لست من الذين يمتلكون موهبة الاحتفال بالأعياد، حتى لو كانت أعياد الميلاد، وبالذات في يوم ميلادي أضع على وجهي ابتسامة زائفة لكن خيالي يعود الى الماضي، استعرض حياتي وما حدث فيها، فاكتشف أنني عشت حياة حافلة أحسد نفسي عليها، لكنني أحس بالأسف لأن السنوات تمر سريعة كما بدت، رغم أن الساعات أحياناً تسير بطيئة. وذكرياتي عن الأعياد محدودة ربما كان أبرزها ذكريات الطفولة عن صناعة (الكعك) وآنئذ كان كل شئ يصنع في البيت، وكان عاراً على الأسرة وبالذات على سيدة البيت أن يأكل أحد شيئاً ليس مصنوعاً في البيت، وقبيل عيد الفطر بأيام كانت تعلن حالة الطوارئ في البيت استعداداً لصنع (الكعك) وكان أركان صناعته النساء في البيت أو من بين الجيران والأصدقاء اللائي يأتين من قبيل المساعدة وكانت الفتنة الكبرى لنا ونحن أطفال هي نقش الكعك وهو ما زال عجينة لم تدخل الفرن بعد. وكنا دائماً ملهوفين على أن نمارس النقش، وكنا نقوم به ونحن نحس نفس الاحساس الذي كان يحسه بيكاسو وهو يرسم لوحاته. وكالأطفال كنت أعلن البهجة بالملابس الجديدة والفسحة والهدايا، لكن هذه البهجة لم تدخل الى أعماقي على الاطلاق، فكنت أحس أنني واحد في صف يقول ما يقوله كل أفراد الصف. واتفقت مع نفسي على أن العيد بالنسبة لي هو يوم مثل أي يوم آخر، وأن العيد بالمعنى الذي نتناوله هو محطة قد تأتي في أي وقت. وقد تأتي في يوم العيد، وقد لا تأتي، وفي غالب الأمر لا تأتي. ومرت فترة قبل أن أبحث عن عيد أحتفل به ولو وحدي، وقلت أن (الانسانية) هي أهم شئ على الأرض، ورأيت ولا أدري هل يتفق معي آخرون أن الكاتب الروسى أنطون تشيكوف هو أكثر من يعبر عن الانسانية. ولذلك قررت أن أحتفل بعيد ميلاده على اعتبار أنه (العيد) الذي أريده. وفي هذا اليوم قررت أنني في أجازة، فالأعياد دائماً هكذا، وارتديت ملابس جديدة. وخرجت الى الناس مبتسماً. وما أن قلت لشخص أنني في عيد اليوم لأن تشيكوف ولد فيه حتى نظر إليّ محدقاً، وأدركت أنه يشك في قواي العقلية، وقال لي صديقي المتشائم: ولماذا لا تعيد في ذكرى وفاته؟ وناقشني صديقي المثقف في اسم تشيكوف وهل هو بالكاف أو بالخاء. وذكرني هذا بالترجمات الهائلة لأعمال تشيكوف في الخمسينات والستينات. وقابلت مستشرقاً روسياً كان يتابع هذه الترجمات قال لي: نحن لدينا كاتب كبير هو أنطون تشيكوف، وأنتم أيضاً لكم كاتب كبير بالصدفة اسمه أنطون تشيكوف، وعليك أن تدرك من هذا سوء الترجمة التي كانت غالباً ليست من اللغة الروسية. وبعد احتفالي بعيد تشيكوف وعلى فكرة كانت المرة الوحيدة التي احتفلت فيها به كلمني صديق وهنأني بالعيد. فلما سألته بدهشة أي عيد هذا قال إنه مولد همنجواي! وضاع العيد الذي ابتكرته. لكن استمرت الرغبة في البحث عن عيد خاص. ولا أدري ما حدث كان فجأة أو أنني فكرت فيه طويلاً دون أن أدري فلقد قررت فجأة أن العيد الذي على أن أحتفل به هو عيد شم النسيم، وهو عيد يحتفل به المصريون فقط وأعتقد أنه ميراث فرعوني، وأنه كان عيد الربيع عند المصريين القدماء، وله مظاهر مفزعة مثل أكل الفسيخ والسردين وهو سمك مملح بطريقة فظيعة فضلاً عن أكل البصل، ومن مظاهره أيضاً الجديدة نسبياً البيض الملون. لكنني ألقيت بكل المظاهر المفزعة وقررت أن يكون شم النسيم بالنسبة لي عيد الربيع. والربيع هو الفصل الذي يثير خيال الادباء وأحب أن أحشر نفسي بينهم. وأذكر ذات مرة اضطررت أن أنزل من البيت مبكراً، وأنا من الذين يحبون الاستيقاظ مبكراً، لكنني لا أحب الخروج مبكراً، ولذلك كنت في حالة سيئة. وفوجئت بمقابلة أحد الأدباء. وكان يسير مبتسماً يلبس قميصاً بلا جاكيت، وسألته في دهشة عما يفعل في هذا الوقت، فقال: الربيع يا صديقي الربيع. هذا فصل الحب والحياة، تزدهر فيه الزهور والورود. وتزقزق العصافير. وعلينا نحن أيضاً أن نزقزق معها. لقد جئت من بيتي كما تراني طائراً. وسأظل أطير حتى أصل الى النيل، أستنشق عبيره، وأتوحد مع الطبيعة حتى أصبح جزءاً منها، هذا هو الربيع يا صاحبي! واقتنعت بما قاله الأديب وما قاله غيره من أدباء وشعراء، وصممت على أن أحتفل بشم النسيم على أنه عيدي الخاص. في تلك الفترة عملت أربعة أعوام خارج مصر ولذلك نسيت عيد شم النسيم. وغضبت من نفسي غضباً شديداً، فها أنا أضيع عيدي الخاص. وقررت أن أحتفل به في العام التالي. لكنني اضطررت أن أسافر الى الخارج، وكما ذكرت لك هو عيد لا يحتفل به أحد خارج مصر. وقلت لنفسي: ولو سأحتفل به العام المقبل، وربنا يعطينا العمر. وفي العام التالي كنت في الخارج وخططت للعودة قبل عيد شم النسيم. وأرسلت بطاقة الطائرة لأحجز العودة، وجاءني من أرسلته ليقول لي: أول حجز بعد ثلاثة أشهر! وصرخت ليس فقط لأنني أضيع العيد الذي حلمت به طويلاً، بل أنه من المستحيل أن أبقى في فندق ثلاثة أشهر! وتدخل الكثيرون حتى استطعت أن أحجز يوم شم النسيم، وقضيت اليوم كله في المطار والطائرة. ستقو ل لي: ألم تيأس بعد ذلك؟ والاجابة: بالعكس تماماً، لقد ولد داخلي وهم كبير يقول إن شم النسيم هو أجمل الأعياد فقط لو استطعت أن أصل اليه! كان قد مضى أكثر من عشرة أعوام دون أن أصل الى حلمي الموعود، لكن مهما ابعدتك الأيام عن حلمك لابد أن تصل اليه. وذات يوم واجهت نفسي في القاهرة وفي بيتي إن غداً هو عيد شم النسيم. وحاولت أن أنام مبكراً لأستيقظ مبكراً جداً كعادة المحتفلين بهذا العيد، لكن الشوق الى الحبيب الموعود سلب النوم من جفوني، وحتى عندما نمت استيقظت مرات لأكتشف أن الليل ما زال قائماً. ولكنني في إحدى مرات الاستيقاظ تعجبت لإحساسي بأنني نمت ما يكفي، فالتفت نظرة الى الساعة لأكتشف أنها العاشرة صباحاً. قمت بسرعة مندهشاً للظلمة، لأكتشف أن الغبار ملأ العالم حولي. وجعل الرؤية صعبة، ووقفت في النافذة أرقب الأطفال المحتفلين وهو يسيرون في ضيق تحت ضغط الغبار. وتذكرت أن أسوأ الفصول في مصر هو فصل الربيع. وأن ما قاله الشعراء هو مجرد كلام أو أنه نقل عن الربيع في بلاد أخرى، يكون فيها فعلاً أجمل الفصول. وقلت لنفسي: إنه مجرد قليل من الغبار! فلقد كنت مصمماً على الاحتفال. ونزلت الى الشارع لكنني لم أستطع احتمال الجو الخماسيني فعدت أتحصن بالبيت. وقال لي صديقي العاقل: يحدث هذا أحياناً في شم النسيم لكنه لا يحدث في كل مرة! وعدت أعيش وهم شم النسيم، لكن عاد الحال الى ما كان. في أواسط ابريل أجدني د ائماً مسافراً. وأنا أكتب هذه السطور وحقيبتي جاهزة للسفر الى الكويت لحضور مهرجانها المسرحي. وافتتاح المهرجان هو يوم 16 ابريل أي يوم شم النسيم. ولا أدري هل اختيار هذا اليوم كان من تدبير زميلنا الكبير على صفحات «البيان» الدكتور محمد الرميحي أو المخرج الكبير فؤاد الشطي و لا أظن أن أحدهما أو غيرهما يعنيه أن أحتفل بشم النسيم أو لا أحتفل أو يعرف عن الأمر شيئاً. وأنا أيضاً أصبحت أخاف أن أجد الفرصة للقاء هذا اليوم فيبعده عني الغبار ويقضي على وهم من أوهامي الجميلة التي تساقطت واحدة تلو الأخرى تحت سنابك الغبار والزمن.