شرفة مكشوفة تطل على البحر المتوسط، موائد مضاءة بمئة مصباح زيت روحاني تحت قبة من السماء المرصعة بالنجوم وفتيات وشبان رائعون يقدمون أطباقاً من سمك الحبّار تماثل في زرقتها زرقة البحر نفسه. وفجأة وبدون سابق انذار يثور بركان جبل اتنا مطلقاً شرراً متوهجاً وجداول برتقالية اللون من فوهته. هذا أحد المشاهد المألوفة في جزيرة باناريا التابعة لأرخبيل جزر ايوليان. فالبراكين تحدد طبيعة الجو والتضاريس المثيرة في هذا المكان الرائع من جنوب ايطاليا. يتميز ارخبيل ايوليان بشواطئه الرملية السوداء وتربته الخصبة جداً التي تنتج ثمار ليمون بحجم ثمار الجريب فروت وثمار جريب فروت بحجم البطيخ. والمنطقة عبارة عن خط ساحلي شديد الوعورة مؤلف من جروف صخرية وبروز شديدة الانحدار تهبط لداخل فوهات بركانية مغمورة وبحار ذات أعماق كبيرة. وبين الفينة والأخرى، تشق النار التي تفرقع تحت السطح طريقها عبر منافذ بركانية على شكل نفثات من البخار لكي تذكرنا بأن المارد النائم لا يزال على قيد الحياة. ومنذ عصر اوليسيس، كان البحارة الذين يمخرون عباب المياه الهائجة حول الجزر السبعة التي سميت على اسم ايولس «آلهة الرياح الاسطورية» يحددون اتجاه الرياح من خلال مراقبة الدخان المتصاعد من فوهة بركان جزيرة «سترومبولي». ايدو، وهو الاسم الذي يطلقه ابناء «سترومبولي» على بركانهم، يزمجر باستمرار ويقذف كل 15 دقيقة تقريباً قطعاً صخرية وصهارة معدنية على شكل جداول متدفقة من الحمم تنساب هابطة من منحدراته الغربية. ان هذا المنظر يصبح رائعاً للغاية في الليل، وأفضل مكان لمشاهدته هو البحر من على متن أحد قوارب التأجير الصغيرة التي تجوب هذه الشواطيء او من شرفة المرصد الذي يقع على مسافة قريبة من البركان. ويمكن للزوار الجريئين ان يستعينوا بدليل سياحي وأن يمشوا مسافة خمس ساعات وصولاً الى قمة بركان ايدو ويخيّموا هناك في مكان لا تصل اليه الحمم. وعلى الرغم من كل الدعاية التي أحاطت بالفيلم السينمائي «سترومبولي»، الا ان الجزيرة لاتزال بعد مرور خمسة عقود على الفيلم مكاناً هادئاً لم تؤثر عليه السياحة الجماعية المكثفة، وخاصة في غير مواسم الذروة. ولا يوجد في هذه الجزيرة سيارات او كهرباء لتشويه ذلك السحر الذي تتمتع به شوارعها النظيفة والهادئة. كما تخلو الجزيرة ايضاً من البنوك وحتى ان جهاز الصراف الآلي الوحيد فيها معطّل. وتعيش قرية جنوسترا المجاورة في عزلة تامة عن العالم، حيث يساهم المد العالي في عزلها كليا عن المناطق المحيطة بها في بعض الأحيان. وعلاوة على ذلك، فان مرفأها الصغير لا يستوعب أكثر من قارب صيد واحد. اما جزيرة باناريا، التي تبعد مسافة رحلة قصيرة بالقارب، فلها ميزة مختلفة تماماً. فهي جميلة جداً بشوارعها الهادئة وبيوتها الملونة وحدائقها التي تقطر يسميناً وخبيّزة ونباتات معرشة اخرى ولكنها تكون في فترة من السنة مقطونة بالنخبة الفنية في ميلانو، حيث يشيع فيها جو من الرخاء الموجود في المدن. وتقيم هذه النخبة في فندق رائع يدعى فندق لارايا، حيث يتميز بطاقمه المتخصص وتصميمه الداخلي الفخم. وفي شهر اغسطس من كل عام، يتحول الفندق الى خلية نحل نشيطة ويمتليء بالاثرياء والمشاهير الذين يأتون الى المنطقة للاستمتاع بالجو الرائع والمناظر الخلابة. اما في الأوقات الأخرى من السنة، فيعود لارايا الى طبيعته كفندق بسيط وهاديء يشكل مكاناً مثالياً للاختفاء عن الانظار وللانطلاق في استكشاف أسرار الجزيرة. ضرار عمير