بيان الكتب : يضم هذا الكتاب مجموعة من المحاضرات، التي ألقاها نخبة من الاساتذة والمفكرين العرب في منتدى عبدالحميد شومان الثقافي في العاصمة الاردنية عمان خلال السنوات من 1997 الى العام 2000، في العديد من القضايا المتصلة بالعلاقات العربية مع العالم ، خصوصا وان هذه القضايا تطرح نفسها الان بالحاح شديد عقب المتغيرات الكبيرة التي شهدها العالم في أواخر القرن العشرين.وكانت عناوين هذه المحاضرات وأسماء مقدميها على النحو التالي: العرب ودائرة الحضارة الاسلامية: د. احمد صدقي الدجاني، العرب والعالم الجديد: د. انور عبدالملك، مستقبل العلاقات العربية ـ الاوروبية: د. برهان غليون، العرب وأمريكا اللاتينية: د. بطرس لبكي، دول الجوار وعلاقتها بالوطن العربي: د. سعد ناجي جواد، العرب وروسيا: د. طه عبدالعليم، العرب والولايات المتحدة الامريكية: عبدالرؤوف الريدي، الحال العربي والاسلامي في مطلع القرن: فهمي هويدي، نحو منظور عربي جديد للتعامل مع آسيا: د. محمد السيد سليم، آفاق العلاقات العربية الافريقية: محمد فائق، العرب وتحديات القرن الحادي والعشرين: نوري نجم المرسومي. وباستعراض ما ورد في هذه المحاضرات، فان القواسم المشتركة التي اجمع عليها المحاضرون تتمثل فيما يلي: غياب المنظور العربي للذات وللاخر، والدعوة لدراسة النماذج والتجارب المعاصرة للخروج من المأزق او حالة الانسداد، وتباين التصورات الفردية لما سيؤول اليه الوضع الدولي والعربي مستقبلا، كما تشكل اسرائيل لدى المحاضرين جميعا نوعا من التحدي او الخطر الاستراتيجي على الوطن العربي. كما تضمنت المحاضرات العديد من القضايا الهامة والخلافية والتي كان ابرزها: مستقبل المكانة السياسية للوطن العربي، واختصار معظم التحليلات للعالم العربي على مشرقه دون مغربه، وانحصار تحليل الوظيفة الاسرائيلية في اطار الاستراتيجيات الغربية السابقة قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، وتحديد العوامل التي ستلعب دورها في توازنات الشرق الاوسط وهي: ان حجم الدولة لم يعد مهما لتحديد قيمتها، وبالتالي فان الدول الصغرى لن تعاني من مشكلة الحجم اذا كانت العولمة تسير الى عدم الربط الاوتوماتيكي بين القوة والحجم، ان الدول الكبرى امكنها الاستدلال على النزعة التاريخية للتشقق في المجتمع العربي، وذلك على ضوء استقرائها لتاريخ المنطقة، وهو الامر الذي جعل من الصعوبة على دولة واحدة ان تجعل المنطقة العربية كتلة مرتبطة معها «اي مع الدولة الكبرى في محور واحد» لتسخيرها في استراتيجياتها الدولية، دفعت العولمة الافراد الى التحلل من مفهوم الوطن بالمدلول التاريخي، لنصل مستقبلا الى مرحلة تماهي الشخصية التاريخية في معطيات التطور الواقعي، ولكي تواجه اسرائيل تيار العولمة فان امامها خيارين هما: الاستمرار في النموذج المتحجر من الانغلاق الاجتماعي، وهو أمر لم يعد ممكنا في ظل انهيار الحدود بمعناها التقليدي، الانفتاح والتفاعل مع التطورات الفكرية العلمانية، الامر الذي قد يفقد الدولة هويتها القومية. كما تظهر مؤشرات الصراع في هذه المنطقة عبر المحاضرات الواردة في هذا الكتاب من خلال ما يلي: التنافس الحاد على البترول «وتبدو الشركات الامريكية والبريطانية هي الاقوى»، والحاجة الاسيوية المتنامية لاسيما من قبل الصين واليابان، والتنافس الحاد في مجال دبلوماسية الانابيب «روسيا، ايران، تركيا»، وتنامي اهمية المنطقة في مجال النقل التجاري، والمخاوف من سيطرة الجماعات الاسلامية على بعض جمهوريات اسيا الوسطى، والبحث عن نقطة ارتكاز لتطويق ايران والحد من دورها السياسي، «حيث ان جميع دول اسيا الوسطى اعضاء في منظمة الامن والتعاون الاوروبي من ناحية، والى وجود تقارير عن احتمال قفز الناتو الى منطقة قزوين، والذي تعززه المناورات المشتركة التي جرت بين الولايات المتحدة وتركيا ودول بحر قزوين المعادية لايران من ناحية ثانية»، واحتمالات التعاون الروسي الصيني «ولكل دوافعه» في هذه المنطقة لمواجهة ما يهدد مصالحهما.. وانطلاقا من هذه الاعتبارات ركزت اسرائيل نشاطاتها على هذه المنطقة من البداية بهدف تنمية الوظيفة الاستراتيجية لها في المنظومة الاستراتيجية الغربية بشكل عام والامريكية بشكل خاص، وهو ما يتضح في اول اتفاقية امريكية اسرائيلية بهذا الشأن في يوليو 1992، وتمثلت هذه النشاطات فيما يلي: عقد 13 اتفاقية مع تركيا يغطي بعضها جوانب مثل: تبادل المعلومات حول الارهاب، رسو السفن الاسرائيلية في الموانيء التركية، التدريب المشترك، حق الطيران الحربي الاسرائيلي في استخدام الاجواء التركية، تنمية العلاقات مع جمهوريات آسيا الوسطى واذربيجان «وليس ابرز من ذلك ان قرغيزيا انضمت الى العدد المحدود من الدول التي نقلت سفارتها في اسرائيل الى القدس»، وتنمية العلاقات مع اذربيجان وبداية بلورة تحالف تركي اسرائيل اذري «وما يجمع الجميع هنا هو العداء لكل من ايران وارمينيا». ومن المحاور الموضوعية التي أجمع عليها المحاضرون في هذا الكتاب ان الاقتصاد العربي في حالة من الضعف الى درجة تجعل من اليسير على القوى الدولية ان تضغط على صناع القرار العربي ليتكيفوا بشكل يستجيب لمطالب البيئة الدولية اكثر من الاستجابة للمطالب الداخلية. كما تبرز اهمية العالم العربي في موضوع مبيعات الاسلحة في ان تجارة الاسلحة على المستوى العالمي، ارتفعت خلال الفترة من 1995 ـ 1997 بنسبة 36% لكن المشتريات العربية شكلت السبب الرئيسي وراء هذه الزيادة، وقد بلغت قيمة الاسلحة المشتراة خلال عام 1997 حوالي 17 مليار دولار، اي بزيادة 2 مليار دولار عن عام 1996، اما اجمالي النفقات الدفاعية لعام 1997- 1998 فبلغ 44.89 مليار دولار. وركز المحاضرون ايضا على التحدي التكنولوجي بأبعاده: التسارع، فاذا كان التغير هو سمة الحياة، فان المجتمع الحالي يعرف زيادة هائلة ومتزايدة في ايقاع هذا التغير، فاذا كان العالم قد انتظر حوالي 1600 سنة ليرفع من سرعة الانتقال حوالي اربعة اميال «من سرعة الحصان ـ سرعة العربة الآشورية» فان هذه السرعة تتزايد حاليا بمعدل سنوي يفوق المعدل السابق بشكل كبير «كانت سرعة الطائرة عام 1938 حوالي 400 ميل في الساعة، ولكنها اصبحت عام 1970 حوالي 1800 ميل». وهنا يبرز تساؤل: ما هي الميكانيزمات المتوافرة لدى المجتمع العربي ليكيف منظومته القيمية مع هذا الايقاع السريع لاسيما وان القدرة على تغيير البيئة من خلال التكنولوجيا اسرع كثيرا من القدرة على تكييف البنى الاجتماعية مع هذا الايقاع، المؤقتية: التي تتبدى في معادلة اساسية وهي ان الارتباط بالانساق الاجتماعية او الادارية او الوظيفية او الانتاجية هي ارتباطات عابرة يشدها التسارع نحو ارتباطات جديدة، التنوع: الذي يعني ان السلعة الواحدة يتم انتاج المئات من انواعها، فالسيارة لها أنواع لا تحصى، وكذلك سائر الاجهزة الكهربائية.. وغيرها الامر الذي ادى لحيرة الاختيار.. وهذه جميعا تدخلنا في علاقة التكنولوجيا بالعولمة وما ترتب على هذه العلاقة من اعادة النظر في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وظهور اشكالية التوفيق بين الجنسية والقومية، وحلول الثقافة المدنية محل الثقافة الايديولوجية، الامر الذي يعني ان على الدولة العربية المعاصرة ان تستعد للتكيف مع تنامي الروابط الدستورية على حساب الروابط التقليدية وهو أمر في غاية الاهمية الاستراتيجية. ولعل اهم ما في هذا الكتاب، دعوة المتحدثين عبر محاضراته الى الاهتمام بالدراسات المستقبلية وتعزيز النزوع الى الامام في علاقتنا مع الزمن، فنحن كما قال اينشتاين عندما سألوه لماذا تهتم بالمستقبل: لاننا ذاهبون الى هناك.. مع التأكيد على ان التوجه نحو المستقبل من خلال العمل الواعي الهاديء لاعادة صياغة منظومتنا المعرفية، لا يعني ان الماضي ليس له قيمة، بل يعني ان نعمل على رصد التوجهات المستقبلية لقطاعات الحياة الدولية كلها «التكنولوجية، السياسية، الثقافية، الاقتصادية...» وبدء الاعداد للتفاعل معها لكي لا نغرق في تيار تغير متسارع. ومع أهمية الآراء والنظريات الواردة في هذا الكتاب، فانه لا ينقص من أهميتها استنتاج ان كثيرا من الاحصاءات والمواقف الواردة فيه، قد شهدت تغيرات كثيرة خلال السنوات الاربع التي تم اعداده فيها، كما ان هذه الآراء صدرت عن شخصيات معظمها من قطر عربي واحد، ومع التقدير الكبير لهذا القطر وعلمائه ومفكريه، فان التنوع في جنسيات العلماء وتوجهاتهم والاختلاف في مشاربهم ومواقفهم السياسية كان بامكانه اغناء هذا الكتاب ومحاضراته بأفكار غير حيادية، ومن خارج السرب، وبذلك تكتمل دائرة المعرفة. همسة سعيد