«سوالف» الاباء كبار السن هي دائما ممتعة وشيقة وشهية والسبب في ذلك يعود الى كونها تجتر بطريقة عفوية وصريحة وصادقة. وكلما جلست الى شخص من اولئك الذين تخطت اعمارهم الستين عاما اجد نفسي مشدودا بشراهة الى حديثهم حول الماضي البعيد، فالمعلومات التي ترد عبر ذكرياتهم لا تخلو من الاثارة والتشويق وان تكررت. وفي واقع الامر فان الاباء عاشوا حياة مريرة خالية من مظاهر الرفاهية ورغد العيش بل كابدوا بضراوة من اجل البقاء على قيد الحياة فمنهم من قضى نحبه ومنهم من امتد به العمر الى زماننا هذا ليعيشوا معنا وقتنا الزاهي بكل شيء. الوالد محمد علي حسن القديم البالغ من العمر «68 عاما» هو احد الرجال الذين عاشوا تلك الفترة البعيدة من السنوات وكابدوا ضنك الحياة بعزيمة لا تعرف الذل والهوان وصارعوا ببسالة واصرار من اجل لقمة العيش. وفي منطقة خور خوير الراقدة بهدوء على شاطيء البحر كان المنزل الذي ولد فيه الوالد محمد، وكما هي الحال بالنسبة لجميع الاطفال الذين يولدون في ذلك الوقت فان القابلة هي التي اخرجت الوالد محمد القديم من بطن امه بطريقة بدائية تقليدية. ويقول القديم: عندما خرجت من بطن امي الى الحياة كنت الخامس بين اخواني الذين سبقوني الى الحياة الدنيا وكان والدي علي حسن يعتمد اعتمادا كليا على البحر كمصدر رزق له اذ كان بحوزته اثنان من الشواحيف التي تتحرك بالمجاديف. وعندما بلغ الوالد محمد القديم السادسة عشرة من العمر سمح له والده بمزاولة العمل في البحر. تحريك المجاديف ويذكر في هذا الصدد ان اول عمل قام به هو المساعدة في تحريك المجاديف، ويقول بالمناسبة كان ذلك العمل شاقا بالنسبة لي فبعد عودتي من اول رحلة بحرية لم استطع النوم من فرط الالام التي شعرت بها في مواضع شتى من جسمي ولكن بالرغم من كل ذلك فقد نهضت مبكرا صباح اليوم التالي وصعدت الى ظهر الشاحوف الذي يملكه الوالد وشاركت في العمل بكل نشاط. ويضيف وبعد ثلاثة ايام من العمل المتواصل وجدت نفسي اقوم بكل المهام البحرية بمنأى عن المعاناة. وفي غضون فترة وجيزة تخطى الوالد محمد القديم كل العقبات واكتسب خبرة واسعة في الاعمال البحرية وصيد السمك جعلته يتولى بنفسه ادارة العمل من خلال شاحوف والده. ويقول الى جانب المهام المتعلقة بالمجاديف تعلمت طرق الصيد وكنت موفقا في كل تلك الاعمال حتى حسب الناس بأنني جئت من بطن امي وبمعيتي مهنة الصيد. ويرى الوالد محمد القديم ان البحر كان مشحونا بالاسماك عندما كان الناس يمارسون الصيد اعتمادا على الشواحيف ولكن بعد لجوء الصيادين للطرادات الحديثة هربت الاسماك الى بحار اخرى ولم يبق منها الا القليل. ويوضح ان اكثر الاسماك توفرا بمياه رأس الخيمة في ذلك الوقت الكنعد، القباب، الخباط الشعري، القرفه. ويقول: حين نخرج في رحلات الصيد كانت تحكمنا مثل وقيم في تعاملنا مع زملاء المهنة وايضا مع الثروة السمكية ذاتها فمثلا لاندخل المواقع التي نعرف انها لآخرين ونحافظ على املاك غيرنا من الصيادين ونسعى لنجدة المنكوبين. اما بالنسبة للثروة السمكية فكلنا كان يعمل بشتى الطرق على المحافظة عليها وذلك من خلال الامتناع عن استخدام طرق الصيد القابضة للاسماك الصغيرة اضافة الى تجنب اتباع اسلوب الصيد بالحرف الذي يعتمد على الطرادات لانه يأتي بالاسماك صغيرة الحجم الامر الذي يضعف الثروة السمكية على المدى القريب والبعيد. ويضيف الوالد محمد القديم ان من التقاليد المتبعة في ذلك الوقت هو توزيع كمية من الاسماك على الفقراء والمساكين واهل «الفريج» وكذلك على الصيادين الذين لا يتمكنون من الخروج من رحلات الصيد لاسباب مرضية او ظروف طارئة اخرى. ويذكر انه بعد الوفاء بهذه الالتزامات التي كانت بمثابة واجب ينفذه الصيادون طواعية يعرض المتبقي من الاسماك للبيع وان كانت الاسعار متدنية جدا قياسا بما هي عليه الآن وكمثال على ذلك نبيع المئة سمكة من نوع الشعري بقيمة مئة روبية فقط اي ان السمكة بروبية واحدة فقط. وتحدث حول اهمية الاسماك كغذاء للسكان مشيرا الى ان الوجبة الغذائية التي كان يعتمد عليها الناس مكونة من العيش والسمك ولحم الماعز اضافة الى قرص يصنع من طحين القمح وعسل النحل. غذاء السكان ويقول: قبل قيام دولة الاتحاد وظهور النفط كنا ندرأ حرارة الصيف بشيء واحد هو بيت العريش الذي نبنيه على شاطيء البحر او الى جوار مزارع النخيل. وايضا لدينا بيوت دائمة يتم بناؤها من الحصا والطين التي يتم جمعها من الجبال والوديان ويقوم البدو بنقلها الى ظهور الجمال الى حيث تبنى البيوت. ويوضح الوالد محمد القديم ان البيت الدائم يكلف مبلغا زهيدا ولكنه قوي في مواجهة عوامل التعرية وخير دليل على ذلك ان هذه النوعية من البيوت لاتزال صامدة في مواقعها الى جوار الفلل العصرية الحديثة ويمكنها ان تظل كذلك لمئة عام تذكر الناس بالماضي البعيد. عندما بلغ الوالد محمد القديم اشده فكر جديا في إكمال نصف دينه فتقدم الى فتاته من ذات العشيرة. ويقول: كان الاهل يستشيرون الفتاة رأيها في الرجل الذي يتقدم للاقتران بها وهم يحترمون ذلك الرأي الذي تبديه كلاما او سكوتا، وأيا كان ايجاباً او سلباً. ويمضي قائلا: بالطبع لم يكن الزواج في ذلك الوقت مكلفا فقد تزوج رجل نعرفه ثلاث حريم بثلاث روبيات اي ان المرأة بروبية واحدة. ولكن المهم في ذلك الولائم التي تقام اكراماً للمدعوين وهم ابناء القبائل الذين يلبون الدعوة من كل فج. ولعل الطريف في الامر هو حرص المدعوين للعرس على رؤية رأس الشاة المذبوحة مع وليمة اللحم والعيش وإلا فإن غياب الرأس يمثل دليلا على عدم الاحترام والكرم وربما يؤدي الامر الى مشكلة لا شيء يمنع من ان تتطور سريعاً الى صراع تستخدم فيه كل الوسائل المتاحة إلا اذا تدخل عقلاء القبائل وعملوا على اطفاء الصراع الناجم عن غياب رأس الشاة من قدح الوليمة. وبالنسبة للوالد محمد القديم فقد تزوج سبع حريم انجبت له 16 من الابناء والبنات ويوضح: انه طلق ثلاث حريم وتوفيت اثنتان بينما توجد بمعيته حاليا زوجتان احداهن هندية. وقال في زواجي الاول دفعت 60 روبية وذبحت 15 رأسا من الاغنام وقد اشتريت الواحدة منها بربع روبية. واضاف: عند الاصيل اي بعد تناول الغداء غادرت منزل اسرتي وبمعيتي لفيف من ابناء القبائل في زفة فرح عارمة الى بيت العروس حيث كان اهلها في انتظارنا بالرقصات الشعبية وضرب الدفوف والطبول وقد استمر الناس على تلك الحال حتى الساعات الاولى من فجر اليوم التالي. وقال بالطبع لدى وصولنا الى ديار العروس انتظرت خارجها ريثما يكتمل وصول المهنئين من ابناء القبائل وتلك من العادات التي يعمل لها الف حساب لانه اذا جاءت قبيلة ووجدت المعرس قد سبقها بالدخول لمنزله فإنها لا تقبل ذلك. ركن اساسي وتلك المرأة التي كان يقترن بها الرجل في الماضي هي ركن اساسي في مسيرة الحياة فبعد الزواج مباشرة تتدثر في زيها الاسلامي المحتشم وتخرج من بيئتها لتقاسم زوجها متاعب الحياة. وطبقا لما ذكره الوالد محمد القديم فإنه الى جانب ما تقوم به المرأة من مهام منزلية فهي تشارك في جلب ماء الشرب وحطب الوقود على رأسها وتحمل المعاول لتساهم في فلاحة الارض الزراعية تماما كما يفعل الرجل. ويقول الى جانب ذلك كله فإن المرأة التي تنجب وتربي الاطفال تقوم في بعض الاحيان بتحفيظ الصغار القرآن وتعليمهم القراءة والكتابة والصلاة وايضا يمكن للمرأة ان تكون لها خبرة في علاج الناس من الامراض. ويتوقف الوالد محمد القديم برهة ثم يقول: كم عانت المرأة في الماضي وكم هي مرتاحة الآن؟ ولكنه يذكر بأن حياة الزمن الماضي كلها كانت ضربا من المشقة وشظف العيش فالكل يواجه المتاعب ولا احد بمنأى عنها. ويقول: لك ان تتخيل انا الذي امامك كنت امشي حافيا راجلا مسافة 40 كيلومترا ذهابا وايابا بين خور خوير وسوق رأس الخيمة القديم، بل كنت احمل على رأسي اغراضا تزن عشرات الكيلوجرامات وكانت رحلتي تبدأ دائما مع ساعات الفجر باتجاه رأس الخيمة حيث السوق الذي ابلغه مع وقت الضحى، ثم عند الظهر ابدأ رحلة الاياب الى بيتي الذي اصل اليه قبل او بعد المغيب. الزواحف السامة وبالرغم من ان الطريق كان سالكاً بين خور خوير ورأس الخيمة إلا ان اكثر ما يخشاه الوالد محمد القديم وغيره من الناس هي الحشرات والزواحف السامة مثل الثعابين والعقارب. ويقول: كانت لدينا اساليبنا الخاصة لحماية انفسنا من لدغات العقارب والثعابين فاذا تعرض احدنا الى لدغة نجرحه في مكان اللدغة ونسحب الدم ويكون مصحوبا بالسم ثم نذبح دجاجة سوداء اللون ونربطها في مكان اللدغة حيث لدينا اعتقاد بأن السم المتبقى في جسم الانسان ينتقل الى الدجاجة. وكما هو الحال بالنسبة للكثيرين من ابناء المنطقة الدين انتهزوا فرصة الانفتاح فقد سافر الوالد محمد القديم الى السعودية والبحرين حيث عمل في مجال البناء. ويقول بعد وفاة زوجتي الاولى اثر وعكة صحية مفاجئة عشت في دوامة من الحزن ولذلك رأيت من الافضل السفر او هكذا نصحني «الربع وكان هدفهم الترويح عن خاطري المكلوم» فامتثلت لتلك الرغبات وركبت لنشا نقلني الى السعودية حيث عملت في مجال البناء لمدة اقل عام عدت بعدها الى ارض الوطن ولكن اتيحت لي فرصة اخرى فسافرت هذه المرة الى البحرين ومكثت فيها بضعة اشهر وكانت تلك الاخيرة التي اغترب فيها عن بلادي.