خلال السنوات القليلة الماضية انشغلت مدينة تورنتو الصاخبة في هاجس التفوق على مونتريال لتصبح المركز المالي والاقتصادي والثقافي لكندا. واليوم تنتصب ناطحات السحاب المتلألئة في منطقة المصارف وبرج «سي ان تاور» الشهير وغابة الابراج ذات السيادة المشتركة لتعكس نجاح المدينة في تحقيق مبتغاها. تورنتو ـ او «هوجتاون» كما كانت تلقب في الماضي ـ اشتهرت في يوم من الأيام بأيام احادها الوقورة وبكونها ذات طابع بريطاني أكثر من بريطانيا نفسها. لكن الوضع تغيّر الان، فأمواج المهاجرين المتعاقبة التي توافدت على المدينة بعد الحرب من أنحاء العالم حوّلتها من محطة تجارية تتنازع عليها القوات الامريكية والبريطانية عام 1812، الى واحدة من اكثر مدن العالم تنوعاً عرقياً، حتى صارت بمثابة «نيويورك الكندية». وخلافاً للعديد من المدن الأخرى، فان تورنتو أصبحت حاضرة قوية «سكانها 4 ملايين نسمة» دون ان تعيش الجانب السلبي من النمو المدني بما في ذلك ازدياد معدلات الجريمة. وأصبحت الصفة المقترنة بذكر تورنتو هي تلك المدينة الامريكية الشمالية التي يستطيع المرء فيها ان يمشي عائداً الى فندقه بعد تناول العشاء ومشاهدة السينما دون خوف او توجس. أنها باختصار «مدينة تعمل» على حد وصف احد الكنديين الفخورين بتورنتو. ولاشك في أن تورنتو تعيش على نحو ما يقتضيه اسمها المشتق من كلمة تعني بلغة قبائل الهورون الاصلية «مكان الالتقاء». وهناك عدد من فنادق الضواحي، لكن المكان الأكثر حداثة وشيوعاً هو فندق «فور سيزونز» الذي يقع في قلب منطقة يوركفيل الانيقة وينزل فيه كبار المشاهير الذين يزورون المدينة. هناك ايضاً فندق «ساتون بليس» الذي يقع في مركز المدينة ويضم مطعماً شهيراً يتهافت عليه الزبائن من مختلف انحاء تورنتو. لكن اذا كنت ممن ينتابهم الحنين الى ايام كانت فيها البقع الخضراء الكبيرة ترسم باللون القرنفلي على الخارطة فخيارك الافضل عندها هو فندق «رويال بارك». فعندما افتتح في عام 1929، كان هذا الفندق العملاق المؤلف من 1365 غرفة والمبني على طراز فنادق السكك الحديدية الضخمة في كندا، كان يعتبر اكبر فندق في بريطانيا العظمى. وبالنظر الى سقفه المبني على طراز القصور الفرنسية الاقطاعية وردهته الجميلة واثاثه الانيق، يسهل تصور سبب اقبال الاثرياء والمشاهير على النزول فيه منذ ذلك الحين، بما في ذلك ملوك مثل جورج السادس واليزابيث الثانية، وساسة من أمثال تشيرتشل وكيسنجر. يقع «رويال بارك» في قلب مركز المدينة وعلى مسافة قصيرة من مناطق المال والأعمال والترفيه وبرج «سي إن تاور» ومحطة «يونيون ستيشن» التي تعتبر عصب شبكة الخطوط الحديدية في تورنتو. ويعد برج «سي ان تاور» اطول مبنى منفرد في العالم. وتنتصب حوله اربعة ابراج سوداء معتدلة الطول من الطراز الحديث تعود لمركز «تورنتو دومينيوم» وبرج بنك مونتريال الذي يبلغ ارتفاعه 72 طابقاً. لكن اعظم كنوز المدينة المعمارية يكمن في الابنية الكلاسيكية التي تعود لفترة ما قبل الحرب. ان من يدخل الى محطة «يونيون ستيشن» لابد سيسترجع في ذاكرته الايام الذهبية للخطوط الحديدية في حين ان المنطقة المالية في المدينة تحتضن بعضاً من أعظم ناطحات السحاب الكلاسيكية التي تعود لفترة ما قبل الحرب. ومن اهم تلك الابنية ناطحات سحاب «ديكو» ومبنى شركة «كندا بيرماننت تراست» على شارع «باي ستريت» الذي يوازي وول ستريت في حين ان مبنى البنك الكندي للتجارة في شارع كينج ستريت لايزال يعتبر احد اروع معالم المدينة. ولابد لمن يزور تورنتو ان يعرّج على برج «سي ان تاور» الانيق الذي يبلغ ارتفاعه 1815 متراً. والصعود بحد ذاته يبقى تجربة لا تنسى بسبب الاثارة الناتجة عن الارتفاع على المصعد الصاروخي الذي يقطع المسافة الى اعلى المبنى خلال 58 ثانية. ويمكن للزائر استغلال صفاء الجو في اي يوم للاستمتاع برؤية شلالات نياجارا ذائعة الصيت في العالم. وفي الجهة الغربية من تورنتو تقع «تشايناتاون» وهي مدينة داخل مدينة يعيش فيها السكان المنحدرون من أصل صيني والذين يبلغ عددهم حوالي 350 الفاً. أنها مدينة ساحرة يمكنك ان تشتري منها أي شيء من كعك السكر الابيض الى الخيار المجفف. ويعتبر سوق كنسنجتون الجزء الاكثر تنوعاً من الناحية الثقافية من العاصمة حيث يضم بين جنباته تشكيلة لا تضاهى من الأطعمة الطازجة الواردة من مختلف بقاع العالم. وبعد تناول العشاء يمكنك الاستمتاع بمسرحية موسيقية على مسرح الكساندرا الملكي او الذهاب الى متنزه يقع على طول كورنيش الميناء هو «كوينز تيرمينال» المرصوف بالمقاهي والمطاعم. والنطاق الواسع جدا من الخيارات المتوفرة لزوار تورنتو ما هو الا دليل على اشواط التطور التي قطعتها هذه المدينة الفتية خلال قرنين من الزمن. علي محمد