أحمد رشيد هو مراسل صحيفة «الدايلي تلغراف» ومجلة فار ايسترم ايكونوميك، في الباكستان واسيا الوسطى وافغانستان. ويقدم ايضا بشكل منتظم تعليقات على احداث هذه المنطقة من العالم في عدد من الاقنية التلفزيونية العالمية مثل الـ «سي. ان. ان» والـ «بي. بي. سي». هذا كتاب جديد بين موجة من الكتب الاخرى التي شهدتها السنوات الاخيرة حول حركة طالبان وافغانستان، ان الجزء الاكبر من هذا العمل مكرس لدراسة حركة طالبان، ذلك ان القسمين الاول والثاني يخصان «تاريخ حركة طالبان» و«حركة طالبان والاسلام، اما القسم الثالث والاخير فإنه مكرس لدراسة اللعبة الكبرى الجديدة، ان صفة الجديدة هنا يستخدمها المؤلف على اساس ان افغانستان كانت اكثر من مرة رهاناً لـ «لعبات كبرى» لسياسات قوى دولية مختلفة او اقليمية فالفرس والمنغوليون والبريطانيون والسوفييت ومنذ فترة قريبة الباكستانيون كان لهم، اوولهم دائما، طموحات حيال افغانستان. وبرز منذ فترة وجيزة ايضا اهتمام امريكي متزايد بهذه البلاد وفيما هو ابعد منها بآسيا الوسطى. وما يذكر به المؤلف منذ البداية هو ان افغانستان تعيش حالة حرب مستمرة منذ 21 سنة ذهب ضحيتها اكثر من مليون ونصف من الافغانيين بالاضافة الى التدمير شبه الكامل لبلادهم. كان وادي «قندهار» بمثابة عرين محاربي حركة طالبان ومنه انطلقوا في شهر مارس 1997 ليسيطروا على اكثر من ثلثي افغانستان وهم الآن يخوضون حربهم من اجل فرض سلطاتهم على بقية البلاد. وكانوا قد بدأوا هذه الحرب منذ عقد الثمانينيات في القرن العشرين ضد الوجود السوفييتي في بلادهم، وينتمي اعضاء حركة طالبان الى الاثنية «الباشتونية» التي تمثل نسبة تقارب 40% من السكان. وكان الباشتون قد سادوا في افغانستان لمدة ثلاثة قرون تقريباً الى ان تعززت منذ فترة قريبة قوة عدة اثنيات اخرى صغيرة. وانتصار حركة طالبان الاخير تعيد مرة اخرى سيطرة الباشتون على افغانستان. واذا كانت طالبان تجد مرجعيتها الاثنية لدى الباشتون فانها تجد مرجعيتها الايديولوجية في التفسير المتطرف للشريعة الاسلامية. ويرى المؤلف مظاهر هذا التطرف في الموقف من المرأة حيث قررت الحركة اغلاق مدارس البنات ومنعهن من الخروج من المنازل وحتى بقصد التسوق، وهذا ما يعبر عنه مثل افغاني شائع في اوساط الباشتون ومفاده ان المرأة الافغانية لا تخرج من منزلها سوى مرتين في حياتها مرة للزواج ومرة اخرى الى القبر، كما منع مسئولو طالبان الكثير من النشاطات، ذات الطبيعة الغربية مثل الموسيقى والتلفزة والفيديو وبعض الرياضات والالعاب. لكن وفيما هو ابعد من هذه المظاهر المتطرفة كلهايؤكد المؤلف في تحليلاته بأن اكثر ما يثير قلق اطراف عديدة في اللعبة الكبرى الجديدة هو ان حركة طالبان تشكل صيغة جديدة للتطرف قد يكون لها آثارها بالنسبة للجوار خاصة في الباكستان وآسيا الوسطى، هذا لاسيما انها ترفض اية مصالحة مع القيم الاسلامية التقليدية او مع البنى الاجتماعية او مع الشكل الحديث للدولة. ان حركة طالبان حظيت منذ نهاية الحرب الباردة باهتمام دولي كبير لم تحظ به اية حركة سياسية اخرى في العالم الاسلامي، كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب في تحليلاته. واذا كان احمد رشيد يؤرخ في هذا العمل لحركة طالبان ولدورها في الحياة العامة الافغانية منذ سقوط الرئيس الافغاني نجيب الله بشكل خاص، ويحلل بنيتها وجذورها التاريخية، فانه ايضاً يرى في تجربتها اطاراً نموذجياً يحاول عبر دراسته ابراز طبيعة العلاقات بين الاثنيات المتعددة في بلاد لاتزال البنى القبلية والاقطاعية ذات حضور كبير فيها وحيث تكتسي مفاهيم التحديث والتنمية الاقتصادية معاني خاصة تجعل من الصعب فهم حركة طالبان وبنيتها السياسية وآليات «الزعامة» فيها وطريقة اتخاذ القرارات. هذا لاسيما وان لهذه الحركة موقفاً «تاريخياً لايولي أهمية كبيرة للصحافة الا الذي جعل من احد زعماء طالبان هو الملا محمد عمر شخصية محاطة بالغموض والاسرار. ولا يتردد المؤلف ضمن هذا السياق في القول: «ان حركة طالبان هي اليوم، وبعد الخمير الحمر في كمبوديا، اكثر الحركات السياسية سرية في العالم». على صعيد التحالفات وموازين القوى في اللعبة السياسية بهذه المنطقة من العالم، يحلل «احمد رشيد» الاسباب التي جعلت حركة طالبان بمثابة عامل اساسي في خلق وتعزيز حالة استقطاب «اكثر فأكثر تجذراً في فترة ما بعد الحرب الباردة. هكذا قام نوع من التحالف «غير المعلن» والمناهض لطالبان ضم عدداً من البلدان مثل ايران وتركيا والهند وروسيا وبعض جمهوريات آسيا الوسطى كاوزبكستان وقرغيزستان طاجيكستان، وحيث وضع هذا التحالف» هدفاً رئيسياً له هو «كبح تقدم طالبان» بالمقابل قامت الباكستان بدعم طالبان. ضمن هذا السياق يكتسي البترول والغاز، باعتبار انهما مصدران اساسيان للطاقة وان آسيا الوسطى غنية بهما، أهمية استثنائية في انبعاث وتعزيز «اللعبة الكبرى» لفرض الوجود والهيمنة على هذا «المخزون الكبير من مصادر الطاقة. وحيث من المطلوب تأمين عملية نقل هذه الطاقة إلى أسواق اوروبا وآسيا. ومن هنا انبثقت فكرة بناء خط انابيب لنقل البترول والغاز من اسيا الوسطى إلى أوروبا كخطوة أولى وعبر افغانستان. ويرى المؤلف بأن الدعم الذي لاقته طالبان في البداية، ولا تزال تلاقيه إلى حد كبير اليوم، من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والباكستان ترمي إلى التأكيد على وزن «رهان» الطاقة في تحديد توجهات «اللعبة الكبرى الجديدة» حيال افغانستان وجمهوريات آسيا الوسطى. وضمن نفس السياق ايضاً، يمكن فهم خلفيات المنافسة بين الدول الاقليمية والشركات البترولية الدولية. وضمن هذا السياق يبحث المؤلف الخلفيات التي جرت على اساسها فكرة بناء خط انابيب لنقل البترول من تركمنستان وحتى باكستان مروراً بافغانستان، وكانت واشنطن هي التي كثفت الجهود بهذا الاتجاه اعتباراً من عام 1995 عبر شركة «انوكال» الأمريكية. ان مؤلف هذا الكتاب الذي امضى سنوات طويلة في افغانستان واسيا الوسطى كمراسل لمؤسسات اعلامية غربية متعددة ومتنوعة يقدم رؤية ثاقبة للموقف الغربي عامة، والامريكي خاصة حيال طالبان وبشكل اوسع حيال افغانستان وآسيا الوسطى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وهو يستعرض ضمن هذا السياق آراء عدد من الكتاب والاستراتيجيين الغربيين الذين اهتموا بدراسة المسألة الافغانية والذين يرون ان فترة ما بعد نهاية الحرب الباردة برزت حركات مثل «طالبان» رفعت شعارات ايديولوجية على اساس قيام عالم إسلامي «مناضل» في مواجهة الغرب مما يخلق صيغة اخرى من الحرب الباردة مع ما يرافقها من «تصادم الحضارات» كما جاء في عنوان كتاب للاستراتيجي صموئيل هنتنجتون الذي اعتبر بأن «المواجهة» بين العالم الإسلامي والغرب ستكون بمثابة السمة الرئيسية للقرن الحادي والعشرين وضمن هذا السياق ايضاً يستعرض المؤلف التاريخ الافغاني الذي يبدو فيه بأن وجود افغانستان في قلب «اللعبة الكبرى» التي تشهدها المنطقة ليس امراً جديداً اذ ان «ملوك العالم القديم كانوا يعتقدون بأن افغانستان هي مركز العالم، واستمرت رؤيتهم هذه في الأزمنة الحديثة»، كما يقول المؤلف وينقل عن الشاعر الكبير «محمد اقبال «وصفه افغانستان بأنها «قلب آسيا» بينما كان اللورد البريطاني «كورزون: قد اطلق عليها في القرن التاسع عشر تسمية «حلبة الصراع ـ صراع الديكة ـ الآسيوية». وتلعب الجغرافيا والموقع الاستراتيجي دوراً كبيراً، كما يرى المؤلف، في تاريخ الشعب الافغاني وطبيعته وسياساته. ويبدو هذا الكتاب في احد وجوهه وكأنه تحقيق صحفي مطول حول افغانستان يقدم فيه كاتبه توصيفاً دقيقاً وعميقاً بنفس الوقت لبنية المجتمع الافغاني بكل مكوناته الاثنية واللغوية والمذهبية والآليات التي تتفاعل على أساسها هذه المكونات كلها كي تعطي لواقع الحياة العامة سماتها الخاصة وحيث ان حركة طالبان التي يركز عليها احمد رشيد دراسته ليست سوى التعبير «البارز» الآن لتاريخ يعود إلى قرون عديدة سابقة حيث كانت القبائل الافغانية تقوم دورياً بغزو الهند واحتلال دلهي احياناً كي تقيم امبراطوريات هندية ـ افغانية شاسعة. تجدر الاشارة إلى ان هذا الكتاب يضم عدداً من الملاحق تضم النصوص التي كانت حركة طالبان قد اصدرتها حول المرأة والعديد من المسائل الثقافية منذ هيمنتها على العاصمة كابول. او تخص «البنية التنظيمية» لطالبان واسماء قياداتها وممثليها، وتاريخها مع شرح لبعض الكلمات الافغانية التي استخدمها المؤلف في تحليلاته. كتاب «متميز» عن افغانستان كما وصفه المعلقون ب«الدراسة الأولى ذات المصداقية حول صعود طالبان إلى السلطة» حسب تعبير طارق علي في مجلة «نيوليفت ريفيو». تم طبع هذا الكتاب للمرة الأولى عام 2000 تم اعيد طبعه للمرة الثانية بعد تنقيحه بعد اشهر في عام