مثل تهريب (السجاد) و(الآثار) و(المخطوطات)، واحيانا بدواعي (استثمار) مشكوك في اهدافه ونواياه، كأن (الغرب) يستدعي الفنان المشرقي ـ العربي ـ الى حاضنة تراثية تسجيلية عن طبيعة وبشر تشابه ما قدمه (الاستشراق) وتتماثل معه: المكان في لحظة سكون! العولمة مثل (البوكيمون) تجعلك لا مواطناً.. أي فرداً في العالم ولكن ليس من وطن وهوية لذاتية ثقافية وخصوصية. اذ تعتمد لعبة (بوكيمون) على البيضة الكبيرة السحرية التي تحتوي حيوانات صغيرة يختار الولد من خلالها صورة لنفسه وتميمة ترافقه، ويكون لنفسه مجموعة ويكبر نفسه بوساطة رسومها، يخضع لاعداد، يواجه (أخوة رمزية) واخيرا يتآلف مع تكنولوجيا الغد.. لم يعد أمام الاولاد وخلافاً للالعاب من اجيال سابقة، وصفة استعمال، فالمستقبل غامض، وهم يرون تاليا اهلهم يهتزون ولا حول لهم ولا قوة، ازاء تقلبات العالم، فهم على العكس يتماهون في هذه اللعبة مع (بطل) يتحول الى وحش! من خلال التحولات التي يدخلها على صورته، فيلغى هويته الاولى هذا ما اريد ان اكونه، أو: (هذا ما اريد أن اعيشه)، وفي كل الاحوال، هذه (اللعبة) تجعل الاولاد يتبادلون المخلوقات، وصولا الى التماهي مع الحكاية الخرافية، والسحر! والعولمة تجعلك تقع في فضائحيات حداثوية: ففي متحف الفن الحديث في باريس وقف هواة جمع التحف الفنية مبهورين امام (لوحة) تجريدية معلقة في جناح الفن الانطباعي داخل اطار مميز، حيث اثنى (النقاد) على اللوحة دون تحفظ!، وقالوا انها: (مغرقة في الحداثة) و(تعكس حالة الرفض والغضب التي يستقبل بها الإنسان المعاصر القرن الحادي والعشرين). واضاف انه في مناخ حربين ضاريتين وحصار، انفصل عديد من الفنانين الذين كانوا شبابا، فشاخوا قبل أوانهم، ومنذ الثمانينيات صار بعضهم الى قطيعة اسلوبية ومضمونية عن المعطى الاجتماعي، فلجأوا الى تكريس التجريد والتهويم كي لا تطالهم عين التنميط والأدلجة، وتجاوزاً للخطاب المؤسساتي الذي كرسته سنوات السبعينيات في شكل اللوحة ومضمونها. فانشق هؤلا ء الثمانتسعينيون، واشتغلوا مثل الشعراء الشباب آنذاك على نص مغاير هو حصيلة وعي الضد. في الشعر والقصص، الكلمة واضحة الدلالة خصوصاً في مقارباتها الضدية الرافضة، لكن في الرسم لا يوجد (مستمسك) يدين، او يحاكم على وفق النمط المطلوب، فالتجريد، بصورة خاصة، يضيع الأثر والتأثير! مع ذلك خرج آخرون من معطف السبعينيات والستينيات ـ قبلا ـ الى دكنة التسعينيات بما عمق وجعهم الانساني ومعاناة شعبهم فأنتجوا لوحة تعبيرية ذات لونية عالية وخصوصية هوية، وتدين: هاشم حنون ـ مثالا ـ في حين انغمس آخرون بتلك التمويهية الإشارية، فقدموا مقاربات علاماتية اشتغلت على الحروف والارقام و(الموتيفات)، غلب عليها التجريد والتجريب مثل فاخر محمد، كريم سيفو، ايمان عبدالله. الورقة الثانية الورقة الثانية للفترة المسائية قدمها ناصر عراق تضمنت مجموعة من المحاور منها الانحياز للغرائب، موت لوحه الحامل، غموض النقد وجهامته، تجارب ناجحة مشيرا في مقدمة ورقته الى ان الحركة التشكيلية العربية الحديثة لاحت بوادرها قبل نحو قرن من الزمان في العواصم الرئيسية مثل القاهرة وبغداد ودمشق وانها استطاعت في سنوات قليلة أن تساهم بنصيب معتبر في اغناء الانشطة الفنية والادبية الاخرى من مسرح وسينما وموسيقى وغناء وشعر ورواية، وان الجمهور العام ـ الذي يقبل على التفاعل الخلاق مع الفنون الاخرى ـ أقبل بشغف أيضا على التمتع بالمنجزات الجديدة التي قدمها له التشكيليون مثل اللوحة والتمثال. وامتلاك بيوت الطبقات المتوسطة ـ فضلا عن الارستقراطية ـ بإبداعات كثيرة اقتناها رجال هذه الطبقات ونساؤها نظرا لانها تلبي اشواقهم الى الجمال. ومع ذلك يصاب المرء بالذهول، حين يرى الآن ان حظ الفنون التشكيلية من اهتمام الجمهور العام اصبح شحيحا، وان عشرات، بل مئات المعارض التي تقام سنويا في معظم العواصم والمدن العربية المهمة، لا تحظى بالحدود الدنيا من إقبال الجمهور عليها، ودعك الآن من مسألة الاقتناء! ومما زاد الامر سوءاً ان بعض الفنانين اصطادوا من البيئة خامات غريبة، وحاولوا تقديمها في تكوينات صادمة للذوق السائد، مما ساهم في تنفير الجمهور من القاعات والمعارض. يجب ان نلفت النظر الى حدث اراه شديد الاهمية، ففي عام 1968 اقام الامريكي (والتر دو ماريا) معرضا في ميونيخ بالمانيا، عبارة عن كمية من النفايات تحت عنوان (خمسون متراً مكعباً من القاذورات المستوية)! اما في عالمنا العربي، فأزعم ان هزيمة 1967 كانت هي النقطة الفاصلة بين مزاجين اجتماعيين مختلفين، حيث انهارت الاحلام القومية التي اشعلها عبدالناصر في الخمسينيات والستينيات، والتي احتشدت حولها الامة العربية كلها من الماء الى الماء، وباتت اسرائيل مغتبطة بالاراضي التي احتلتها من اللحم الحي لاربع دول عربية مجاورة لها. معتبرا ان الخصام بين جمهور الذواقة العربي، واللوحة بدأ منذ تلك اللحظة، وان الجدار الذي يفصل العمل التشكيلي عن المتلقي يعلو بانتظام وتزداد سماكته مع الايام، المثير ان الاعوام العشرين الاخيرة شهدت نموا مطردا في اعداد الذين ادركتهم حرفة الفن، حيث تم انشاء العديد من المعاهد والكليات المتخصصة في العالم العربي. ففي مصر على سبيل المثال، لم يكن بها حتى عام 1984 سوى كليتين للفنون الجميلة، واحدة في القاهرة، والاخرى في الاسكندرية، الان وصل العدد الى سبع كليات ومعاهد متخصصة في ظرف خمسة عشر عاما فقط! كذلك انتشرت المعارض الشخصية والجماعية، المحلية والدولية التي تقام في اهم المدن العربية بحيث اصبح لا يمر يوم واحد من دون افتتاح معرض هنا أو هناك. ان المتأمل لواقع الحركة التشكيلية يذهل من حجم الرواج الظاهر على السطح، خصوصا وان معظم الدول العربية لا تبخل في اقامة قاعات العرض وتنظيم المعارض الدولية، وتخصيص مبالغ لا بأس بها كجوائز للفائزين، أو لاقتناء الاعمال الفنية، ومع ذلك يظل الجمهور العام ـ والخاص ـ بعيدا بشكل لافت عن هذا الضجيج، ويندر أن تجد زائرا واحدا لمعرض بعد يوم الافتتاح الذي عادة ما يقتصر زواره على اصدقاء الفنان واقربائه! ومن ثم تبدو المفارقة محزنة.. ملايين طائلة تصرف.. ولا تستمتع الشعوب بإبداعات ابنائها! واضاف عراق ان النقد التشكيلي العربي الذي تأسست معالمه مع بداية النصف الثاني من القرن الماضي على يد بدر الدين ابو غازي ومحمد صدقي الجباخنجي وحسين بيكار في مصر، اقول ظل محتفظا بعلاقة حميمة مع المتلقي، نظراً لانه كان يتسم بخطاب عقلاني يراعي القاريء العام، علاوة على ان نقاد ذلك الزمن كانوا يتقنون اللغة العربية، ويعرفون اسرارها وخباياها. لذا جاءت كتاباتهم ـ في مجملها ـ محكمة البناء واضحة المعنى، لا تخلو من حلاوة. وفي ختام ورقته اشار ناصر عراق الى انه يجزم بكثير من اليقين ان ما يعانيه الفن التشكيلي الان من خصام بينه وبين المجتمع، لم يحدث بهذه الحدة من قبل، بل ان هناك فترات اجتماعية خصبة شهدت تفاعلا مدهشا بين الفنان والجمهور، حيث استجاب الفنان لتطلعات مجتمعة من ناحية، ووضع هذا المجتمع احلامه في يد الفنان ليجسدها في لوحات ومنحوتات من ناحية اخرى. الواقعة المهمة التي اود ان الفت الانتباه اليها حدثت قبل أكثر من ثمانين عاماً، وبالتحديد في سنة 1920 بالقاهرة، عندما تم اقامة تمثال عن طريق الاكتتاب العام ربما لأول مرة في التاريخ. في تلك السنة، كانت جماهير مصر كلها خارجة تواً من اكبر ثورة شهدتها البلاد ضد الاحتلال الانجليزي، وكان الفنان العظيم محمود مختار (1891 ـ 1934) الاب الروحي لفن النحت المصري الحديث، قد استلهم ثورة 1919 هذه، وصاغ همة الشعب المصري وطموحه نحو الاستقلال في منحوتة بديعة من الرخام قدمها في معرض اقيم في باريس ومن حسن الحظ أن شاهدها حافظ عفيفي احد اعضاء الوفد المصري الذي كان يزور العاصمة الفرنسية لعرض قضية مصر واستقلالها على اولي الامر هناك. المهم، وجه حافظ عفيفي نداء يدعو فيه الشعب المصري الى الاكتتاب العام لإقامة تمثال يرمز الى صحوتها، وبالطبع كان يقصد منحوتة محمود مختار. وعلى الفور تم جميع (6500) جنيه مصري اكتتبت بها طبقات الشعب المصري كله، حتى الاطفال، علاوة على (3000 ) جنيه دفعتها الحكومة حتى يستطيع مختار ان يصمم ويبتكر وينجز بخامة الجرانيت العنيدة، أشهر تمثال مصر في العصر الحديث وهو (نهضة مصر) الذي ظل الفنان يعمل فيه ثماني سنوات متصلة، حتى ازيح عنه الستار في 20 مايو 1928 في ميدان رمسيس بالقاهرة ثم نقل الى موقعه الحالي بالجيزة امام حديقة الحيوان عام 1958، ومازال قابعاً هناك حتى الآن شاهدا على عظمة شعب وعبقرية فنان. وبعيدا عن العالم العربي، هناك تجربة مثيرة حدثت وقائعها في المكسيك بعد ان اطاح الشعب هناك بالديكتاتور الحاكم ونظامه المدعوم من بعض حكومات اوروبا، من خلال ثورة دائمة استمرت عشرة اعوام انتهت في سنة 1920، ساعتها اجتمع فنانو المكسيك العظام (سيكويروس) (أوروزكو) و(ريفيرا)، وأصدروا الاعلان الثوري الذي أكد على ضرورة ان يحتذي فن التصوير المكسيكي الحديث بفن الهنود البدائي اكثر من احتذائه بالفن الاوروبي الذي وصفه الإعلان بانه فن حضارة ميتة!