بيان الكتب : ترجم الكتاب ونشر لأول مرة في مصر عام 1989 ويضم وجهة نظر خاصة في العمارة الحديثة تقترب من النظرية، فهي تتفاعل مع البيئة المحيطة، وتعتمد على الخامات المحلية، وتجمع تصميماتها بين اقتصاد التكاليف والجمال الفني. والطمي «الطين» هو المادة الخام التي تحتوي قسوة التغيرات المناخية مع اضافة القباب والاقبية التي تكفل التهوية الجيدة، وتجلت عبقرية النموذج في تصميم قرية «القرنة الجديدة» على الضفة الشرقية للاقصر، وفي تصميم بناء مدينة «نيومكسيكو» بوجهة النظر في التفاعل مع البيئة. والكتاب يضم فصولاً تعقد عناوينها مقارنة بين التكوين الموسيقي والتكوين المعماري تكشف عن ولع مؤلفه بهما معا على نحو: ـ لحن الاستهلال ـ لحن الترنيمة ـ لحن الترديد ـ لحن الختام ـ ويعكس حرص المؤلف على ان يتمكن افقر الفقراء من الحصول على مسكن صحي ورخيص وجميل باستخدام ابسط المواد والتقنيات المتاحة في البيئة مع ضمان ان يكون لكل عائلة بيتها المميز بطابع خاص، يلائم حاجتها وذوقها ويستند إلى ما انقطع من تواصل في تراث المعمار الشعبي باعتباره حصيلة تجارب الاجيال في حل مشاكلها المعمارية، وإلى تأكيد دافعي الانتماء المكاني والمجتمعي. يتأمل حسن فتحي في المنابع الحقيقية للخصوصية القومية فيرى ان كل شعب ممن انتج معمارا يطور اشكاله المحببة إلى نفسه، والتي تخصه مثلما تخصه لغته أو ملبسه او فنه وقبل انهيار جبهات الحضارة في القرن الماضي، كان هناك في العالم كله اشكال محلية مميزة للمعمار، وكانت بنايات كل موقع محلي بمثابة زواج سعيد بين خيال الشعب واحتياجاته، انتج اطفالا جميلة. هكذا يطور الشعب لغة بصرية رائعة مفعمة باللون، هي لغة خاصة به، تلائم شخصيته وتلائم مكانه، فلا يخطيء احد طريقة انحناء القبة الفارسية، او السورية او المغربية او المصرية او وجود نفس الانحناء ونفس البصمة في القبة والجرة والعمامة التي تنتمى لمنطقة واحدة. ويتبع ذلك ان احداً لا يستطيع ان ينظر بعين الرضا إلى المباني التي تزرع في بيئة اجنبية عنها. وكنتيجة مباشرة لضياع التراث فان مدننا وقرانا اصبحت تزداد قبحاً، وكل محاولة فردية للعلاج، لا تؤدي إلا إلى تأكيد هذا القبح تأكيداً. الحضارة تنطلق من الجذور، وتتسرب لتنفذ الى كل طلع، إلى الورقة والزهرة والبرعم، ومن خلية للاخرى، وكأنها دم اخضر، ويطلقها رذاذ المطر، كعطر من زهور منداة، يفعم الهواء. لكن الحضارة التي تنصب على البشر، من فوقهم من عل، لا تلبث ان تنعقد، كما ينعقد السكر الرطيب، وهكذا يصبحون مثل عرائس السكر، وعندما يبللهم الرذاذ من المطر الواهب للحياة، يتلاشون، يذوبون في خليط لزج». البناء هو نشاط خلاق، حيث اللحظة الحاسمة فيه هي لحظة التصور، تلك اللحظة التي تتخذ الروح عندها شكلا وتتحدد بالفعل كل ملامح المخلوق الجديد، واذا كانت خصائص الكائن الحي تتقرر بلا رجعة في لحظة الانصاب، فان خصائص المبنى تتحدد بلحظات من التصور التي تتحول عند ممارسة الاختيار إلى عمليات متصلة من اتخاذ القرارات. وممارسة الاختيار، هي النشاط الرئيسي للحياة، وكلما زادت المناسبات التي يمارس فيها الكائن الحي الاختيار، زاد علو المرتبة التي يوضع عليها بمقياس الحياة، وابتداء من ابسط الكائنات، وهي دواريات الماء التي يتألف وجودها كله من تمييزها بين ما يمكنها وما لا يمكنها اكله، وانتهاء إلى اكثر الكائنات تعقدا وهو الانسان الذي تفعم كل لحظة من حياته بالحاجة إلى اتخاذ القرارات، بيد ان لديه وحده، القدرة على التأثير بقراراته في العالم من حوله، ان خيرا أو شرا، جمالا أو قبحا. تلك هي مسئولية الاختيار التي قبلها الانسان واصبح له ان يحول الفراغ الشاغر في صفحة العالم البيضاء إلى بناء للعلم أو الفن او إلى كومة من الخبث. والكثير من القرارات الواعية ظاهريا في حياة المرء اليومية هي ببساطة مما يتم بحكم العادة، فمن الشائق ان نلاحظ ان العادة قد تحرر الانسان في الحقيقة من الحاجة لان يتخذ قرارات كثيرة قليلة الاهمية، بحيث يمكنه ان يركز على القرارات الحيوية لفنه، فالمخ الواحد لا يستطيع ان يتخذ اكثر من عدد محدود من القرارات في وقت بعينه، فمن الانصاف ان يحال بعضها إلى اللاوعي. فناسجة السجاد تتعلم ان تعمل بيديها بسرعة وثقة بحيث لا تعود تفكر في كل حركة منفصلة، فتركز على التصميم وهو ينمو بين يديها، والموسيقي يبذل كل انتباهه لعزف المقطوعة ويكاد لا يتتبع كل اصبع وهو يصدر احدى النغمات. والتراث للمجتمع هو المماثل للعادة عند الفرد، وهو في الفن له نفس التأثير بأن يحرر الفنان من القرارات غير الضرورية التي كان عليه ان يتخذها اول مرة بحيث يصرف الانتباه إلى القرارات الحيوية الجديدة. وكما يقول دانتي: «لعل ما نطلق عليه انه حديث، هو فحسب مالا يستحق ان يبقى حتى يصبح قديما» لكن التراث ليس بالضرورة طرازاً قديماً، وهو لا يرادف الركود. فعندما يحل التراث مشكلته ويتوقف عن النمو، نقول ان الدورة قد اكتملت، الا انه في العمارة، كما في النشاطات البشرية الأخرى وفي العمليات الطبيعية، يكون هناك من الدورات ماهي في بداياتها فحسب، واخرى قد اكتملت، واخرى عند كل اطوار النمو فيما بين الطرفين، وكلها توجد معا في نفس الوقت، وفي نفس المجتمع، والأمر يكاد يشبه اضافة بلورة واحدة إلى محلول فوق المتشبع فيتحول كله فجأة إلى بلورات على نحو رائع. وينظر حسن فتحي إلى البيت العربي كتعبير عن الحضارة العربية، فيرى ان العربي يأتي من الصحراء، والصحراء هي التي كونت عاداته ووجهة نظره وشكلت حضارته، فهو مدين للصحراء بالبساطة والكرم والميل إلى الرياضيات والفلك، وسطح الارض والمنظر الخلوي الطبيعي هما بالنسبة للعربي عدو قاس، محترق متوهج قاحل، ووجه الطبيعة الحاني عليه هو السماء الواعدة الواهبة للماء والحياة، فعندما يستقر العربي فانه يطبق استعاراته المعمارية في عمله الكوني، فتعد السماء قبة تدعمها اعمدة اربعة، والبيت يكون مربعا اجوف يدير للخارج جدران صماء بلا نوافذ، بينما تطل الغرف للداخل على فناء لا يرى منه سوى السماء، وواحة السكن. وهكذا يمضي حسن فتحي في صياغة مشروعه المعماري الجمالي وصولا إلى معالجة المركب الكلي لكافة مشكلات اسكان الفقراء في اطار الوعي بأن البشر يحتاجون إلى الجمال مثلما يحتاجون إلى الحرية. فاروق خلف