باريس ـ ليلى المر: صحيح أن كل تطور تكنولوجي يفرض روابط وطرق تعامل جديدة في المحيط الذي يطرأ فيه، وذلك ينسحب على التطور التقني والتكنولوجيا الجديدة ، التي إجتاحت مجتمعاتنا في السنوات الأخيرة وصاحبها تطور في السياسة الإقتصادية، وإنعكس ذلك مباشرة على ميدان العمل سواء من حيث التنظيم أو المفهوم المرتبط به، (بعبارة أخرى الى العمل ونظرتنا اليه). لكن إذا كان كل ذلك واقعاً ملموساً فهل ذلك يعني أن كل ما تخيلناه وكل ما سمعنا قد تحقق برمته ؟ (كمقولة نهاية العمل، وأننا سنعيش في مجتمع أكثر عدالة يكون فيه الكل مهندسون يديرون الروبوت )، أم أننا نشهد مرحلة إنتقالية نعايش فيها الجديد ومخلفات الماضي. فمع التطور التقني الذي طرأ في السنوات الأخيرة أصبحت المهمات أكثر تعقيداً تقنياً وتنفيذها يتطلب مهارات أعلى، وبدأت المؤسسات تتطلب في عمالها صفات جديدة كالقدرة على الإبتكار، والمبادرة الفردية، وتعدد المهارات. وشهدنا إنتقال موضوع الخطاب الاجتماعي الإقتصادي بحيث أصبح التركيز على الثروة البشرية والمعرفية. فبعد الكلام عن قوة الرأسمال المادي أصبح من الشائع الكلام عن الرأسمال البشري المتجسد بالمعرفة. لذا نجد المؤسسات اليوم تراهن على مواردها البشرية التي أصبحت تمثل القيمة الإقتصادية. آلان تورين عالم الإجتماع الفرنسي يرى أنه طوال عشرين عاماً جرى الكلام عن السوق المالي العالمي، ومنذ خمس سنوات عدنا للكلام عن الإنتاج والإقتصاد الجديد وأتمنى أننا في الخمس سنوات المقبلة سنبدأ بالكلام عن توزيع عادل لثروات الإنتاج. حول هذا الموضوع كان لمندوبة ورلد نيوز لينك، هذا اللقاء مع عالم الإجتماع في باريس. مفهوم العمل ـ السؤال الذي يمكن طرحه هو ما هي نظرتنا اليوم الى العمل؟ وما هو المفهوم أو المعنى الذي يرتبط به ؟ ـ آلان تورين: نحن نعرف أن الوظائف أصبحت تتطلب مهارات متطورة متخصصة ونعرف أيضاً أنه كلما تعقد وتتطور النشاط تقنياً كلما إزدادت كثافة العمل وتسارعت وتيرته وذلك يعني أن تنفيذ المهمة أصبح يتطلب تركيزاً أعلى للإنتباه، وقدرة على التحليل ولمواكبة التطور التقني المستمر أصبح التأهيل والتدريب المهني بشكل متواصل أمراً طبيعياً. لكن ذلك لا يعني إختفاء الفروقات واللامساواة سواء في فرص الحصول على عمل، ما يتغير حالياً هو المعنى المرتبط بالعمل المفهوم حيث يأخذ اليوم بعداً فردياً شخصياً. كان واجباً وحقاً بالمعنى السوسيولوجي لكن (..) أصبحت النظرة في وقتنا أكثر فردية من السابق فهو اليوم قيمة يحقق من خلالها الإنسان ذاته ووسيلة لتحقيق مشروع شخصي. العمل لم يعد كواجب هدفنا الأول أن نكون نحن الفاعل الأساسي في سيرتنا الذاتية مما يضطرنا أن نكون مؤثرين وفاعلين في مجتمع التبادل، أشخاص ذات مشروع وقناعة. العمل كحاجة وكوسيلة تحرر وسيلة للحرية والمسئولية. ـ لكن كيف تفسر عدم المساواة أمام العمل هناك الذين ينوؤن تحت عبئه وأولئك الذين لا يجدون عملاً كذلك بالنسبة الى الأجور ؟ ـ عدم المساواة يعود لسببين، السبب المتعلق بالسوق : أي عندما تكون انتاجية العمال أقل وكلما تتطلب إنتاج سلعة ما عدداً أكبر منهم فإن أجور هؤلاء تتدنى. السبب الثاني مرتبط بتدخل الدولة. بعد الحرب العالمية الثانية إنخفضت هذه الهوة لكننا نشهد عودتها وإرتفاعها منذ عشرين عاماً. وذلك يعود لعدم تدخل الدولة من جهة، وحدة المنافسة من جهة أخرى. لنرى ما يحصل مع «الستوك اوبشن»، التي يمكن ان يكون لها ما يبررها في بعض الحالات ولكن هذا لا يمنع أن هناك من يتقاضى 400 مرة أكثر مما يتقاضى الغير. مقابل التخصص التقني وإحتلال التقنيات مكانة بالغة الأهمية نرى المهن الحرفية التي تستعيد مجدها وترقى الى درجة الفن ، هل يمكن إعتبار ذلك ردا عفويا على المبالغة في تقدير المهارات المتخصصة تقنياً ؟ شيء مختلف ـ آلان تورين : صحيح أننا نشهد إختفاء المحلات التجارية الصغيرة تحت ضغط المحلات التجارية الكبرى، لكن الحرف ذات النوعية في كافة المجالات سواء في المعادن، والمأكل هي بإرتفاع مستمر والحرف مثال جيد. الحرف الفنية والحرف المتخصصة والفولكلورية تتطور وذلك كرد على القالب الذي يجعلنا كلنا متشابهين وهذا جواب ورغبة في ايجاد شيء مختلف. من الواضح ان ذلك يعكس حباً للتفرد والتنوع الثقافي للذوق الذي يشجع تطور السياحة والمطاعم والثياب. هذا شيء مهم. لكن الشيء الأساسي المطلوب لخفض اللامساواة هو تدخل الدولة وتدخل هذه الأخيرة يتطلب ضغطاً وتحركاً إجتماعياً. طوال عشرين عاماً كنا نتكلم عن السوق المالي العالمي، ومنذ خمس سنوات عدنا للكلام عن الإنتاج والإقتصاد الجديد الخ وأتمنى أننا في الخمس سنوات المقبلة سنبدأ بالكلام عن توزيع عادل لثروات الإنتاج لأن الفروق الإجتماعية تعمقت في العقدين الأخيرين، وخفضها يتطلب تدخلاً وبما أن رفع الضريبة لم يعد ممكناً يجب النظر برفع الأجور الصغيرة، والتأهيل طوال الحياة، وإعادة التخصص. بكلمة يمكن القول أن الكفاءة والتكوين المتواصل أمران مهمان وأساسيان لتجاوز الحدود والفروق الإجتماعية. إذن التربية والتعليم هما الأساس ومن الواضح أن من الفروق الإجتماعية الإساسية ناتجة عن خلل أو عدم مساواة بالوصول الى المعرفة والتعليم ، إذن الحل يكون برفع تربية وتعليم الأكثر ضعفاً . ـ ما هي إذن الوظيفة الإجتماعية للعمل ؟ ـ العمل له معنى إجتماعي أن نعمل هو أن نستحق حياتنا. لكسب معيشتنا يجب العمل ولإيجاد مكان في المجتمع يجب العمل. والآن المعنى الشخصي والفردي الذي يمكن أن يعطيه ويكونه الفرد عن المهنة التي يقوم بها يتزايد فردية بسبب الكفاءة والمهارة التي تتطلبها المهن التي أصبحت أكثر تعقيداً وتتطلب مهارات متخصصة وذات كفاءة. عندما يكون العمل مهماً ويعطي الإعتبار ذلك ينعكس على الصورة التي يكونها الفرد عن نفسه يشعر بأنه يقوم بعمل يهمه ويعطيه الإعتبار ، وأنا أعتقد أنه من الخطأ القول أن العمل هو عبارة عن حمل أو عبء يجب تنفيذه، أعتقد ان العمل بالنسبة لنصف السكان هو وسيلة للتعبير عن النفس ولتأكيد الذات وبالنسبة للنصف الآخر هو حماية من البؤس والبطالة. ولا يجب نسي ان ذلك لأن هناك الكثيرين ممن يقومون بعمل متعب وشاق يشكرون الله أن لديهم عملاً. الإنسان كان دوماً وسيحتاج على الدوام للخضوع الى قيم خارجة عنه وقد تكون هذه قيم دينية، أو سياسية، أو إجتماعية، أو تاريخية وأعتقد أن العمل هو معادلة وعلاقة بين الإنسان ونفسه، علاقة شخصية تزداد إيجابية وبهذا المعنى فإن العمل يبدو كقيمة جديدة وعصرية. في القرن التاسع عشر القيمة والمثال كان يتمثل بالإنتاج، والتقدم واليوم أجد ان الأفراد يبحثون عن فردية تميزهم في العمل الذين يقومون به، إبداع تنوع إستقلالية في العلاقة مع الوظيفة أو المهنة التي يؤدونها. الإقتصاد الجديد يخلق صيغة جديدة من العلاقات الإجتماعية وهذه قاعدة ليس فقط في التكنولوجيا الجديدة. نحن نعيش في إقتصاد انتاج واستهلاك مباشر ثم إقتصاد تديره التقنيات أو العالم التقني، وانتاج مرتبط بالمعرفة التي هي نفسها تترجم الى تقنية. نحن نعيش في مجتمع المعرفة. خدمة (و. ن ل)