بيان الكتب : ربما لم يتسن للكثيرين منا إلى الآن معرفة شيء عما يسميه المؤلفان «جون ننلي» و«كازو تاما ياما» في كتابهما بعنوان «حكايات الجنود اليابانيين» الجيش المنسي، وذلك تعليقا على النهاية، التي آل اليه مصير 180 الف جندي ياباني ممن قطعوا على انفسهم وعدا بالموت من أجل الوصول إلى الهند واستعمارها. وعلى الرغم من ادعاءات مؤلفي هذه السيرة التاريخية بان ما ارتكبه هذا الجيش من اخطاء وأعمال وحشية لا يمكن مقارنته بما فعلته الجيوش البريطانية فان بوسع القاريء ان ينظر إلى هذا الكتاب باعتباره رصدا للمغامرة أو الطموح الياباني في فترة من الفترات في التحول إلى قوة امبراطورية كبرى. لكن المفارقة والكوميديا السوداء كما يصفها الرقيب «ياسوماسا» من الجيش الياباني السابق كانت هي المسيطرة على الموقف خاصة حين تتضمنها روايته التي يطلق عليها المؤلفان عنوان «اولئك المطرودين من رحمة الله» هنا تواتيك مثلا حكاية الجندي الذي يتضور جوعا ويأسا والذي لا يعود إلى وعيه كجندي مقاتل الا عندما يناوله قائده قنبلة عنقودية يستعملها على طريقة الساموراي الانتحارية المعروفة يقول ياسوماسا: كان شديد الهياج والسخط فصار يحبو نحو قائده ويصرخ: لقد أمرتني بحملها ولا أملك الا ان اسألك عما سأحصل عليه في المقابل؟ سأقتلك بلا رحمة، وما يشعر القاريء بأهمية هذه الحكاية بالفعل هو استخدام راويها لصور بسيطة مستوحاة من الواقع الذي كان يعيشه هو ورفاقه الذين شاهدوا موتهم البطيء من دون ان يكون لهم ذنب في ما جرى. هناك العديد من الشخصيات العسكرية المهمة التي يستغلها المؤلفان في ابراز الوجه القبيح لمحاولة التوسع العسكري الياباني في شبه القارة الهندية لاسيما الهجوم العسكري غير الموفق والهزيمة المنكرة التي مني بها اليابانيون في المناطق الواقعة بالقرب من جبال «آراكان» التي يروي وقائعها «مانابو وادا» القائد الاعلى في القوات المسلحة اليابانية هناك بعد أن شق طريقه بصعوبة تحت الامطار شديدة البرودة على ارتفاع ثلاثة آلاف متر فوق مستوى سطح البحر. ان عجز قوادنا العسكريين لا يمكن وصفه فبعد ان شارف أحدهم على الوصول إلى الحدود الهندية أمكنه ان يراقب الجنود البريطانيين وهم يشربون الشاي، ولا يمكنني ان اصف بعد ذلك حالة الخوف والرعب التي اجتاحت جيشنا إلى الحد الذي جعل قادتنا ورجالنا يعانون من اعراض حالات مرضية كالصداع والاسهال وآلام الركب والكتفين، وفي حوالي الساعة الثالثة عصرا وبينما كان البريطانيون يشربون الشاي كنا نشكر الله على انه أرجأ فناءنا المحتم. ويمضي وادا في سرد حكايته مع التقدم العسكري البريطاني ونجاته مع عدد من جنوده من الموت المحقق بواسطة طوف خشبي عبر بهم نهر «تشندون» وفي طريق العودة إلى اليابان يتسنى له ان يسمع على الحدود التايلاندية البورمية وعلى نحو متكرر صرخات الجنود البريطانيين الاسرى الذين حملتهم القوات اليابانية عبر الحدود واحد اولئك الجنود أتى إلي قائلا «ايها السيد الياباني من فضلك اعطني سيجارة!، وكان هؤلاء الاسرى يعملون في مد جسر عبور إلى الجانب البورمي وهو واحد من عدة جسور خشبية كان اهمها جسر «نهر كواي» الذي تم تحويل موضوعه إلى فيلم سينمائي يحمل عنوان «جسر على نهر كواي». وفيما كان الاثنان يستمتعان بفترة راحة قصيرة، يضيف وادا: تقدم إليّ الرجل الذي القى بصندوق عدته ليقول: ان الجيش الياباني سيمنى بهزيمة منكرة امام الجيش البريطاني الذي سينتصر لا محالة، ولم اكن لأرتاح من هذه الجملة لانه كان يدخن سيجارتي ولذلك فقد قلت له بكره وأنا اقترب «بل ستنتصر اليابان لا محالة». ثم عاود الاخر ثورته بعد برهة قصيرة «لا يمكن للجيش الياباني ان يلحق الهزيمة بالجيش البريطاني وهو على هذه الصورة، حيث يواصل بناء سكك حديدية باستغلال جهود اناس مثلنا، لان الجيش البريطاني لا يستغل هذه الجهود للقيام بهذه الاعمال الشاقة وعوضا عنها فهو يستفيد من تقنيات الميكنة الحديثة، وعلى الرغم من أنني لم اوافقه الرأي بسبب جهلي بتلك التقنيات إلا اننا اكملنا حوارنا ثم افترقنا بعد ان تصافحنا وتبادلنا الابتسامات وعبارات الابتهال إلى الله أن يحفظنا. وكما يقول المؤلفان في النهاية فان التعويضات الحكومية التي دفعتها الحكومة اليابانية لهؤلاء الجنود البريطانيين الذين نجوا من جحيم جسر كواي لا يمكن لها ان تكفر عما حصل في تلك الاثناء على الرغم من انها تسهم في القاء الضوء على الجوانب المتعلقة بالحرب التي شهدتها منطقة الشرق الاقصى. ان مسئولية الامبراطور الياباني هيروهيتو عن السجل القاتم للمرحلة لا يمكن ان يزيلها شيء كإلقائه المسئولية عن الجرائم الوحشية التي ارتكبتها بلاده في مرحلة الحرب العالمية الثانية على كاهل الجنود اليابانيين. وكما يؤكد مؤلفا الكتاب فإن المقارنة بين ما اسماه البريطانيون الجيش البريطاني المنسي وبين الجيش الياباني المنسي قد لا تبدو لائقة حقيقة على افراد هذا الجيش «البائسين» الذين دفعوا ثمن مغامرة هيروهيتو الامبراطورية غاليا خاصة في تراجعهم الطويل امام قوات البريطاني «بل سلم» الذي لابد وان يكون القاريء قد شاهد بطولته التي جسدتها احداث الفيلم السينمائي الشهير «القيثارة البورمية». اعداد: مريم جمعه فرج