بيان الكتب :فاليري فيرون هي صحفية فرنسية عملت حوالي عشر سنوات في ميدان العمل الاذاعي، هذا هو كتابها الأول. هذا الكتاب يخص «الفلسطينيين في إسرائيل» وأيضاً يخص «فلسطين» كقضية، وهو في الواقع ثمرة تحقيق مطول قامت به المؤلفة لفترة طويلة من الزمن، وأجرت خلاله العديد من المقابلات مع شخصيات فلسطينية معروفة مثل عزمي بشارة وفيصل الحسيني والياس صنبر وغيرهم، ولكن أيضاً اعتمدت المؤلفة على المعلومات الميدانية التي جمعتها خلال لقاءاتها في الناصرة وبيت لحم وغزة وغيرهما مع شرائح مختلفة من الشبيبة الفلسطينية. هكذا ارادت «فاليري فيرون» ان تجعل من نفسها بمثابة «ناطق» باسم هذه الشبيبة للتعبير عن آمالهم وتمردهم واحياناً احساسهم بالضياع الكامل. وقد اختارت مؤلفة هذا الكتاب ان تسلك «طريقا» في فلسطين فيها الكثير من «الرمز» حيث بدأت بـ «الناصرة» وانتهت بـ «بيت لحم» ومروراً بنابلس ورام الله والخليل وغزة والقدس. كما اختارت ان تلتقي بـ «الشعب الفلسطيني» باعتباره المفتاح الاساسي لفهم حقيقة ما يجري على هذه الأرض. كما انها قابلت «فلسطينيي» عام 1948 الذين يطمعون باستمرار الى تأكيد هويتهم العربية. وتصف ايضاً ضمن السياق نفسه ما تسميه بفلسطين سنوات الالفين التي يتم بناؤها على جزء من الاراضي الفلسطينية التاريخية. ومن اجل «الاستجابة» لجميع جوانب الموضوع تبنت تقسيم محتويات كتابها إلى قسمين رئيسيين يخص الاول «الفلسطينيين في ظل الحكم الإسرائيلي» وعنوان الثاني هو «في الطريق إلى فلسطين» وفي الحالتين ترى في الفلسطينيين «يتامى تاريخ القرن العشرين». لقد عومل الفلسطينيون بعد «النكبة» عام 1948 كلاجئين ثم كارهابيين كي ينالوا بعد ذلك «اعترافاً سياسياً» بهم لكن «التحديات» لا تزال مستمرة حيث ان المواجهات الإسرائيلية ـ الفلسطينية في السنوات الاخيرة تبين مدى «وعورة الطرق نحو السلام المنشور الذي يؤمن للفلسطينيين حقهم في تقرير مصيرهم والتمتع بدولة «ذات سيادة».. تنطلق مؤلفة هذا الكتاب من مقولتين اساسيتين، الأولى هي وجود قناعة ثابتة لدى اوروبا بان الشرق الاوسط العربي يمثل منطقة في غاية التعقيد.. وهذا ما كان قد دل عليه ذات يوم الجنرال شارل ديجول عندما توجه للمرة الأولى إلى الشرق واجاب عن اسئلة احد الصحفيين عن الافكار التي يحملها في «جعبته» حيث قال: «انني اتوجه نحو الشرق المعقد بافكار بسيطة». فكرة «تعقيد» هذا الشرق تناقشها المؤلفة بشكل مسهب وخاصة بالاعتماد على الافكار التي طرحها الباحث و«الوزير اللبناني السابق»، جورج قرم في كتابه «أوروبا والشرق» حيث تساءل عما اذا كان تاريخ الشرق الأوسط «اكثر تعقيداً من التاريخ الاوروبي، تاريخ القبائل المتعددة التي قدمت تحت اسماء مختلفة من الغابات الجرمانية والمناطق الثلجية الاسكندنافية.. وتاريخ تلك الامارات والمدن والممالك الغابرة «..» وتاريخ الكنائس ذات الالف وجه «...» وتاريخ صعود الديمقراطية بالتوازي مع الإرهاب الثوري والنهب الاستعماري والتي اشعلت من اجل مقاطعة صغيرة تابعة للامبراطورية العثمانية ـ البوسنة والهرسك ـ حرب عالمية جرت حرب عالمية ثانية «...» صدرت خلافاتها جزئياً إلى منطقة الشرق الاوسط، والكلام دائماً لجورج قرم. المقولة الثانية التي تؤسس عليها المؤلفة تحليلاتها تتمثل في محاولة فهم المحطات التاريخية الاساسية التي قام على أساسها الكيان الإسرائيلي وأيضاً تلك التي شهدتها القضية الفلسطينية منذ قيام إسرائيل عام 1948 على أساس وعد بلفور المعروف اثناء الحرب العالمية الأولى.. وتناقش المؤلفة من منظور تأريخي المنعطفات التي شهدها «الخطاب الإسرائيلي» الذي لم يعط اية أهمية للحقيقة التاريخية. وتفتح المؤلفة ضمن هذا السياق قوسين للحديث عن الدور الذي لعبه بعض المؤرخين الإسرائيليين الجدد، اعتباراً من مطلع عقد الثمانينيات الذين أبدوا ارادتهم في ان يعملوا كمؤرخين «مختصين» لا يأخذون باعتبارهم «الروايات التاريخية الرسمية» وحدها. وحيث كان عمل هؤلاء عاملاً مساعداً في فهم «الخطاب الفلسطيني» وكذلك فهم الرهانات الحالية والمستقبلية في الشرق الأوسط، وانطلاقاً من هذه المعطيات كلها تحاول مؤلفة هذا الكتاب ان تبرز الواقع الاجتماعي والسياسي للفلسطينيين وخاصة الذين يعيشون في «الداخل» وتريد بالوقت نفسه ان تعطي «الكلام» للشباب الذين يشكلون عماد المجتمع اليوم... وغداً. ومن الملاحظ ان المؤلفة لم تتعرض لمشاكل الشتات الفلسطيني في الخارج الا على ضوء العلاقات مع فلسطينيي الداخل وفلسطينيي الضفة والقطاع. هكذا يبدو هذا الكتاب مكرساً لتوصيف وقائع «الحياة اليومية» لاولئك الذين قرروا البقاء على «ارضهم» والمعروفين بـ «العرب الإسرائيليين». واخوتهم الذين يعيشون في الأراضي المحتلة والذين يمارسون نوعاً من السيادة على جزء من وطنهم. ان مؤلفة هذا الكتاب تقدم أيضاً المواقف الإسرائيلية المختلفة باعتبارها عنصراً حاسماً في فهم الواقع الفلسطيني نفسه. وتذكر «فاليري فيرون» قارئها في البداية بالموقف الغربي المتحيز حيال «الملف الفلسطيني» منذ بدايات القرن العشرين للموقف الصهيوني. وذلك على قاعدة نوع من «سوء الفهم» الذي قام سابقاً بين القوى الغربية الرئيسية والقادة الصهيونيين ذوي الثقافة الأوروبية عامة من جهة وبين العالم العربي في ظل الامبراطورية العثمانية من جهة اخرى. ولا يزال الشرق الأوسط يدفع حتى الان، وخاصة في فلسطين، ثمن عمليات التقسيم التعسفية التي قامت بها القوى الاستعمارية بعيداً عن مصلحة الشعوب المعنية. وفي اطار الحديث عن فلسطينيي «الداخل» تبدأ المؤلفة كل فصل من فصول كتابها بحديث مع احد هؤلاء أو بقطعة شعرية لاحد رموز الادب الفلسطيني مثل سميح القاسم أو توفيق زياد أو محمود درويش وغيرهم. ومن خلال حكايات صغيرة تجعل هذا الكتاب قابلاً للقراءة كرواية تقدم «فاليري فيرون» واقع حياة الفلسطينيين في ظل الحكم الإسرائيلي بحيث يكون هذا الواقع مفهوماً أكثر للقاريء الغربي بعيداً عن الشعارات وحيث يبدو بوضوح أيضاً بان جميع التغيرات الخارجية التي عرفها العالم الذي يعيشون فيه «لم تبدل ابداً ما يعيش في اعماقهم حيال فلسطين التي اصبح جزءاً منها يسمى «إسرائيل منذ 14 مايو عام 1948» وضمن الاطار نفسه تركز المؤلفة على القول بان الحوار والعلاقات بين العرب واليهود «في الداخل» شبه مقطوعة. وتنقل عن الباحث اليهودي «كلود كلاين» قوله: «لقد عشت عشرين عاماً في إسرائيل واعترف اليوم بانني لم اعرف عرباً «...». ولا استطيع ان اقول بان أفضل أصدقائي كانوا من العرب «..»، كما يبدو من الواضح لي ان هذا الغياب للعلاقات بين العرب واليهود له الكثير من الدلالات، ولا اعتقد ان حالتي هي حالة استثنائية». وتقدر المؤلفة ان نسبة عرب «الداخل» تبلغ حوالي 20% من مجموع السكان في المرحلة الراهنة. وتؤكد بان دورهم مرشح ليكون اكبر وزناً وفاعلية خلال السنوات المقبلة. لاسيما وان الكيان الإسرائيلي لا يزال، رغم العديد من المظاهر البراقة، يعاني من هشاشة اقتصادية كبيرة، ولكن أيضاً من هشاشة اجتماعية، ذلك ان نسبة العاطلين عن العمل تبلغ حوالي 10% من القادرين على العمل مع وجود «شروخ» داخل مكونات مجتمع تعود اصولها إلى ثقافات وبلدان مختلفة. هذا وتدعم المؤلفة آراءها بعدد من الادلة المأخوذة من دراسات إسرائيلية ومن دراسة نتائج العمليات الانتخابية الأخيرة. وبالمقابل هناك شروخ اخرى يعاني منها فلسطينيو الداخل حيث تنقل المؤلفة عن الشخصية الفلسطينية المعروفة عزمي بشارة قوله: «من المستحيل القول بانني بالوقت نفسه عربي يعتز بعروبته وإسرائيلي مخلص. ان مثل هذا القول يحمل بداخله الكثير من التناقض وهو غير عقلاني وانما يفرضه الواقع»، وعلى قاعدة مثل هذا الرأي تناقش المؤلفة احدى الاشكاليات التي يعاني منها فلسطينيو «الداخل» و«الشرخ» الذي يعانون منه بسبب التناقض بين اعتبارهم «مواطنين إسرائيليين» ودافع «هويتهم الوطنية الفلسطينية» النتيجة التي تصل لها المؤلفة تقول أن هؤلاء الفلسطينيين «لم يندمجوا» فعلاً في «المجتمع الإسرائيلي». واذا كانت المشاكل والتحديات التي يعاني منها فلسطينيو الداخل لها خصوصياتها بالمقارنة مع تلك التي يواجهها فلسطينيو الاراضي المحتلة في الضفة والقطاع بما فيها اولئك الذين يعيشون في ظل سيادة السلطة الفلسطينية، فان الجميع يتفقون في الهدف النهائي وهو ان يتم التوصل إلى سلام «عادل ودائم» وإلى دولة فلسطينية ذات سيادة حقيقية. هذا ما تتوصل اليه مؤلفة هذا الكتاب عبر قراءتها للتاريخ وللواقع الفلسطيني. «الى محمد الدرة...»، تقول فاليري فيرون في مقدمة «اهداء» هذا الكتاب وتضيف «والي عامر وحسان وعبادة وميرا وثائر».. وذلك في رسالة واضحة تؤكد أن أطفال فلسطين اليوم يصنعون مستقبلها.. غداً