لعل من أبرز الظواهر في عالمنا الثالث ـ الى جانب ما ابتلى به من ظواهر ـ ظاهرة «الممنوع» التي تحاصر مواطن هذا العالم في كل وقت وكل مكان، وحتى لو أراد الهروب لوجد في وجهه لافتة تقول له في سخرية «ممنوع الهروب»! غابة من «الممنوع» تلف البشر في دول العالم الثالث، وتحيط به احاطة السوار بالمعصم.. عفوا اقصد احاطة «الكلبشات» بنفس المعصم..! الانسان في العالم الثالث يعيش حياته وكل ما حوله يقول له صراحة همساً.. ممنوع.. ممنوع.. ممنوع، أهون هذه الممنوعات واخفها وطأة هي الممنوعات المعلنة التي تحملها لافتات واضحة في الشوارع والأماكن العامة. ممنوع الانتظار ممنوع الوقوف ممنوع قطف الازهار ممنوع الجلوس على الخضرة.. الخ...الخ..الخ. اما أشدها واخطرها فهي تلك الممنوعات التي تهمس بها الشفاه او التي تنطق بها العين الحمراء، تلك الممنوعات التي تحيط انسان هذه العالم بقضبان صلبة لاتراها العيون، ولا يحس بقسوتها وبرودتها الا ذلك الشاطر الذي يحاول ـ غباء او انتحارا ـ اختراقها او تحديها..! ممنوعات النوع الاخير كالاشباح، لاتراها ولكنك تحس بها تحوم حولك، وتحلق فوق رأسك أينما ذهبت، شعور قوي يجعلك تحس بالشرر المتطاير من عيونها وبأصابعها التي ترتفع في وجهك محذرة منذرة حتى تكاد تخترق عينيك كلما حاولت التغافل عن وجودها او «الاستعباط» وادعاء الشطارة غير المحسوبة التي دفع الكثيرون حياتهم او حريتهم او انقطع عيشهم ثمنا لاستخدامها دون حسابات دقيقة! في عملك ما تكاد تدخل مكتب رئيسك او مديرك وفي ذهنك مجموعة من الملاحظات والمطالب الخاصة حتى تستقبلك بمجرد ان تضع قدمك داخل مكتبه الضخم مجموعة من اشباح الممنوع تراها ولاتكاد تراها، تسمع صوتها بأذن حاستك التاسعة «حاسة الممنوعات» تهمس بصوت لايسمعه الا أنت! ـ لا تناقش. ـ لاتعارض. ـ لاتطل الحديث. ـ لا تطلب زيادة او علاوة. ـ لاتحاول ان تبدو ذكياً. وهكذا.. ماتكاد الاشباح تكمل حصارها حول رأسك حتى يتبخر منها كل مارتبته من كلام.. وكل ما أعددته من حوار.. وكل ماعزمت عليه من مطالب، ومن ثم لايبقى في مخك وعلى لسانك سوى مجموعة من الفأفآت والثأثات، مصحوبة بكلمات من نوع: ـ نعم حاضر.. أوامر سعادتك.. شكرا.. السلام عليكم..! اذا كان لك طلب او معاملة في موقع حكومي فستجد في انتظارك على باب ذلك الموقع شبحا من اشباح الممنوع يلازمك خطوة بخطوة، مهمته ان يطلعك اولا بأول على قائمة الممنوع في هذه الدائرة، وهي لاتختلف كثيرا عن مثيلاتها في باقي الدوائر، وكلها ممنوعات خاصة بأسلوب التعامل مع اي موظف تحتك به خلال «دوختك» في متاهات المكاتب جريا وراء معاملتك. ـ ممنوع التكشير في وجه الموظف. ـ ممنوع رفع الصوت امام الموظف. ـ ممنوع استعجال الموظف. ـ ممنوع الالحاح على الموظف. ـ ممنوع الاحتجاج او الاعتراض على الموظف. وببساطة، فإنك وبفضل هذه الممنوعات لاتجد امامك سوى احد امرين، اما الرضوخ والاستسلام لها، واما الاتجاه الى باب الخروج ممزقا معاملتك، مستعوضا الله في حقوقك..! اذا كنت كاتبا او مفكرا، فيجب ان تعود نفسك مادمت مصرا على الاستمرار في فكرك وكتاباتك على استقبال العديد من اشباح «الممنوع» تطرق بابك او نافذتك احيانا.. وتقتحمها احيانا اخرى وفي كل زيارة ستجدها تهمس لك بكل جديد ومفيد من «الممنوع»، فحتى «الممنوع» قابل للتغيير والتطور، ممنوع الأمس قد يصبح مسموح اليوم، ومسموح الأمس قد يكون ممنوع الغد، وعليك مادمت مصرا «برضه» على الاستمرار في مغامرات الفكر والكتابة ان تلاحق بانتباه تام حركة الصعود والهبوط في بورصة الممنوع الفكري، والا فإن هفوة صغيرة.. او حسابات غير دقيقة، قد تضطرك ـ وبسبب خارج طبعا عن ارادتك ـ الى عدم التمسك بالاستمرار في الفكر والكتابة..! واخيرا.. اذا كنت متزوجا فيجب ان تروض نفسك ـ شئت ام أبيت ـ على اعتبار «الممنوع» ضيفا دائما ومقيما في بيتك، يعيش آمنا مطمئنا في حماية زوجتك، يأمرك ـ بتوجيهاتها ـ متى شاء، ويخرج لك لسانه ـ بتعليمات منها ـ متى اراد، ففي بيتك تتلاقى كل الممنوعات المشار اليها سابقا، ممنوعات الطريق وممنوعات العمل، وممنوعات الدوائر الحكومية، وممنوعات الفكر والرأي، وما البيت الا دولة صغرى تنتمي الى دولة اكبر من دول العالم الثالث، تتمثل فيه كل سلبيات.. وسلبيات «عفوا.. لاتوجد ايجابيات» هذه الدول، كل قوانين القهر.. وكل اشباح الممنوع، ودورك في دولتك المنزلية «الثالثية» يختلف عن دورك كمواطن ممنوع في دولتك العالم ثالثية، كما ان دور زوجتك لايختلف كثيرا ايضا عن دور السلطة في دولتك، انها تفرض القوانين المنزلية وتصادق عليها بإجماع رأيها، وتصدر قرارات الحظر والمنع وتنفذها تعسفيا، غير منتظرة منك اكثر مما تنتظره وتتوقعه منك حكومتك في اي دولة كنت من هذه الدول..! وهكذا.. لا مفر من الممنوع.. الا الى الممنوع!!