يعتبر شارع الغورية من أهم المعالم الأثرية للقاهرة الفاطمية كما انه ايضا من أشهر وأعرق الأسواق على مدى أكثر من خمسمئة عام وهذا السوق يحتل مكانة كبيرة في وجدان الناس لدرجة التغني به ولعلنا نذكر الأغنية الشهيرة (ياريحين الغورية) للمطرب الراحل محمد قنديل، ولم يتوقف هذا التأثير على المصريين فقط وانما ايضا ليشمل السياح الأجانب الذين انفعلوا بسحر هذا الشارع العريق فرسموه في لوحات رائعة ساهمت في شهرة الغورية عالميا. وتعود تسمية هذا الشارع العريق الى السلطان الأشرف قنصوة الغوري آخر سلاطين المماليك الشراكسة الذي انتهى حكمه عام 1517 ميلادياً عندما فتحت مصر على يد السلطان العثماني سليم الأول، واشتهر حي الغورية بالصناعات والحرف المتخصصة مثل النحاسين والخيامية والفحامين وصناعات الخشب المطعم بالعاج واشتهر أيضا بمحلات العطارة والأقمشة والسجاد اليدوي والأعشاب وكان يضم تجارا من بلدان عديدة كالمغرب وتركيا وسوريا، وتميزت بضائع حي الغورية دائما بالجودة الى جانب السعر المنخفض حيث انه سوق لتجارة الجملة، وكان لهذا الحي دور كبير في الحفاظ على الصناعات اليدوية. الوكالات ويعتبر حي الغورية امتدادا لشارع المعز لدين الله الذي يضم مجمعا ضخما للآثار الاسلامية من العصر الفاطمي والأيوبي والمملوكي ويحتفظ بطابعه الأثري الفريد فيوجد مثلا باب الفتوح وجامع الأقمر وتكية السلحدار والمدرسة الكاملية، وقد اشتهر حي الغورية بنظام الوكالات في البيع والشراء منذ انشائه ولكن هذا النظام تلاشي الآن بعد أن تحولت معظم الوكالات الى آثار، وأشهر هذه الوكالات وكالة الغوري التي ماتزال محتفظة بطابعها المعماري الأصلي وهي تابعة الآن لوزارة الثقافة باعتبارها اثرا ومركزا للفنون بعد ان تحولت الى مرسم للفنانين التشكيليين، وهي مكونة من صحن كبير وحوله محلات متراصة في أربعة طوابق كانت مخصصة للتجار وبنيت هذه الوكالة لاستقبال التجار ببضائعهم وكان بها مكان للدواب ومخازن للمحاصيل وأماكن لمبيت التجار الوافدين. باب زويلة ويبدأ حي الغورية ببوابة المتولي اذا كنت قادما من ناحية القلعة وشارع محمد علي مارا بالدرب الأحمر فشارع السروجية بالمغربلين ثم الخيمية أما المدخل الرئيسي للغورية فهو من ناحية شارع الازهر، وبالتحديد عند باب زويلة الشهير، أمام هذه البوابة العملاقة تجد نفسك على مشارف السوق التجاري بالغورية، وهي بوابة ضخمة يوجد على جانبيها حتى الآن بقايا أسلحة مملوكية وتعلوها مئذنتان شاهقتان، وعندما تشاهد هذه البوابة ستجد نفسك أمام أثر رائع مبهر شاهد على أحداث عظام ربما يكون أشهرها على الاطلاق حادث شنق السلطان طومان باي ونحاول أن نسوقه كما ورد على لسان ابن اياس في كتابه الشهير «بدائع الزهور في وقائع الدهور» حيث يقول انه في شهر ربيع الأول عام 923 هجرية عندما انكسر عسكر طومان باي على يد عسكر من عثمان ويقصد به السلطان سليم الأول فر طومان باي الى البحيرة ولكنه تعرض لخيانة تم على اثرها القبض عليه (وكان ذلك يوم الاثنين ثاني عشرين ربيع الأول من تلك السنة 923 هجرية) وكان ذلك يوم الخماسين يوم فطر النصارى وعيدهم الأكبر فعدوا بالسلطان طومان باي من بر امبابة الى بولاق فطلعوا به من هناك وهو راكب على أكريش وهو في الحديد وعليه لبس العرب الهوارة فطلع من على سوق مرجوش وشق من القاهرة حتى وصل إلي باب زويلة وهو لا يدري ما يصنع به فلما أتي باب زويلة أنزلوه من على الفرس وأرخوا له الحبال ووقفت حوله العثمانية بالسيوف فلما وضعوا (الخية) في رقبته ورفعوا الحبل انقطع الحبل فسقط على عتبة باب زويلة وهو مكشوف الرأس وعلى جسده شاياه جوخ أحمر وفوقها ملوطة بيضاء بأكمام كبار، وفي رجله باس جوخ أزرق، فلما شنق وطلعت روحه صرخت عليه الناس صرخة عظيمة وكثر عليه الحزن والأسف، فإنه كان شابا حسن الشكل سنه نحو أربع وأربعين سنة وكان شجاعا بطلا تصدى لقتال عثمان، والمعروف أن طومان باي هو ابن شقيق السلطان الغوري الذي سمي باسمه حي الغورية والغريب أن تشهد تلك البوابة العظيمة ومدخل حي الغورية مصرع آخر السلاطين المماليك الذي لم تزد مدة حكمه لمصر عن ثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما وظل جسده معلقا على باب زويلة ثلاثة أيام ودفن في حوش مدرسة السلطان الغورى. الشعار ويعتبر باب زويلة الشهير (مدخل الغورية) وهو شعار محافظة القاهرة ويعود انشاء هذا الباب الضخم الى الوزير بدر الجمالي وزير الخليفة الفاطمي المستنصر بالله في القرن الخامس الهجري وسمي بذلك نسبة الى قبيلة زويل احدى قبائل البربر التي جاءت مع جيش جوهر الصقلي قائد جيش الفاطميين الذي فتح مصر، وهذا الباب يتكون من بوابة عظيمة بارتفاع 25 مترا وعرض كل ضلع منها 4.82 امتار وعلى جانبيها برجان عظيمان مقوسان من عند القاعدة، ويوجد أعلى البرجين حجرة تطل على مدخل البوابة للمراقبة وفي أعلى كل برج من البرجين يوجد ثلاث فتحات أغلب الظن انها كانت تستخدم في الحروب، وتوجد أعلى البرجين أيضا مئذنتا مسجد المؤيد الملاصق لباب زويلة، وتظهر براعة العمارة في عصر المماليك الجراكسة في جامع المؤيد المبني عام 1419 ميلادية اذ استغل المعمار وجود باب زويلة واتخذ من هذا الباب قاعدتي لمنارتي الجامع وأتاح لهما بالتالي ارتفاعا شامخا جميلا وسط عمائر مصر الاسلامية وعلما من اعلامها الباقية حتى اليوم، اما مسجد الغوري فيضم في رحابه وكالة وحماما ومنزلا ومقعدا وسبيلا وكتابا ومدرسة وقبة تقف كلها شامخة وشاهدة على أمجاد دولة المماليك بشطريها البحري والجركسي وتوصف الصحوة المعمارية التي قام بها السلطان قانصوه الغوري بصحوة الموت نظرا لما قام به من نشاط مكثف في مجال المعمار الاسلامي انتهى برحيله وزوال دولة المماليك عقب شنق ابن شقيقه طومان باى. سبيل السيدة نفيسة ومع الساعات الأولى للصباح تدب الحركة في حي الغورية العريق ويزدحم برواده القادمين اليه من شتى انحاء القاهرة لشراء الهدايا والأقمشة والسجاد والعطارة، وكذلك لا يخلو الحي من السياح الذين جاءوا اليه للاستمتاع بعبق التاريخ وباعتباره أحد المعالم الأثرية المعروفة والمحببة الى الأجانب، وفي جولة «البيان» داخل هذا الحي العريق حاولنا التعرف على الآثار الاسلامية الهامة هناك. البداية كانت من ناحية شارع الازهر حيث المدخل الرئيسي لحي الغورية، كان أول أثر هو باب زويلة الذي يستقبل كل القادمين الى الغورية، الزحام المستمر ورائحة العطارة هما أهم ما يميز المكان الى جانب العبق التاريخي لمباني الحى، عند عبور البوابة ستجد مسجد المؤيد شيخ ملاصقا لها وتقول كتب التاريخ أن هذا المسجد كان في الأصل سجنا عرف بخزانة شمائل وكان المؤيد شيخ أحد السجناء الذين نزلوا به وعندما أفرج عنه وعلا شأنه واصبح والي مصر بني مكانه مسجدا، وللمسجد مدخل شاهق الارتفاع وفيه قبران واحد للمؤيد والثاني لابنائه، وتغطي جدران المسجد ألواح الرخام الفاخرة الملون بارتفاع المحراب تعلوها نوافذ من الزجاج المعشق رائع الألوان ويتوسط جدار القبلة محراب مكسو بالرخام الملون وعمودان لونهما أحمر ولهما تيجان عربية مذهبة، والمحراب حافل بمختلف الألوان والزخارف، وفي مواجهة المسجد توجد مجموعة معمارية متكاملة شيدتها السيدة نفيسة البيضا زوجة مراد بك أخر امراء المماليك والمجموعة عبارة عن سبيل ووكالة وحمام تم تشييدهما في العصر العثماني عام 1796، والسبيل على اليمين وهو مشيد على طراز اسطنبول ويعلوه كتاب لتعليم الايتام وبعده يوجد باب الوكالة التي تحوي داخلها مجموعة من الدكاكين وعلى الواجهة من الخارج توجد مجموعة أخرى من الدكاكين، أما آخر هذه المجموعة فهو حمام شعبي للرجال وكان يوجد حمام آخر للنساء تمت ازالته وفوق هذه المباني يوجد ما يسمي (بالربع) وهو عبارة عن غرف سكنية متجاورة وهو نظام قديم انتهى منذ فترة، وبعد هذا المجمع الاثري الرائع يوجد سبيل آخر على يمين الشارع وهو سبيل محمد علي الذي شيده محمد علي باشا والي مصر ترحما على روح ابنه طوسون وتغلب عليه الروح الأوروبية في البناء، يوجد أيضا بعده بعدة أمتار جامع الفكهاني على رأس حارة خشقدم، بني هذا المسجد الخليفة الفاطمي الظافر بنصر الله في القرن الثاني عشر وكان مسجدا معلقا يصعد اليه بدرج في أسفله محلات، وعلى اليسار توجد ورشتان لصناعة الطرابيش وهي صناعة منقرضة وقد لا يوجد غيرهما بالقاهرة بعد أن ألغي ارتداء الطربوش كزي رسمي عقب ثورة 1952 فتراجع استخدامها بسرعة الى أن انتهى تقريبا باستثناء بعض الحالات التي تتعامل معه على سبيل الذكرى أو الفكاهة، أو استخدامه في تصوير بعض الأعمال الدرامية التاريخية. وكالة السكر في الغورية أيضا توجد قاعات المنازل المملوكية مثل قاعة الدرديري وكذلك بعض الآثار العثمانية منها منزل جمال الدين ذهبي شاهبندر تجار مصر في ذلك العصر وهو من الآثار النادرة من العصر العثمانى، توجد أيضا وكالة السكرية وكانت تحتكر السكر سنوات طويلة الى جانب المكسرات وياميش رمضان وقد تحول نشاطها الآن لتصبح مصنعا للشمع، ومن أشهر المنشآت هناك عطفة الشرم المسقوفة بالخشب والتي تعتبر مركزا هاما لتجارة الأقمشة بالجملة ومعظم المباني في هذه العطفة منها شبابيك من الأرابيسك، وأهم ما يميز حي الغورية أنك تشعر بالألفة تجاهه وتتمنى زيارته كل يوم لتكتشف فيه اسرارا جديدة.