كانوا أبناء عشيرة واحدة، تتراوح أعمارهم بين الثامنة، والعاشرة، وكان خالد بن حمدون يتميز بقوة تفوق سنه، لا يستخدمها في الغالب إلا للعراك من اجل الحسناء شمسة ابنة عبدالله، ذات الثمانية اعوام، فإذا ما حاول احد الاقتراب منها بسوء أثناء اللعب، أو اثناء ذهابها إلى مكتب المطوع سلمان، أو حين تملأ الجرار من ماء النبع، انهال عليه لكما وضربا، فلا يفوت يوم بسلام بدون معركة من اجلها، ولم يسلم من ضرباته احد من الغلمان حتى بات شبح الكرب والعناء في حياتهم، فلا تسأل عن فرحتهم الكبرى حين علموا ان اسرة خالد هذا قد قررت مغادرة الجبل الاحقب، والنزوح منه إلى شاطيء الخليج في «فريج البحارنة» بمدينة دبي.. حيث صيد الاسماك، والغوص لجلب اللؤلؤ، ومراكز صناعة «المحامل» ـ أي المراكب ـ، وبالطبع ستربطهم تلك الصناعات بالساحل ارتباطاً دائما، كعشرات العمال من أبناء الخليج الذين هربوا من قساوة المعيشة في هذه البقعة المعزولة فوق قمم الجبال التي تطل من بعيد على مدينة رأس الخيمة. جميع الصغار فرحوا الا هي.. تطلعت «شمسة» إلى «خالد» يوم الوداع بعيون منسكبة، وندت عنها كلمات كالهمس: حقا سترحل عنا يا خالد؟ فأجاب بصوت منشرخ حزين: ـ رغما عني يا شمسة وعن ابي كيف؟ ـ لكي يستريح أبي من مشاق الطريق ولماذا اخترتم هذه المدينة البعيدة؟ ـ قال أبي انه فضلها لأهداف وطنية، ولان عمي علي يعمل استاذاً أي نجارا في صناعة المحامل هناك. لكنها لم تعر هذا الكلام التفاتا، وعادت تسأله بعفوية وبراءة: من سيحميني بعدك يا خالد؟ تحير خالد قليلا.. ثم قال لها: ـ احرصي دائما على ان تكوني بصحبة أمك، حتى لا يتعرض لك أحد بسوء. قال هذه الجملة لكي تهدأ، ويصرف عنها الخوف، مع انه يعلم انها تضطر لجلب التروي بمفردها لانشغال ابويها عنها معظم الوقت بجمع الاحطاب، وصنع «السخام» أي الفحم، والرعي.. مسكينة شمسة انها تعاني الوحدة.. مات قبلها أربعة اخوة ولا احد يدري كيف ولماذا ماتوا؟. قالت امه ذات يوم، ان والديها لم يقصرا في علاجهم بالاعشاب تارة، وبالمسح، والوسم ـ أي الكي ـ تارة اخرى، لكن قضاء الله نفذ.. سمع خالد نداء ابيه فهم بالانصراف، فاستوقفته شمسة وتشبثت «بدشداشته» أي بجلبابه، وصاحت: لا تتركني يا خالد ابق معنا وقف حائرا لا يدري ماذا يقول.. لكنه ربت على يدها، ثم قال في حماس، وقد ظن انه سيدخل السرور على قلبها بهذه الكلمات: أعدك ياشمسة ان اتعلم الغوص، لاحصل لك على كل ألوان اللؤلؤ من اعماق البحار.. رفعت عينين دامعتين، وتساءلت: وهل للؤلؤ ألوان؟ ـ فهتف فرحا وقد ظن انه اخرجها من احزانها فقال: بكل تأكيد، فقد سمعت ابي يقول: «القولوا» هو اللؤلؤ الأخضر. «والمغز» ذو اللون الأسود «والجيبون» أي اللؤلؤ الأبيض أضاءت كلماته وجهها الجميل بفرحة طفولية للحظات، لكن سرعان ما عادت للبكاء وقالت: لا اريد اللؤلؤ.. اريد بقاءك انت يا خالد.. قالت نظراته الحائرة: حتما سأعود يوما.. متى يا خالد؟ ـ قريبا ياشمسة.. قريبا بإذن الله وانصرف خالد، وشق طريقاً وسط الزحام، وذاب وأسرته الصغيرة في موج المودعين من العشائر، والقبائل، وقد انتشرت المشاعل في ايديهم لتضيء لهم عتمة الفجر، ثم هبطوا برفقة قافلتين تجاريتين كبيرتين، كانت احداهما متجهة إلى سوق رأس الخيمة، والاخرى متجهة إلى أسواق مدينة دبي، فليس من الحكمة ان تسير أسرة صغيرة كأسرة خالد بمفردها إلى دبي، وتقطع مسافة تستغرق يوما كاملا أو اكثر في ذلك الزمن العسير، حتى لا تتعرض للسطو من قطاع الطريق، او لمهاجمة الحيوانات المفترسة من نمور وذئاب، وثعالب، وحمرة.. لذلك لا تخلو قافلة أو قبيلة من حمل السلاح في زمن لم يعرفوا فيه جيشا، أو شرطة، غير جنود المحتل البريطاني الذين ينتشرون في مدن الإمارات.. وعندما بدأوا الهبوط من اعالي الجبل الاحقب، يجرون ابلهم وحميرهم المحملة ببنادقهم على اكتافهم، وبينهم أم شمسة، وأبوها «عبدالله»، اما شمسة فقد اختبأت منهما خلف تل كبير، وبيدها مشعل، وظلت واقفة ترنو إلى القوافل، وقلبها يخفق خوفا عليهم، وهم يتحسسون الهبوط بأيديهم، وارجلهم الحافية تلك المنحنيات والالتواءات، والسفوح الصخرية.. فانه لو انزلق قدم احد منهم قليلاً لسقط على الفور وهلك في ذلك الوادي السحيق، كما حدث للكثير من قبل.. لذلك لم تتحرك شمسة من مكانها حتى هبطوا جميعا مع اشراقة الصباح إلى الوادي بسلام. وقبل ان يمتطي خالد دابته، كما فعل الآخرون.. التفت حوله كالتائه.. ثم راح يرمق الجبل برثاء.... لم تتحرك شمسة من مكانها حتى غابت القوافل عن عيونها في الصحراء الشاسعة خلف التلال، والكثبان الرملية.. وهنا قذفت بالشعلة فانطفأت.. واتجهت إلى خيمتها تتمهل، وكأن في أطرافها ثقلا.. توقفت قليلا، وتطلعت إلى كل شيء في ذهول.. الصمت الحزين يعم الجبل.. والخيام والعشش المرصوصة كأنها سجون أبدية.. حتى الشمس التي انتشرت تراها غاربة.. آه «يا الغالي» متى تعود..؟ ثم دلفت إلى خيمتها الخالية الا من حصير، وغطاء، واواني طبخ وجرار فخارية، «ومندوس»، وهو صندوق لحفظ الملابس... فانكفأت كعجوز فوقه، ثم مالت فوق بعضها بجانبه.. وانخرطت في البكاء.. وتمر الأيام.. ولا تملك الا ان ترنو من بعيد.. لعله يعود.. لكن الايام تمر.. واليوم الموعود لا يأتي.. لا يأتي.... اشتغل «حمدون» في صيد السمك مع مطلع كل فجر، وعند العصر يعمل بالمقهى الذي اقامه من سعف النخيل بجوار بيته وبيت اخيه هناك بالقرب من الساحل، وذلك ليلم به شمل المعارف والاصدقاء والمثقفين والعمال خلال ساعات فراغهم، وبأسعار زهيدة.. كان يقدم لهم بعض الوجبات.. ومشروب الليمون، وحرص على الا يقدم لهم اي مشروب آخر يستورده الانجليز.. لذلك احبه الرواد واعتبروا تصرفه هذا كفاحا وطنيا، فازدادوا محبة له، واقبلوا على المقهى بلهفة واعتزاز.. بينما انهمكت «ام خالد» في بيع حصة زوجها من السمك في سوق «الشندغة» يرافقنها بعض النسوة، وقليل من الرجال لبيع حصصهم.. وتقوم البنتان مريم وفاطمة.. على شئون البيت العربي المتواضع، كما تتعاونان مع ابيهما في اعداد المشروبات، والمأكولات.. أما خالد فقد اندمج في صناعة المحامل ـ أي المراكب ـ فوق اليابسة مع عشرات «الجلاليف» ـ أي عمال صناعة المراكب. وساعده عمه «علي» في ذلك، ولكن رغم هذه الصلة القوية التي بينهما الا انه كان يقف مع «الجلاليف» في خشوع تام امام تعليماته، بل انبهر بشخصيته القوية، فبدقة واحدة بمطرقته او بصرخة في من يخطيء يخيفهم، ويعملوا له ألف حساب، ولذلك سرعان ما تعلم معهم صناعة «المحامل» وصيانتها، وقطع الاخشاب الضخمة.. لا تعنيهم حرارة الجو أو برودته.. أو رطوبته القاسية.. ويتطلع خالد إلى زحمة العمل التي لا تنتهي، ويتنهد في مرارة، ويتساءل بينه وبين نفسه: ترى متى يكون اللقاء؟ وتمر الاعوام، ويصير خالد جلافا ماهرا.. ان مقاييس المهارة عند «الاستاذ» هو حرص «خالد» على الا يترك ثغرات بين اصطفاف الاخشاب عند صناعة المراكب، فقد تعلم ان تركها يكلف عمه المزيد من «الكلفات» ـ أي الخيوط ـ، كما انه لو سد الفتحات بالخيوط سيبقى مصدر الخطر كامنا بعد الاستعمال الطويل للمركب. لم تغب «شمسة» عن خياله لحظة واحدة.. انه دائماً يتذكرها رغم زحمة العمل، فكان يسأل عنها تجار القوافل ويتنسم اخبارها ايام الجمعة من كل اسبوع. لكن الشوق اليها يكبر معه ويزيد.. قال له احد التجار يوما: شمسة صارت عروسا يتحدث عن حسنها الركبان فشعر بانقباض شديد، وتذكر اللؤلؤ والعهود.. وقرر ان يتعلم الغوص.. فأسرع إلى المقهى وقال لأبيه لاهثا: سأتعلم الغوص لجلب اللؤلؤ. ـ تبدّى لأبيه الخطر.. فارتجف قائلا: اتترك اليابسة والأمان، وتعرض حياتك لمخاطر الغوص؟ هذا لن يكون أبداً. يا أبي انك تعرض حياتك لما هو اخطر.. الم تقف في وجه الانجليز، ورفضت مشروباتهم الأجنبية وحولت المقهى إلى ناد سياسي.. بل وجمعت تبرعات لمساعدة الثوار في فلسطين؟ صمت قليلاً وكاد يستسلم امام حماس ولده واصراره لكنه عاد يقول: ماذا اصنع لو ابتلعتك وحوش البحار، وليس لي في الدنيا غيرك؟ قبل خالد يديه، وقال: السنبوك قوي يا ابي ويستوعب خمسة واربعين غواصا غيري فلا مبرر للقلق. ابتلع الاب ريقه، وسدد اليه نظرات متفحصة، ثم فاجأه قائلاً: اعرف انك ترغب في الزواج من «شمسة بنت عبدالله»، وقد صرفنا الانشغال عن زيارتها.. لكن اعدك يا ولدي ان نشد الرحال إلى الاهل والعشيرة بالجبل، وسوف اطلبها من ابيها ويتحقق لك المراد.. فأصبر و لا داعي للتهور. قال خالد وقد احمر وجهه خجلاً: اذن لنرجيء زيارتهم حتى اعود من الغوص وبيدي مهرها يا ابي. استسلم حمدون امام رغبة ابنه والحاحه، كما بذل خالد جهدا في اقناع امه واختيه، اما عمه فقد وافق بشرط ان يعود للعمل معه بعد رحلة الغوص.. ومرت ايام.. وايام.. تعلم خالد خلالها الغوص بمراحله المختلفة على يد النوخذة «عيسى» صديق عمه الذي يثق به ويطمئن اليه فهو رئيس الغواصين ويعرف بخبرته الطويلة اماكن الغوص، وطرق البحر واتجاهاته بغير خريطة او بوصلة بحرية ترشده إلى مغاصات اللؤلؤ في الخليج العربي كله.. بل ويعتبره خليفة الرحالة الشهير «ابن ماجد» ولذلك اوصاه بابن اخيه خيرا.. وجاء اليوم المحدد للغوص.. وتحرك السنبوك.. واستعد خالد وباقي الغواصين لارتداء عدة الغوص.. وضع خالد «الفطام» ـ أي المشبك ـ وسد به انفه ليمنع عنه الهواء اثناء الغوص.. ثم ربط في رجليه صخرة «البت» لتشده إلى اعماق البحر، كما علق «الديين» في رقبته لكي يضع فيه المحار حين العثور عليه.. ووضع «الخبط» الذي يشبه القفاز في اصابع يديه لحمايتها من الشعب المرجانية القاسية والصخور البحرية أثناء تقليبها بحثا عن المحار، اما «المغلق» أي سكين لفلق المحار فقد تركه فوق سطح المركب حتى يعود من رحلة الغوص فيستعمله لاستخراج اللؤلؤ اللاصق بالمحار ان وجد، كما ترك «شمشول» اي الازار الذي يستر به نفسه عند العودة.. وعلى نغمات الحادي، وغناء الغواصين، وقف خالد يودع الاهل من بعيد.. لكنه تطلع إلى السنبوك الكبير هزاع، وقرهود، وعمارة، وتساءل في شوق: هل يأتي اليوم الذي امتلك فيه سنبوكاً؟ آه لو تحقق هذا لأسميته «سنبوك شمسة». ويفيق على صرخة النوخذة عيسى فيقذف بنفسه في اعماق الخليج بثقة وشجاعة، يدفعه الحب الصادق العفيف الذي من أجله قرر ان يجوب البحار من دبي إلى ايران إلى بومباي والبحرين والبصرة والكويت والسعودية والمهرة ومسقط.. ليعود إلى شمس حياته بكل ألوان اللؤلؤ القولوا.. والمغز.. والجيبون.... الشباب يتصارعون من اجل «شمسة» لكن المطوع «سلمان» يسبقهم اجمعين.. ان له تأثيراً قويا يذيب مقاومة ابيها، او اعتراضه عليه.. وتمت الموافقة رغم فارق السن الشاسع بينه وبين «شمسة»، ورغم انه سبق له الزواج من امرأتين، ماتت كل منهما، وخلفتا وراءهما حفنة من الابناء، ومن الاحفاد عشرة، وعزاء الاب ان المطوع ميسور الحال، وانه ملاذ للسقيم، يطببه بأحجبته، وتعاويذه ويسهم في علاج المرضى بالاعشاب والوسم، ويغنيهم عن الذهاب إلى المستشفيات البعيدة، ويعلم ابناءهم القرآن الكريم، والحساب والخط، ويحل مشكلات القبائل، ويفض منازعاتهم، ويؤم الناس عند الصلاة.. انه البركة، والنعيم المقيم.. وفوق كل ذلك يمتلك بيتا واسعا اقامه من الاحجار، وحوطه بحديقة غناء، كما قدم عدداً لابأس به من الابل والاغنام مهرا لابنته.. انه سينتشله من الفقر، والعوز.. ركعت شمسة أمام امها تقبل قدميها، وتذرف الدمع السخين لكي تقف بجانبها وتمنع هذا الزواج، واخذت تتوسل إليها قائلة: زواجي من المطوع هو الموت بعينه يا أمي احاطتها الام بذراعيها، ثم همست وكلها عجز وقلة حيلة: وماذا بيدي يا ابنتي والكلمة الاولى والأخيرة لأبيك، وليس من عاداتنا ان تتدخل المرأة في شئون الزوج أو تعترض، كما انه تسلم مهرك وانتهى الأمر صرخت شمسة: ياويلي.. كيف يزوجني له وانا في سن احفاده يقول ابوك.. انه البركة والنعيم المقيم. شدت شمسة شعرها وولولت قائلة: لا اريد هذا النعيم.. وارفض المطوع.. ابغضه واكرهه يا امي.. اكرهه.. هتفت الام في ذعر وهي تسد فمها: اصمتي يا بنت حتى لا يتهمك الناس بالفجور.. اصمتي. بكت.. صرخت.. امتنعت عن الطعام والكلام، بلا فائدة، إلى ان دخل ابوها الخيمة يوما منشرحاً، وقد كان برفقة المطوع منذ لحظات، وسمعته يقول لها: المطوع سلمان يشرفك ان تقبلي اعتابه، وتسهري على راحته. وراح يعدد لها مناقبه السابقة، فازدادت حنقا ووجدت نفسها تقول له: كيف تزوجني لرجل عمره فوق السبعين وانا لم اكمل السادسة عشرة بعد؟ لكنها صحت على صفعة قوية من كفه الغليظ، فتكورت بجوار المندوس، والدماء تسيل من فمها، ولم تفق الا وامها تصب الماء البارد على وجهها.. ثم تضمها تارة، وتدلك اطرافها تارة اخرى.. ولما افاقت قال ابوها بغضب: انت ايتها الحشرة.. تعتقدين ان زواجك من المطوع ظلم، وانا اراه حقا مشروعا. استجمعت شجاعتها وتمتمت في نفور: عن أي شيء تحدث، الا عن الحق يا ابي. وهنا ثار وهاج وماج، ولوح مهددا ببندقيته وصاح قائلاً: سأقتلك يا عديمة الأدب والحياء. ففزعت الام وانكبت على ابنتها وحوطتها وهي تقول له مهدئة: ماذا جرى يا عبدالله.. شمسة صغيرة، وغدا تكبر وتعرف مصلحتها، فاهدأ.. واتركها لي. وبعد قليل هدأ واعاد السلاح إلى كتفه.. وقبل ان ينصرف، هدد وتوعد بقتلها ان عادت للتمرد مرة اخرى، ثم اضاف: سيأتي «المعرس» سلمان ليتناول معي طعام الغداء بعد صلاة العصر، ولكي نحدد موعد العرس. غابت شمسة عن الوجود تقودها الذكريات إلى التيه والضياع وعالم الجدب والاحزان، وتمتمت باكية وهي تطل على الوادي السحيق: أهكذا نسيتني يا خالد؟ اين انت؟ اين وعودك؟ انت السبب فيما وصلت اليه. ثم تحاملت وملأت الجرار.. وعادت إلى خيمتها لتجد المطوع «سلمان» مقبلا لزيارتهم .. تطلعت اليه وكأنها ترى ظهره المنحني لأول مرة، وساقيه الضامرتين، المريضتين وهو يجرهما جرا، كما سمعت لهاثه وسعاله وهو يحادث اباها، ويلوح بيده المرتعشة، كما بدا فمه مظلما خاويا من الاسنان كلما تكلم، فهرولت إلى الخيمة، ونحت الجرار جانبا، ثم اسرعت تتقيأ وكلها اشمئزاز وغثيان وقرف، ولمحت العصا الغليظة التي يهشون بها على الغنم، فخطر لها خاطر.. لماذا لا تخرج فتنهال بها على ام رأسه فيسقط ميتا وترتاح منه إلى الأبد؟ لقد فعلها «خالد» من قبل وهو صغير، يوم ان كانت تدرس معه في كتاب هذا المطوع.. ضحكت رغم الدموع التي تنهمر من عينيها.. «آه يا الغالي».. كان يحب المطر اكثر من حب كل البدو له.. يومها صحبها واختيه خارج الكتاب للاستمتاع بهطول المطر، وتبعه الأطفال الدارسون، وذلك حين غاب المطوع لقضاء بعض لوازم بيته، وحين عادوا سألهم عن المحرض الذي اخرجهم من الكتاب في غيابه.. بالطبع صمتت شمسة واختاه، ولكن اصابع الاتهام اتجهت من باقي الأطفال نحو «خالد»، فقام المطوع، وضربه بعصاه.. لم يبك خالد.. ولكنه صمت إلى ان حان موعد صلاة العصر، وتقدم المطوع ليؤمهم، عندها تناول «خالد» عصاه التي كانت ترقد بجانبه، وضربه على رأسه ثلاث ضربات.. فسقط مغشيا عليه، ثم فر هاربا إلى عشته، ولا تدري كيف عادت اليه الحياة مرة ثانية.. ومن يومها انقطع «خالد» عن الدراسة. افاقت شمسة من شرودها.. وتساءلت: اتكون هذه الحادثة هي التي دفعت المطوع إلى الانتقام من «خالد» فطلب يدي ليحرمه مني؟ كان يعرف ان خالدا يحبني، وقد رآه يتعارك من اجلي. وامسكت العصا وتوجهت بها ناحية باب الخيمة.. كان ظهر المطوع لها، وما هي الا ضربة واحدة على أم رأسه فيسقط صريعاً وترتاح من هذه الشيخوخة الظالمة إلى الابد، وليكن ما يكون ورفعت العصا وهمت، لكن امها اقبلت من خلف الخيمة حاملة طعام الغذاء، فسقطت العصا من يدها.. ثم استعاذت بالله من همزات الشياطين. علم الانجليز ان مقهى حمدون تحول إلى ناد سياسي، وانه يسقي رواده مشروب الليمون بالسكر، ولا يرضى بمشروباتهم، وتضايقوا اكثر حينما عرفوا انه يجمع التبرعات المالية، ويرسلها إلى الثوار في فلسطين.. حاولوا في البداية ان يصرفوه عن المقهى.. فعرضوا عليه ان يعمل معهم كمرشد ليعرفهم على الأماكن والسكان «وكان على دراية تامة بجغرافية الإمارات وسكانها وأغروه بمكافأة شهرية كبيرة تعينه على المعيشة وزواج الابناء لكنه رفض عرضهم المغري، وانكر قائلاً: انني لا اعرف شيئاً عن توالي الدار والعربان. لذلك جن جنون الرقابة البريطانية التي كانت مفروضة على المنطقة في ذلك الوقت، وتعجبوا لذلك الوعي السياسي الخطير الذي تولد في قلوب اناس معظمهم اميون، ونسوا ان الوعي السياسي، والتضامن العربي شعور لا يحتاج الى مدارس، كما ذعروا ايضا من الذين يعتلون المنابر ويخطبون عن فلسطين، ويلقون القصائد الملتهبة، ويتابعون اخبارهم، وينادون بوحدة الامة العربية، والقضاء على الاحتلال بشتى انواعه، والوانه وينددون بالانقسام في ربوع الوطن السليب. ويصبح المعتمد البريطاني: ما هذه الفوضى.. اغلقوا كل مكاتب الجرائد، والمجلات، وكل منافذها.. امنعوا التبرعات.. اغلقوا المقاهي.. حطموا كل مذياع يوجد بالمحلات، فالجرائد خطر، والمذياع خطر، انه نافذة يطل منها ابن الامارات على العالم، فيرصد اخباره، ويتفاعل مع احداثه. وراحت الرقابة البريطانية تنفذ اوامر المعتمد البريطاني بكل شدة وصرامة.. فزجوا بالمعترضين على اوامرهم في غياهب السجون.. وانتهكوا الحرمات.. فكان جنودهم يدخلون عليهم بيوتهم، ويأخذون الشباب الى التحقيق عنوة، ولما اجبروا (ابا خالد) على ازالة المقهى.. يومها قال لاخوانه: ما يخالف.. وهل اذا ازالوها، يستطيعون ازالة مشاعرنا.. والمبادئ السارية في عروقنا ودمنا؟ وازالوها بالفعل عنوة، لكنه سرعان، ما فتح بيته للمثقفين، ورجال المقاومة من قبائل الامارات سرا.. لكن الرقابة البريطانية تعقبت (ابا خالد) فأمرت بالقبض عليه.. وكان السجن مصيره مع بزوغ الفجر.. اقترب مركب الغوص من شاطئ الخليج في اتجاه مدينة دبي.. تحسس خالد اللؤلؤ الذي لفه حول وسطه باحكام تحت (شمشول) ومعه مهر شمسة وبعض المال ثمرة جهده وصبره طوال اشهر الصيف الاربعة.. تحسسه بحب ولهفة.. ثم فرد ذراعيه واخذ نفسا عميقا من اريج الوطن الزكي انه غير مصدق انه وصل ورفاقه بسلام رغم المخاطر التي صادفتهم اثناء الغوص في قاع البحار.. وصلى لله شكراً، ثم تطلع الى الافق بشوق وحنين.. آه.. شمسة.. هل تغفرين تباعدنا عندما نلتقي وانثر اللؤلؤ بين يديك.. هل تصفحين؟ ويرسو السنبوك، ويقذف خالد بنفسه وسط ضجيج المستقبلين وقرع الطبول، وزغاريد النسوة، واغنيات البحر التي تهز القلوب، واناشيد الفرحة بالقاء الميمون، والرقصات الشعبية المحببة للنفوس، ولكنه يفتش عن احبائه فلم يعثر عليهم، ولم يجد غير عمه (علي) في استقباله.. ومنه عرف ما جرى لأبيه، كما عرف ان اسرته في زيارة لوالده.. فارتدى ثيابه وغطرته على عجل وترك متاعه في بيت عمه، وهرول قاصداً السجن.. وقد تجمد في عينيه البريق.. وتعثر حمله العريق.. وحل محله ثورة كالجنون، ايجري ايحطم، ايزعق ويثور ايصرخ لا للظلم، لا للعبودية، لا للقهر، لا للاستعمار، لا، لا، وحاول، لكن الكلمات احتبست في حلقه المخنوق.. آه.. للمرة الثانية يشعر بالعجز، يوم ان فارق شمسة وهو صغير، واليوم يقف عاجزا وهو ابن العشرين عاماً امام محنة ابيه، ولا يدري ماذا يصنع، وتلاقت العيون في المعتقل.. بالدموع.. عيون امه واختيه.. ثم وقف امام ابيه باكيا، صامتا.. حزينا.. وسأل اباه: هل فعلها احد الخونة ووشى بك؟ كلا يا ولدي.. لقد امروا بحبسي ظناً منهم ان صيادا مسكينا مثلي يستطيعون الضغط عليه، والحصول منه على معلومات.. كالادلاء بأسماء المجاهدين وعناوينهم.. لكنهم لم يفلحوا. ثم ابتسم واضاف، لا تشغل بالك بحبسي يا ولدي.. فهذا امر بسيط. اوحبسك ظلماً امر بسيط يا ابي؟ لا عليك.. فما هي الا شهور قليلة ويفرجون عني، قالت الزوجة باكية: شهور ام سنين يا ابا خالد؟ بل شهور يا ام خالد فما دام المحققون لا يملكون ادنى دليل ضدي، فما الذي سيبقيني خلف الاسوار؟ قالت مريم باكية: اننا نفتقدك يا ابي. بينما تمتمت فاطمة في ألم: والدنيا من غيرك ليس لها طعم فأحنى رأسه في تأثر وافاق خالد من شروده على صوت ابيه يقول له: ارجع بأمك واختيك الى الجبل. رد الجميع مندهشين: الجبل؟ نعم.. الجبل.. الجبل ذو صدر حنون منذ آلاف السنين، احببناه، وأحبنا ونحن قطعة منه والجبل قطعة من قلبي. ثم جفف عرقاً يتصبب واضاف: وقدم لعروسك مهرها.. قبل ان يفوز بها غيرك. لا استطيع يا ابي، لا استطيع، فلا مجال للأفراح الان. اذن ارسل اباها الي وسوف اطلبها لك ثم نتمم كل شيء بعد الافراج عني.. بمشيئة الله. قال هذه الكلمات وقد دمعت عيناه.. عينا الرجل الصلب الذي يأنف من البكاء.. بينما قال خالد في شجاعة: اسمح لي يا ابي ان انضم الى كتيبة المجاهدين. بل ستبقى مع امك واختيك لترعاهن في الجبل، وتعود الى رعي الابل والاغنام.. وجمع العسل الى ان يقضي الله امراً كان مفعولا. وهم خالد بالاعتراض، لكن اباه سبقه قائلا: يا ولدي، سمعت شيخي يقول، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بر الوالدين افضل من الصلاة والصدقة، والصوم، والحج، والعمرة، والجهاد في سبيل الله. وهنا استسلم خالد، وانصرف مع امه واختيه الى الدار ليعدوا العدة للرحيل. استأجر خالد دابتين واضطر ان يرحل بقافلته الصغيرة بمفرده، بعد ان فشل في العثور على قافلة تجارية، حمل الامتعة امامه على دابة، وامتطت امه واختاه الدابة الاخرى وامسكت مريم مشعلاً لكي يضيء لهم عتمة الطريق وحمل خالد السلاح ابيه وامسكت الام مصحفا صغيراً لا يفارقها.. وانطلقت القافلة الصغيرة تنهب الصحراء نهباً في صبر وترقب وحذر، ولما وصلوا في اليوم التالي الى مشارف الجبل الاحقب بعد استراحة في الطريق.. تنهدت مريم في حسرة وقالت: ها نحن نعود لحياة الشقاء من جديد، فغدا نحش العشب.. (بالداس) اي المنجل.. لنطعم الخراف والاغنام التي سيشتريها اخي خالد. واكملت فاطمة في مرارة: ونعود لصنع الحصير، والسرود والمحصين، والزبيل، اي اواني الطبخ، وكذلك النعلة اي الحذاء. وهزت مريم رأسها في اسف وهي تكمل فقالت: وجمع الرطب في المخرافة، وهو وعاء مخصص لجمع الرطب، ويصنع من سعف النخيل. فعلقت الام مداعبة: انسيتما التروى.. جلب الماء من النبع علقت مريم في نفاد صبر: هذا عمل معتاد.. فكيف ينسى يا اماه؟ قالت الام ضاحكة: والعومة؟ اي تجفيف السردين. فصرخت البنتان.. وقد تذكرتا: اوه العومة. لكن خالدا قال في حنو وشهامة: اطمئنا فسوف احميكما وأمنا من اي شقاء. فدعت له امه واختاه بالسعادة والستر. وارتجلوا جميعاً عندما وصلوا سفح الجبل، وانزلوا المتاع، وسلم خالد الدابتين الى احد التجار ليعيدهما الى صاحبيهما حينما يتوجه الى مدينة دبي للتسوق.. ثم صلوا الظهر والعصر جمعاً وقصراً، وحملت البنتان وخالد الامتعة على ظهورهم وكان نصيب خالد اثقل الامتعة استعدادا لتسلق الجبل. ثم اخذوا في الصعود، ويتطلب خالد الى ارجلهن في حذر وترقب خوفا عليهن من الانزلاق، والسقوط في الوادي السحيق، ذكره هذا الموقف بشمسة حينما كانت ترقبه من علٍ بعينيها المكحولتين بالكحل الرباني منذ ثمانية اعوام.. آه.. ما اسرع الايام. وافاق خالد من شروده على طلقات نيران تنبعث من افواه رشاشات وبنادق من اعالي الجبل.. تصاحبها دقات طبول واغان.. فارتجف وجدانه رعبا.. وسأل امه في قلق بالغ وارتباك: انها مراسم عرس يا امي.. اليس كذلك؟ تطلعت مريم وفاطمة الى وجه امهما في خوف.. فقد اخبرتهما منذ ايام ان شمسة سوف تزف الى المطوع هذه الايام، وقد علمت بذلك النبأ من احد التجار.. لذلك تماسكت الام وقالت له مراوغة: وربما تكون مراسم انتصار احدى العشائر على عدو من اعدائنا الانجليز.. او قطاع الطرق. ثم ابتلعت ريقها، واكملت متلعثمة: انسيت عاداتنا يا ولدي؟ لم انس يا امي والدليل على ذلك ان دقات الطبول في الاعراس لها مراحل اربع، (سارح) وتدق في الصباح.. (وصادر) وتدق في الظهيرة، و(الرواح) وتدق في العصر.. ونحن الآن في وقت العصر، وما نسمعه دقات (الرواح) يا امي. صفقت مريم متصنعة المرح وقالت لتغير مجرى الحديث: رائع يا خالد.. ذاكرتك من حديد. واضافت فاطمة: هو عرس وأيم الله.. وسوف نشارك انا ومريم في صف النساء برقصة (الدهاو) وسنكون احسنهن اداء بين الاهل والعشيرة. تفرست الام في وجه خالد ولم تنتبه لكلام البنتين، ولما وجدته شاردا حزينا اضطرت الى ان تبوح له بالحقيقة شيئا فشيئا حتى لا يفاجأ.. فقالت له بصوت قوي: اسمع يا ولدي لقد اقتربنا من قمة الجبل، واريدك رجلاً صلباً قويا.. متماسكا في مثل هذه المواقف. دق قلبه بعنف وسألها: عرس من هذا يا امي؟ فأجابت مراوغة بصوت حزين: عرس من يكون عرسه يا ولدي أهو زفاف شمسة؟ كل شيء نصيب يا ولدي. آه.. آه.. آه. آهة صرخها في اعماقه، لو اطلقها لرجت جبال الدنيا رجا.. وزلزلت اركان العالم، لكنه تماسك حياء امام امه واختيه، وصمت، صمت القبور ولم يهمس بكلمة، ولم يعلق بحرف واحد وامه تقول له بصوت فيه لون القوة الذي لا يخلو من مرارة: لا تنسى يا ولدي اننا من اهلها وربعها وعشيرتها فعليك ان تقوم بالواجب على خير وجه. وابتلعت ريقها الذي جف من شدة الانفعال والتأثر ثم قالت: اي استقبل المدعوين بحفاوة، وشارك في رقصة الرزيف واللعب بالسيف مع العشائر، وقدم معهم العيش والذبائح عندما يحين وقت الغداء بعد صلاة العصر.. وتنافس معهم على المساعدة والعون في مد الموائد وحمل الصحون.. والحلوى والفاكهة، وقدم مياه الشرب وصب القهوة وانتظر حتى احضار الغسول و.. وصرخت الاخت الكبيرة مريم وقالت بمرارة: كفى يا اماه، الرحمة بأخي.. يكفي ما هو فيه. فسكتت الام على الفور ومسحت دموعا تساقطت، لكن فاطمة قالت لأمها في حرقة: بل قولي له يترصد (للمعرس) سلمان بعصا غليظة وينهال عليه ضرباً حتى يفقده حياته هذه المرة. وأضافت مريم موضحة: ولن يقع على اخي اي ضرر قانوني، اليس هذا التصرف من عاداتنا؟ وهو ان يترصد للمعرس بعض من اهل العروس قبل دخوله على عروسه، بعصيهم لينهالوا عليه ضربا، حتى يعرقلوه عن الدخول عليها، لاختبار رجولته وشجاعته؟ (وسلمان) والحمد لله لن يتحمل هذه المرة ضربة واحدة من اخي. وقالت فاطمة فرحة: وبهذا يفوز اخي بعروسه شمسة.. هذا هو العدل، لكن امهم قالت زاجرة: وأتنسيكما العادات والتقاليد قيمنا الدينية يا عديمتي الفهم والادب؟ تحسس خالد اللؤلؤ الذي ينام فوق قلبه ويدثره بثيابه، وتذكر يوم الغوص الاكبر، يوم كتم انفاسه بالفطام وترك اليابسة والامان، والقى بنفسه في اعماق البحر وراح يغوص ويغوص ويبحث في الصخور القاسية ويفتش عن المحار في الشعب المرجانية متحملاً قساوتها، فالمهم المحار.. ان به لؤلؤ شمسة وراح يغترفه بشراهة.. لا يهاب اسراب الاسماك التي كانت تحوم حوله. . ولا الكائن الضخم الذي مر فوق ظهره. آه ليته ابتلعني، ومت قبل هذا وكنت نسيا منسيا. وفجأة صمتت الطبول، وسكتت الاعيرة النارية. وخمدت الاغاني الشعبية وقد صعد خالد واهله قمة الجبل. وانقلب العرس الى عويل وصراخ وهرج ومرج، وهرول خالد وسط الجموع بعد ان تخفف من حمله، كان كل همه شمسة، فراح يتقصى الاخبار وقلبه يرجف من الخوف عليها، لكنه عرف من الناس ان المعرس سلمان المطوع قد تناول جرعة كبيرة من دواء اجنبي يقوي (الهمة)، فلم يتحمله فسقط ومات.. مات قبل زفافه بدقائق معدودة.. فأحنى خالد رأسه خجلاً، وكتم ضحكة..كادت تنفجر لولا رهبة الموت، ثم اعطاهم ظهره وانصرف مسرعا الى بيت شمسة.. وقد تحسس اللؤلؤ بحب من جديد.. بينما راحت امه تردد: سبحان من حرّم الظلم على نفسه.. سبحان من لا يغفل ولا ينام. ـ كاتبة مصرية عاشت في الامارات اكثر من خمسة وعشرين عاما، وعملت اختصاصية اجتماعية في مدارس دبي منذ قيام الدولة. لها كتاب.. الحوار الاخير مع نجيب الكيلاني.. اصدرته ندوة الثقافة والعلوم في دبي، وعدة مسلسلات قدمت في التلفزيون المصري: تكتب السيناريو والقصة القصيرة والنقد الادبي. لها قيد الطبع مجموعة قصصية تحمل عنوان القصة نفسها