بيان الكتب : لاريك لوران هو صحفي وناشر. نشر العديد من الكتب من بينها: «شارع كارل ماركس» و«عاصفة الصحراء» و«جاسوس في المنفى» ـ رواية ـ و«مجانين السلام» و«الملف السري لحرب كوسوفو».« البقر المجنون» عاصفة من النقاش على مختلف المستويات الصحية والاجتماعية والاقتصادية. و«عاصفة» لم تهدأ بعد، على الأقل لن يساهم هذا الكتاب الا في زيادة تأجج نارها. واذا كان وزير الزراعة الفرنسي «جان كالفاني» يصرح بأنه «يفترض لهذه المشكلة ان تهدأ من الان وحتى نهاية عام 2001» فان البريطانيين يرتقبون ان تشهد السنوات القليلة المقبلة حوالي مئتين وخمسين الف ضحية بسبب مرض «البقر المجنون» لقد اثارت قضية . ويؤكد مؤلف هذا الكتاب ان المسئولين الفرنسيين والاوروبيين قد اختاروا، في مواجهة هذا الوباء القاتل، ان يخفوا المعلومات او يقللو من حقيقتها او يشوهوها بصورة واعية وارادية. وذلك من اجل تحقيق هدف مزدوج يتمثل في اخفاء مسئولياتهم من جهة وانقاذ «صناعة» تربية الابقار من جهة اخرى. ولعل هذا الكتاب هو اول عمل متكامل يعرض حقيقة الوضع بالاعتماد على الابحاث والتجارب التي قام بها مختصون وباحثون علميون، وحيث تمثلت النتائج التي توصلوا اليها على انه وعلى عكس ما يقال فإن «لحم البقر خطير» وان «منع استخدام العلف الحيواني لتغذية الابقار لا يحل اي شيء» وان «ابادة قطيع الابقار بشكل كامل في المزارع التي يتم الكشف فيها عن اية اصابة لا يلغي الخطر نهائياً» و«اللحوم التي يجري بيعها في الملاحم الصغيرة التي تتزود باللحوم من المزارع التقليدية لتربية الأبقار يمكن ان تحتوي على خطر قاتل «ثم ان» الاختبارات الطبية التي يتم اجراؤها اليوم على الابقار المكرّسة للاستهلاك لا تقدم أية ضمانات حقيقية بالنسبة للمستهلك» و«عملية تخزين الاعلاف الحيوانية بالقرب من اماكن السكن يمكن ان تؤدي الى اصابة السكان المجاورين لها بمرض كروتزفيلد ـ جاكوب، اي المرض المجنون، حسب التسمية العلمية باسم الطبيب الذي اكتشفه وكذلك يمكن لـ «العنصر ـ الفيروس او الجرثوم ـ المسبب للمرض ان يلوث الادوات الجراحية، رغم عمليات تعقيمها، ويتسرب بالتالي عبر الدم.. الخ. هذه هي «بعض» النتائج التي يريد مؤلف هذا الكتاب ان يثبتها كـ «حقائق علمية ثابتة». يبدأ المؤلف تحليلاته بعرض بعض الآراء والاطروحات الصادرة عن شخصيات «مسئولة» على المستوى الصحي او السياسي والتي تصب كلها في التأكيد انه «ليس هناك ما يبرر مشروع اثارة قلق اوروبا كلها» على اساس ما هو متوفر من معلومات حسب مدير المعهد الوطني الفرنسي للبحث الطبي «فيليب لازار». وكما جاء في تصريح له عام 1996. لكن هذا لم يمنع اخصائيا بريطانيا هو «البروفيسور كولينج» احد اشهر العارفين بالوباء البريطاني من ان يصدر آراء مخالفة تماماً حيث يرى انه «من الغباء ان يتجاهل الاطباء والمستهلكون امكانية حدوث وباء كبير من شكل جديد من العنصر المسبب للمرض الذي اكتشفه الطبيب كروتزفيلد ـ جاكوب، اي جنون البقر، وبعد ان اشار البروفيسور كولينج الى امكانية انتقال المرض من البقر الى البشر يضيف: «تقع على عاتقنا مسئولية كبيرة اذ علينا ان نتذكر ان ما نقوله قد يترتب عليه خسائر اقتصادية لا يمكن تعويضها. لكنه لم يعد بامكاننا ان ننفي لوقت اطول الامكانية، بل والتي تمثل الفرضية الاكثر احتمالاً، بانتشار وباء حقيقي، وعلينا ان نتهيأ لكارثة ممكنة مع عشرات الالاف من الموتى. اننا لا نعرف عمّا اذا كان هذا سيحدث، لكن المؤكد انه لا يمكننا ان ننتظر وننظر علينا ان نفعل شيئاً ما الان وان نجد اجوبة ليس على طبيعة المرض فحسب، ولكن ايضا على طريقة تطوير العلاج». ان مرض «البقر المجنون» او «جنون البقر» يؤدي كما يصفه المؤلف الى «الانهاء الكامل لقدرات الذكاء عند الانسان» ويؤكد ان المسئولين السياسيين الغربيين، يساراً ويميناً، يبدو انهم مصابون بهذا العرض من اعراض المرض مما «يمنعهم من سماع الافكار» التي قدمها الاخصائيون ورجال العلم حول خطورة «لحم البقر»، هكذا لم يقرأوا: مقالاً نشرته مجلة «ذانيو سيانتيفست» اي العالم الجديد ذات الشهرة العلمية الكبيرة بتاريخ 20 يناير من عام 2000 وقدمت فيه صورة قاتمة لمنظور المستقبل. لقد وضع فريق من الباحثين المرموقين استقراء لعدد الحالات المرتقبة بناء على معطيات الحالة الراهنة. وقد جاء في مقال المجلة: «اذا توفي في بريطانيا ـ بسبب المرض ـ اقل من 15 شخصاً خلال عام 1999 فان الوباء لن يؤدي خلال العشرين او الثلاثين سنة المقبلة الى وفاة اكثر من نصف مليون شخص، واذا لم يعرف عدد الوفيات زيادة خلال عام 2000 فان ضحايا الوباء سيكونون اقل من اربعة عشر الف شخص». وعلى ضوء مثل هذه التوقعات التي قال بها مقال المجلة العلمية المنشورة في مطلع عام 2000 يشير المؤلف الى النتائج المأساوية المنتظرة اذ ان العام 2000 ـ فترة الاختبار ـ عرف 27 حالة وفاة بسبب مرض البقر المجنون في بريطانيا خلال الفترة الواقعة بين شهر يناير وشهر ديسمبر. اي ان التوقعات تشير الى كارثة والى اكثر من خمسمئة الف وفاة خلال العقدين او الثلاثة عقود المقبلة، وفي بريطانيا وحدها. وماذا عن اوروبا؟ ينقل مؤلف هذا الكتاب عن مقال نشرته صحيفة «الجارديان» اللندنية بتاريخ 17 يناير 2000، وكشفت فيه عن «اتساع المأساة التي تم اخفاؤها لفترة طويلة» وجاء فيه: «ان ملايين الاوروبيين معرّضين لخطر الاصابة بمرض جنون البقر ويضيف هذا المقال: «يمكن في بعض الدول ان يؤدي اللحم المصاب لبقرة ـ او ثور ـ مجنونة الى تعريض اربعمئة الف شخص لخطر المرض في حال دخولها، دون كشفها، في الدورة الغذائية، ان المؤلف يؤكد بدوره ان المشكلة ليست بريطانية حصراً ذلك ان الاعلاف الحيوانية وحركة الاستيراد الاوروبي من بريطانيا لا يترك مجالاً للشك بأن فرنسا وغيرها من البلدان الاوروبية معرّضة لـ «العدوى» مما تعاني منه بريطانيا، واذا كان هناك وباء يقتل عدداً من الناس يصل الى حد خمسمئة الف شخص في بريطانيا، اي على بعد 40 كيلو متراً عن القارة الاوروبية ـ وتحديداً فرنسا ـ فانه من المنطقي انتظار ما هو أسوأ في اوروبا، كما يقول المؤلف. ويذهب المؤلف في تحليلاته المتشائمة ابعد من كل التقديرات المعلنة، اذ يرى بان جميع الاحصائيات المقدمة تعتمد على الملف الخاص بـ «البقر المجنون». ولكن هناك من يؤكد بأن هناك مكامن خطر اخرى وفي مقدمتها «لحم الخراف». ويعطي المؤلف لأحد فصول كتابه عنواناً يقول: «الخروف مصدر كل الآمنا» وحيث يصل الى نتيجة تقول: «اننا لانزال نبيع لحم الخراف وكأنه ليس هناك اي خطر، بينما قد يتضمن على عناصر مرضية مشابهة لتلك التي تسبب مرض جنون البقر الذي يمكن ان يصيب البشر». ويضيف المؤلف لقائمة مصادر الخطر لحوم الخنزير والدجاج، بل ومشتقات الحليب التي لم تقم حتى الان اية براهين قاطعة لعدم نقلها للعنصر المسبب للمرض. بالمقابل اذا كان الكثيرون قد أكدّوا عند اكتشاف «الفيروس» الذي يسبب مرض نقص المناعة المكتسب «الايدز» انه لا يمكن نقله عبر الحليب من الام المصابة الى وليدها، لكن الواقع اثبت فيما بعد خطأ مثل هذا «التأكيد». فلماذا لا يمكن ان تتكرر المسألة بالنسبة لمرض جنون البقر؟!. وبشكل عام يرى مؤلف هذا الكتاب انه «في جميع الحالات، اننا امام وباء كبير. وربما انه أكبر مشكلة تواجهها الصحة العامة وواجهتها الانسانية خلال القرن العشرين. وفي ظل غياب كل علاج، ولكل طريقة للكشف المبكّر عن الاصابة بالمرض، فان العالم يواجه وضعاً شبيهاً لما واجهه اجدادنا في القرون الوسطى امام تحدي اوبئة مثل الطاعون والكوليرا وغيرهما». وعلى عكس ما قيل كثيرا عن «محاصرة» المرض «جنون البقر» في بريطانيا، فان المؤلف يؤكد، اعتماداً على العديد من الآراء والتقارير العلمية المختصة، ان هذا المرض «ينتشر عبر اوروبا كلها، وايضا في امريكا حيث ينتشر مرض مشابه ولا يقل خطراً». «كما ان الاعلاف الحيوانية ليست حكراً على العالم المتقدم، اذ هناك شبكات للتجارة توزعه حتى اليوم في العالم من موسكو وحتى القاهرة، مما يعطي للمأساة بعداً كونياً لا يمكن ابداً السيطرة عليه». ويشير المؤلف الى ان منطقة «الجديدة» في المغرب قد شهدت ظهور مرض غريب يصيب الابقار، تم تشخيصه سريعاً كأحد صيغ جنون البقر. لكن الصحافة المغربية كذّبت سريعاً الخبر مؤكدة ان الابقار قد هلكت بسبب نقص التغذية. هذا كتاب وتحقيق لا يمكن لمن يقرأه ان يصدق «الروايات الرسمية» حول مرض «جنون البقر».. ولابد له ايضاً من ان يعيد النظر في عاداته.. مع ذلك لاتزال «الكذبة الكبرى» مستمرة.