بيان الكتب : كان روبير. ج. جوتمان، المحرر الرئيسي لهذا الكتاب والمشرف على تنفيذه، رئيساً لتحرير مجلة «اوروبا» الناطقة باسم الاتحاد الاوروبي. وقام من هذا الموقع باجراء مقابلات مع كبار رجال السياسة والاقتصاد والاعمال الاوروبيين. كما عمل لفترة من الزمن استاذاً في الجامعة الامريكية وفي جامعة جورج واشنطن في واشنطن. يضم هذا الكتاب مجموعة من الدراسات والمقابلات التي يرسم اصحابها المنظور المستقبلي لـ «اوروبا الجديدة» أي لاوروبا التي تتشكل حالياً من بلدان «الاتحاد الاوروبي» الخمسة عشر. كما يحاولون تبيّن الموقع الذي يمكن ان تحتله اوروبا «الجديدة» على المسرح الدبلوماسي الدولي باعتبار انها تمثل قوة صاعدة، وربما «الوزن المقابل» للقوة العظمى الامريكية الوحيدة اليوم بعد سيادة النظام الدولي الجديد. وبهذا المعنى يشكل الكتاب رؤية مستقبلية تحاول تحديد موقع اوروبا في العالم، ومع العالم. ويرى «رومانو برودي» المفوض الاوروبي الحالي ورئيس وزراء ايطاليا السابق في تقديمه لهذا الكتاب بأنه يوجد امام اوروبا في القرن الحادي والعشرين تحديان كبيران هما «اعادة رسم حدودها وتطوير طرق جديدة للحكم». ويضيف عدد من المساهمين لهذين التحديين تحديات اخرى في مقدمتها مسألة توسيع اطار الاتحاد الاوروبي كي يشمل بلداناً جديدة من اوروبا الوسطى «الشيوعية سابقاً» والشرقية «بعض بلدان منطقة البلطيق مثل «ليتوانيا ولاتفيا واستونيا»، وايضا هناك المسألة التركية وانضمام هذا البلد «المسلم» للاتحاد الاوروبي. وتنطرح ضمن هذا الاطار مشكلة «المعايير السياسية» المطلوبة كي تصبح البلدان «المرشحة» اعضاء في اوروبا الموحّدة. فـ «هل تستطيع اوروبا الموحدة ـ الاتحاد الاوروبي ـ ان تصبح قوة عظمى جديدة تنافس الزعامة الامريكية؟» هذا السؤال يطرحه «رومانو برودي»، ويجيب عنه عدد من المساهمين في هذا الكتاب على ضوء المعطيات والتحديات السياسية والاقتصادية التي تفرضها العولمة. وتتم دراسة المنظور المستقبلي الاوروبي حسب ثلاثة مقاييس اساسية يتم تكريس قسم من اقسام الكتاب لكل منها. وتتمثل هذه المقاييس في: «السياسات الاوروبية» و«السياسة الخارجية الاوروبية» و«الاقتصادي الاوروبي». هذا بالاضافة الى قسم رابع واخير في الكتاب يحتوي على بعض الرؤى ووجهات النظر الشخصية. ان الميزة الاساسية لهذا الكتاب تتمثل في تركيزه على البعد المستقبلي لـ «اوروبا الجديدة» بينما أولت اغلبية الكتب الكثيرة المنشورة حول هذا الموضوع اهتمامها الرئيسي لمسيرة التوحيد الاوروبية، من الماضي الى الحاضر. هكذا يكرس «ليونيل باربر» احد اركان «الفايننشال تايم» اللندنية منذ عام 1985 وحيث كان كبير مراسليها في بروكسل لسنوات طويلة، كما كان رئيساً لمكتبها في واشنطن، مساهمته في هذا الكتاب لتقديم «السيناريوهات» التي يراها محتملة لاوروبا من الان وحتى عام 2020. ويشير الى ان اوروبا ستواجه في ذلك التاريخ عدداً من المشاكل التي تواجهها اليوم لكنها سوف تقدم لها آنذاك اجابات «جديدة» حيث ربما انها ستضم آنذاك حوالي ثلاثين بلداً يتصور الكاتب بأنها قد تجتمع ـ آنذاك ايضا ـ في برلين كي توقع «معاهدة تأسيس الولايات المتحدة الاوروبية». ويفترض مثل هذا «السيناريو» التوصل الى اكتمال البناء السياسي الاوروبي الجديد كي يستطيع منافسة الصين واليابان والولايات المتحدة، وايضا شريطة ان تكون اوروبا قادرة على المنافسة في الميدان الاقتصادي ايضا. ويبدو مثل هذا التحليل ليس بعيداً عن الاهتمامات الاساسية التي كانت تشغل «آباء» الوحدة الاوروبية السابقين من امثال «جان مونيه» و«روبير شومان». وتحاول الصحفية الفرنسية «سولانج فيل» التي كتبت العديد من المقالات في صحيفتي «لوموند» و«لاتريبون» ان تقدم تصوراً للمؤسسات الاتحادية الاوروبية الرئيسية مثل المفوضية الاوروبية والبرلمان الاوروبي ومجلس الوزراء الاوروبي، كما تستعرض تاريخية المسيرة الاوروبية التوحيدية منذ سنوات الخمسينيات مروراً بـ «معاهدة روما» وتشكيل «السوق الاوروبية المشتركة» كخطوات على طريق التكامل الذي شكلت اتفاقيتا «مستريخت» و«امستردام» اخر المراحل التي تم تحقيقها في سبيل تعزيز مثل هذا التكامل، وحيث يمكن لعام 2000 ان يكون منعطفاً نحو تعزيز مختلف الهيئات والمؤسسات الاوروبية المشتركة. المساهمة الاخيرة في القسم الاول من هذا الكتاب تخص مسألة توسيع اطار الاتحاد الاوروبي كي يضم دولاً اعضاء جدد، وقد كتبها «مارتن وولكر»، الصحفي السابق في صحيفة «الجارديان» اللندنية. وقد عمل رئيساً لمكتبها في موسكو وواشنطن، وكان بالوقت نفسه يعمل كناشر اوروبي في بروكسل حيث نشر العديد من الكتب مثل «العمل العملاق» «جورباتشوف والبيرسترويكا»، و«تاريخ الحرب الباردة». والكاتب هو ايضا احد المعلقين في اكبر القنوات التلفزيونية الدولية المشهورة مثل «سي. ان. ان» و«بي. بي. سي»... وغيرها. ان مواقعه هذه كلها سمحت له ان يعايش الاحداث عن قرب، وهو يصل في تحليلاته حول توسيع اطار الاتحاد الاوروبي الى القول انه اعتباراً من عام 2020 ستكون اغلبية البلدان الاعضاء «سابقاً» في حلف وارسو الذي انتهى مع سقوط جدار برلين، اعضاء بصيغة ما مع اوروبا الجديدة ولكن ليس على قاعدة «الهاجس الامني» وانما ضمن منظور «الازدهار المشترك». ذلك على اساس مسيرة تاريخية يحقق فيها كل طرف من الاطراف مصالحه الاقتصادية الخاصة، ويرى فيها الكاتب «احد اكبر التحديات الجيوسياسية والجيو ـ اقتصادية لعصرنا». كما يرى بأن اهم سمات فترة ما بعد نهاية الحرب الباردة تتمثل في التوجيه نحو حركة توسيع «مزدوج» لمنظمة الحلف الاطلسي من جهة وللاتحاد الاوروبي من جهة اخرى. ان «مارتن وولكر» يقدم في هذا الكتاب مساهمة اخرى ضمن اطار الحديث عن السياسة الخارجية لاوروبا في القرن الجديد تحت عنوان: «مستقبل السياسة الخارجية الاوروبية». وبعد حالة الانقسام التي شهدتها هذه السياسة في ظل ما يزيد على اربعة عقود من الحرب الباردة ومن السباق الى التسلح مع بعض فترات الانفراج الذي عرضته «فترة الوفاق» مع «نيكسون» و«بريجينيف» عرف عقد التسعينيات من القرن العشرين تبدلات كبيرة في اوروبا على الصعيد الاستراتيجي وسارع في هذه التبدلات اندلاع ازمة ثم حرب الخليج «1990 ـ 1991» وحروب البلقان التي قامت على خلفية انهيار يوغسلافيا السابقة. وتم بالتوازي مع التبدل الاستراتيجي انتقال اخر عبّر عنه الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون عندما كان لا يزال حاكما لـ «اركانسا» عام 1991 عندما قال: «اننا ننتقل من عصر الجيوسياسة الى عصر الجيو ـ اقتصاد». هكذا وبدلا من الدبلوماسية الدولية التي كانت تولي اغلبية اهتمامها لنقاش مسائل التسلح واحكام الرقابة عليه خاصة فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل اصبحت هناك اليوم اولوية اخرى لدى القوى الكبرى التي يناقش قادتها اثناء لقاءات القمة التي تجمعهم مسائل السوق والمنافسة التجارية. بالتالي برزت تعريفات جديدة لمفهوم «القوة» نفسه. وانطرحت في السياق الدولي الجديد مسألة العلاقة بين الحلف الاطلسي الذي يخضع للهيمنة الامريكية والاتحاد الاوروبي. هذا لاسيما وان هناك «تداخلاً» في المصالح الاستراتيجية الاوروبية ـ الامريكية في منطقة حوض المتوسط والشرق الاوسط التي يرى الكاتب انها تمتد من منطقة الخليج وحتى بلدان المغرب العربي، وحيث ان أي تغيرات عميقة في «الجوار الجغرافي» لابد وان يكون لها انعكاساتها على السياسة الخارجية الاوروبية. كما يبرز في السياق الدولي الجديد نوع من «التعارض» بين متطلبات التجارة ومتطلبات الامن مما يخلق بعض «الارتباك» في تحديد السياسة الخارجية الاوروبية خاصة وان بعض الدول الاوروبية مثل النمسا وفنلندا والسويد وايرلندا تتبنّى رسمياً سياسة «الحياة» وهي ليست اعضاء في الحلف الاطلسي. ولفرنسا منذ ان قرر الجنرال شارل ديجول خروجها من البنى العسكرية للحلف الاطلسي منذ عقد الستينيات في القرن العشرين سياسة خارجية وعلاقات متميزة مع بلد مثل الجزائر على قاعدة التاريخ الاستعماري وحجم الاستثمارات الاقتصادية ووجود حوالي مليون جزائري على الارض الفرنسية. ان مثل هذه العلاقات المتميزة قد يكون لها آثارها على السياسة الاوروبية المشتركة. هذا وتذهب مختلف المساهمات الخاصة بهذه السياسة المشتركة نحو التأكيد على ان الاهتمام الرئيسي سيكون موجهاً نحو تأمين «الاستقرار» في القارة القديمة، لاسيما وانها كانت في القرن الماضي «العشرين» البؤرة التي انطلقت منها حربان كونيتان وتحملت القسط الأكبر من مآسيهما. كما يتم التأكيد على الأهمية الخاصة لحوض المتوسط وللشرق الأوسط في تحديد توجهات السياسة الخارجية الاوروبية مستقبلاً حيث يتم الربط بين مسيرة السلام في الشرق الاوسط وبين السياسة «المتوسطية» لاوروبا الموحّدة. ولذلك من المطلوب ان تساهم اوروبا في دفع مسيرة السلام الى الامام والعمل على وجود تنمية اقتصادية اقليمية خدمة «لمصالحها» هي اولاً، كما يؤكد عدد من المساهمين في هذا الكتاب. وتبقى منطقة البلقان بمثابة «مصدر كامن» لاندلاع الازمات في اوروبا باستمرار، لذلك لابد لاوروبا ان تؤمن قدراً من الازدهار والاستقرار في هذه المنطقة من اجل التقليل من حدة المنافسات الاثنية. ان أمن اوروبا يتعلق الى حد كبير بالاستقرار في منطقة البلقان، هذا ما اثبتته التجارب التاريخية وما يؤكد عليه المساهمون في هذا الكتاب في نقاشهم لمنظور العلاقة بين سياسة اوروبية «خارجية» وسياسة «امنية»، وحيث تشكل العلاقات مع الولايات المتحدة ومع الحلف الاطلسي حجر الاساس في تحديد المفهوم الدفاعي الاوروبي المقبل.