بيان الكتب : تعمل روجينا. ج. لورنس، مؤلفة هذا الكتاب استاذة مساعدة للعلوم السياسية في جامعة «بوركلاند» في الولايات المتحدة الامريكية. سبق لها ونشرت العديد من الدراسات في الصحف والدوريات الامريكية حول اللجوء الى «العنف» كإحدى وسائل «السياسة». تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثمانية فصول يناقش كل منها احد مظاهر سياسات العنف في الولايات المتحدة الامريكية كممارسة واقعية او كـ «مفهوم» في ممارسة السياسة. وفي جميع الحالات يتم التركيز على دور وسائل الاعلام في صياغة «سياسة الخشونة»، كما يشير بوضوح العنوان الفرعي للكتاب. ان ممارسة مثل هذه «السياسة» يرمي في اغلب الاحيان الى «شد الانتباه» لقضية ما او في اتجاه ما ووسائل الاعلام لها دورها الاساسي في ابراز هذه الممارسة او تلك. ويمكن لعدسات التلفزة مثلاً ان تحول حدثاً عادياً الى موضوع «الساعة». كما يمكن بالمقابل ان تجعل احداثاً ذات اهمية استثنائية على «هامش» اهتمام الناس. ولعل المجازر التي عرفتها رواندة في منطقة البحيرات بافريقيا مثال جيد على ذلك اذ انها ظلّت غائبة عن ادراك الرأي العام الدولي لها الى ان نقلت عدسات التلفزيون بعض مشاهدها الفظيعة لتصبح «شاغل» الناس ولكن بعد ان كان عدد ضحاياها قد قارب المليون نسمة. وهذا ما تطلق عليه المؤلفة «دور وسائل الاعلام» في حياتنا اليومية. وتسوق «روجينا لورنس» لقارئها عدداً من احداث العنف وسياسة الخشونة التي تمارسها اجهزة الشرطة الامريكية بشكل خاص. وما هو أهم من سرد الاحداث «ذاتها» بحث المؤلفة عن ابراز «قيمتها الدلالية». ففي يوليو من عام 1996 اطلق احد ضباط الشرطة الامريكيين النار على امريكي اسود في احدى محطات «مترو» نيويورك وارداه قتيلاً. برر ضابط الشرطة ما قام به بان ذلك الشاب الاسود حاول اختطاف سلاحه وقتله.. غير ان اسرة القتيل كان لها رأي اخر واعتبرت بان السبب الحقيقي لقتل ابنها الاعزل من السلاح والذي كان قد شارك في حرب الخليج الاخيرة هو شيء اخر.. السبب هو «العنصرية». شغلت هذه القصة الرأي العام لزمن طويل حيث قامت وسائل الاعلام المختلفة بتوجيه انتقادات شديدة لرجال الشرطة وللدوائر المسئولة عنها التي كانت تؤكد بان «تحسناً كبيراً» قد عرفه سلوك عناصرها بعد عمليات التوعية والاصلاحات التي تم اللجوء اليها بعد وقوع احداث عديدة «مقلقة» احتلت صدر الصفحات الاولى وافتتحت النشرات الاخبارية التلفزيونية والاذاعية انباءها بالحديث عنها. لكن هذا كله لم يمنع في الواقع تكرار مثل تلك الحوادث في اماكن اخرى من الولايات المتحدة الامريكية وفي ظروف متشابهة وتبريرات «متشابهة» لها ايضا. وفي معظم الحالات والاحيان تنجح الدوائر الرسمية في فرض «قراءتها» للاحداث المعنية، وحيث يكون دائما لوسائل الاعلام دوراً هاماً في «اظهارها» او «اخمادها». وفي معرض المقارنة بين وسائل الاعلام المرئية «التلفزة» والمكتوبة «الصحافة» ترى المؤلفة بان الامريكيين لا يزالون يعتبرون الصحف بمثابة المصدر الأكثر اهمية للحصول على المعلومات وعلى رأسها هناك صحيفتان هما «نيويورك تايمز» و«لوس انجلوس تايمز» اللتان تؤمنان تغطية صحفية ممتازة وتمتلكان وسائل كبيرة للحصول على الانباء وتناولها بالتعليق بطريقة «تتفردان» بها تقريباً. وقد بحثت المؤلفة باسهاب دور هاتين الصحيفتين في تناول اشكاليات ممارسة العنف بين الجمهور والشرطة. ان ابرز المصاعب التي تواجه الباحث لسلوك رجال الشرطة في بلد مثل الولايات المتحدة الامريكية ولطبيعة عمل اجهزتها تتمثل، كما تقدمها المؤلفة، في نقطتين: الاولى هي الحصول على المعلومات المستقلة حول استخدام العنف في التعامل مع «المشبوهين». والثانية هي معرفة مدى صحة الاخبار التي تقدمها وسائل الاعلام وهدفها من تغطيتها. وفي الواقع هناك تفسيرات عديدة ومتباينة يتم تقديمها لمسألة استخدام «القوة المفرطة» من قبل الشرطة، وخاصة التفسيرات التي تقدمها المجموعات المعنية بالدفاع عن «ضحايا» العنف الذي يتم استخدامه لـ «انتزاع» معلومات او اعترافات. لكن ما هي حدود القوة المفرطة؟ الاجابة عن مثل هذا السؤال مثيرة للجدل. ذلك ان المسئولين الرسميين «يفسرونها كثيرا على انها تعبير عن سلوك فردي لشخص حاد الطباع وعصبي المزاج» بينما ينظر الآخرون «من غير المسئولين» على انها ترجمة لسلوك منظم يسلكه رجال الشرطة «الامريكيين» في كثير من الاحيان على خلفية عوامل ثلاثة هي: الاعتماد على المصادر الرسمية لمعرفة الاخبار وتبني رؤيتها للحادث وتفضيل معظم الصحفيين الحصول على المعلومات من دوائر الشرطة نفسها واخيرا قناعة الجميع بمبدأ محاربة الجريمة والقضاء على العصابات التي ترتكبها بشتى الوسائل. ان هذه العوامل الثلاثة لها اهميتها ايضا في معالجة مجمل المواضيع ذات الصلة بـ «سياسات العنف». ولكن قد يحدث احياناً ان تخرج المسألة برمتها عن سيطرة الدوائر الرسمية المعنية بها. وتعيد المؤلفة في هذا السياق قصة الامريكي الاسود «رودني كنج» الذي تم تصوير عملية ضربه من قبل شرطة «بيض» في لوس انجلوس عام 1991 وحيث اثارت تلك العملية ردود فعل غاضبة من قبل الرأي العام والصحافة مما اضطر السلطات الرسمية الى فتح تحقيق بها. ولم تتوقف الامور عند هذا الحد بل امتد الجدل الى ما هو ابعد من مسألة معاملة البيض للسود ومشاكل العنصرية في السياق الراهن حيث ناقش العديد من المعلقين والمهتمين بشئون الدفاع عن حقوق الاقليات بشتى صيغها، قضية النضال ضد التمييز العنصري وقضية الامريكيين ذوي الاصول الافريقية عبر تاريخ الولايات المتحدة الامريكية كله. وتولي المؤلفة اهمية كبيرة في عملها لتحليل مشكلة «الجريمة» التي تشغل مساحة كبيرة من اهتمام الرأي العام ووسائل الاعلام. وتشير بعض الاحصائيات الامريكية الى ان انباء الجرائم تحتل نسبة 25% من الانباء التي تنشرها الصحف، ومعروف ايضا ان الدولة تشن حملة شعواء ضد جميع اشكال الجريمة وخاصة المخدرات. لكن هذا لا يمنع واقع ان مبدأ استخدام «سياسات القوة» لمحاربة الجريمة وتعقب مرتكبيها قد اثار جدلاً واسعاً لدى وسائل الاعلام، وخاصة فيما يتعلق بمسألة «التمييز»، او «عدم التمييز» بصورة واضحة بين «الاستخدام المفرط للقوة» والاستخدام العادي «الروتيني». وتصبح مثل هذه الاشكالية اكثر تعقيدا في مجتمع يفاخر بانه مثال للحرية والديمقراطية والمساواة امام القانون والدفاع عن حقوق المظلومين. مع ذلك هناك من يبرر استخدام العنف باضطرار رجال الشرطة للجوء اليه بغية التوصل الى الحقيقة في جرائم قد تهدد سلامة المجتمع واستقراره. لذلك فإن الخط الرفيع الذي يفصل بين الاستخدام المفرط للقوة والاستخدام المبرر لها «يكاد لا يرى». بالمقابل هناك شبه اجماع بان الشرطة الامريكية تبالغ في استخدام القوة ضد الامريكيين السود وذوي الاعراق الاجنبية، مما يؤدي الى عداء هذه الاقليات للسلطة وبالتالي للشرطة. وتشير المؤلفة بهذا الصدد الى استطلاع اكد فيه 60% من السود بان الشرطة تسيء معاملتهم لاسباب عنصرية. وتؤيد نسبة 30% من البيض الامريكيين هذا الرأي. كما تبدو النسب نفسها تقريباً فيما يتعلق بوثوق السود بالشرطة. على هذه القاعدة جرت نقاشات سياسية عديدة طالب السود خلالها باجراء تحقيقات في العديد من الحالات التي يحيط بها قدر كبير من الريبة ومن الشكوك حول سوء استخدام الشرطة لسلطتها. لكن سلوك الشرطة الامريكية لا يلاقي انتقادات شديدة من قبل «الملونين» فقط وانما هناك مجموعات اخرى امريكية تندد به مثل الشاذين جنسياً والشرائح الاكثر بؤساً في المجتمع. مع ذلك تواجه كل المجموعات، التي تعتقد بان مسألة «سياسات القوة المفرطة» تمثل مشكلة حقيقية وعامة في امريكا، صعوبات جمّة في الحصول على تأييد لموقفها لاسباب سياسية غالباً تحول دون وصول رسالتها، ذلك ان الطبقة السياسية ترى من مصلحتها عدم اثارة مثل هذه المشاكل بسبب تأثيراتها السلبية عليها. ان المؤلفة تعود في اكثر من فصل في الكتاب الى مناقشة دور الصحافة في ممارسة «سياسات القوة» واضفاء الشرعية بدرجة كبيرة عليها. وعلى الرغم من ان هذه الصحافة تكرس العديد من صفحاتها لشكاوى المواطنين الامريكيين الا انها «تتجاهل» عن وعي «الكيفية» التي يمارس فيها رجال الشرطة مهماتهم تحت عنوان «التصدي للجريمة». وعلى هذا «نادراً ما يحتل السلوك غير الحضاري للعديد من رجال الشرطة مكاناً بارزاً في الصحف الا اذا جرت حوادث درامية تم فيها الكشف عن استخدام الشرطة لاساليب قمعية مبالغ بها صراحة». وفي سياق تقديم بعض الامثلة على «تغاضي» الصحافة عن ممارسات العنف من قبل رجال الشرطة تقول المؤلفة بالاعتماد على الاحصائيات بان 17% فقط من الاحداث التي استخدمت فيها الشرطة اسلحتها النارية في مدينة لوس انجلوس و5% فقط في مدينة نيويورك قد تمّ نشر اخبارها في الصحف الرئيسية بالمدينتين وتشير هذه الاحصائيات ايضا الى ان السلطات المعنية قد تلقت خلال فترة 1986 ـ 1996 ما يزيد على 27 الف شكوى ضد رجال الشرطة. وفي فصل مكرّس لدراسة كيفية «تغطية» صحيفة مثل الـ «نيويورك تايمز» لسلوكية رجال الشرطة الامريكيين تقدم المؤلفة رؤيتها لـ «دور» الصحافة في مجال «سياسات القوة». انها تناقش ثلاث حالات تم فيها مقتل ثلاثة اشخاص وهم رهن «السجن الاحتياطي»، اي «على ذمة التحقيق» كما يقول رجال القانون. لقد اثارت تلك الحوادث نقاشات شارك فيها العديدون وتزامنت مع تزايد اهتمام الرأي العام بسلوكية اجهزة الشرطة والمطالبة بـ «تصليح احوالها» في نيويورك. وقد اظهرت نتائج التحقيق الذي اجرته لجنة طلب حاكم الولاية تشكيلها باحد الحوادث الثلاثة بان بعض رجال الشرطة متورطون بقضايا مخدرات بالاضافة الى قتل السجين لديهم وهو لايزال رهن التحقيق غير ان اهتمام حاكم الولاية بتلك المسألة كلّفه فيما كلفه خسارة مقعده في انتخابات عام 1992، وبعد ان اظهرت صحيفة «نيويورك تايمز» في البداية حماسها ضد ما وصفته بـ «فظاظة رجال الشرطة» عادت وخفضت من حدة انتقاداتها بل وانتهى الامر بها الى القول بان رجال الشرطة هم من البشر الذين يتعرضون للتعب والانهاك بحكم الظروف الصعبة التي تتسم بها طبيعة عملهم. وفي حالة ثانية كان ضحيتها مهاجر من جمهورية «الدومينيكان» وكانت سببا في اثارة اضطرابات واعمال شغب استمرت لمدة اسبوع. تبنّت الصحافة الخط الذي انتهجته سلطات الشرطة حيث ربطتها بالمخدرات وحوّلتها الى مشكلة مع تجار المخدرات، بينما أكد اخرون بانها كانت ذات خلفية عنصرية وعبّرت عن استخدام الشرطة لاساليب بربرية ضد الملونين والامريكيين ذوي الاصول العرقية غير الاوروبية. ولعل القضية الأكثر دلالة في هذا الاطار هي قضية ضرب الامريكي الاسود «رودني كنج» الشهيرة، اذ ورغم ما اظهرته عملية التصوير حول ما جرى، فان رجال الشرطة ومسئوليها قدّموا انتقادات كثيرة مثل تساؤلهم عما حدث قبل التصوير الذي قام به احد الشهود الذين ساقتهم الصدفة الى مكان الحادث؟ وعما اذا حاول «رودني كنج» الهرب او الاعتداء على رجال الشرطة. المسألة اذن هي اكثر تعقيداً، برأي الشرطة، مما قدمه الشريط المصور. في المحصلة يمكن القول بان هذا الكتاب يعالج قضية «سياسات القوة» التي لها جذورها، كما يبدو في آليات سلوك الشرطة الامريكية على قاعدة البنية الاجتماعية ومكوناتها التاريخية. وترى المؤلفة بانه من الصعب اقناع الناس بان الممارسات العنيفة الصادرة عن عدد من رجال الشرطة الامريكيين ترجع الى «مزاجهم» الشخصي وليس الى اسلوب تدريبهم وثقافتهم.. وأبعد من هذا الى نظام يستمع الى تبريرات رجال الشرطة اكثر مما يستمع الى شكاوى «عامة الناس». كتاب عن المجتمع الامريكي وآليات عمله من خلال سلوكية «رجال شرطته» و«دور وسائل اعلامه»