بيان الكتب : في الصباح مع الطلاب، وفي المساء مع رئيس الحكومة السابق، تصدر ماريو بارغاس يوسا «المولود في اريكيبا، البيرو 1936» يوم الجمعة الماضي المشهد الثقافي، بمناسبة الذكرى السنوية الاولى لصدور «حفلة التيس» التي بيع منها حتى الآن نصف مليون نسخة. طلاب كلية الفلسفة في جامعة كومبليتنسي المدريدية استقبلوه وودعوه بعاصفة من التصفيق. «كل رواياتي تنطلق من معايشة حياتية ما» قال في قاعة الاحتفالات الجامعية التي كانت تغص بالحضور. وفي المساء تحدث رئيس وزراء اسبانيا السابق، فيليبه غونثالث، اكثر من نصف ساعة عن الدكتاتورية، والسلطة المطلقة، والادب. قبل ساعة من بدء اللقاء كان هناك اناس يصطفون بالدور في حدائق «كاسا دي امريكا» «بيت امريكا»، ليشهدوا لقاء شخصين من الوزن الثقيل: ماريو بارغاس يوسا الروائي الذي طالما انشغل بالسياسة، وفيليبه غونثالث السياسي الشغوف دوماً بالروايات عن الطغاة. وصلا معاً وسط وابل من «فلاشات» المصورين. وبدأ فيليبه غونثالث الكلام معتبراً نفسه قارئاً قسرياً «لانني اذا لم اقرأ، لا استطيع ان انام»، وهنأ الكاتب على روايته قائلاً انه يعتبرها افضل اعماله، واضاف غونثالث: «السبب في نجاح حفلة التيس هو انها كتبت بعاطفة، وانها تكشف جوهر الدكتاتورية. فالرواية هي حقيقية اكثر من الحقيقة نفسها. اذ لا يمكن لاي كتاب تاريخي موثق حول دكتاتورية تروخييو، ان يقدم لنا رؤية اكثر وضوحاً مما قدمته الرواية». ورد بارغاس يوسا ان القاريء يتأثر برواية عندما يقتنع بأنها تروي الحقيقة، والحقيقة في الروايات تتولد من خلال العمل الادبي نفسه، من وسائله ومن تقنياته. «ولو اجرينا احصاء لما هو مختلق وما هو تاريخي في الرواية، فان الخيال هو الذي سيكسب»، هذا ما اكد عليه بارغاس يوسا الذي انتهز فرصة مواجهته مع شخص مارس السلطة ليوجه اليه بعض الاسئلة، وقد اجاب عنها غونثالث في البداية بالاسلوب الكاريبي: «لكل شيء وقته». هل كان الرئيس بالاغيير ايجابياً ام سلبياً بالنسبة لجمهورية الدومينيكان بعد اغتيال تروخييو؟ والى اي حد زعزع تملق السياسيين الدومينيكانيين وخضوعهم، نظرة رجال الدولة إلى المجتمع والانسان؟ فأعاد اليه زعيم الحزب الاشتراكي الاسباني الكرة مضيفاً ان ذلك لا يحدث في السياسة وحدها، وانما كذلك في الاقتصاد والادب. «ما تفترضه الديمقراطية هو امساك الناس من اقدامهم كيلا يفقدوا قاماتهم». وأضاف غونثالث: «كل سلطة تسعى الى تركيز السلطة بيدها». وكانت هذه هي النقطة التي خرج فيها الادب من الميدان ليدخل المتحاوران في رمال السياسة المتحركة. وهنا قلب بارغاس يوسا الأمور، وكان الكاتب هو الذي أصر على طرح التساؤلات على رئيس الوزراء السابق. وقد شغل فرانكو، الذي كان نموذجاً للدكتاتوريين الأمريكيين اللاتينيين، قسطاً من المناظرة. اذ قورن زهده الجنسي نسبياً ـ وهو مثل زهد هتلر وموسوليني ـ، بعقدة الفحولة وتباهي الدكتاتوريين الأمريكيين اللاتينيين بقدراتهم الجنسية، وأشار غونثالث: «القدرة الجنسية في عرفهم تعني القوة السياسية». وكان احد اسئلة بارغاس يوسا الاخرى عن عدم ظهور مثل هؤلاء الدكتاتوريين قط في البلدان الانكلوسكسونية. فقال غونثالث انه لا يجد منها عالمية، وأضاف بارغاس يوسا بأن هناك ايماناً راسخاً كذلك بالمؤسسات المدنية. «اما نحن في أمريكا اللاتينية بالمقابل، فلدينا عدم ثقة طبيعية بمؤسساتنا». وأثارت هشاشة المواطنية الاسبانية احدى نقاط الخلاف القليلة بينهما. فقد اصر زعيم الحزب الاشتراكي الاسباني على هذا الضعف، بينما ابدى بارغاس يوسا عدم اتفاقه معه: «أحد الامور البارزة جداً في اسبانيا هي الدرجة التي ترسخت بها الديمقراطية. لقد جئت إلى هذه البلاد عام 1958، ولم يكن فيها تسامح نحو الافكار والآراء المخالفة. أما اليوم، فإن قوة الديمقراطية هي حقيقة واقعة، واحترام افكار المخالفين وآرائهم أيضاً، وهي أمور لم تحدث في أمريكا اللاتينية». وتواصلت اسئلة بارغاس يوسا. وجاء على فكرة قديمة تؤرقه، فكان دور المثقفين في عالم السياسة هو الموضوع التالي الذي طرحه. وبعد ان ابدى كليهما الاتفاق على التردي الحالي لقيمة مصطلحي مثقف وسياسي، أكد رئيس الوزراء السابق على ان قلة فقط من المثقفين مفيدون للسياسيين، وقال: «فقط اولئك القادرون على القول اين نحن بالنسبة للماضي والمستقبل، ليضعوننا بذلك في زمن تاريخي، هم الذين يقدمون فائدة في تحليل الواقع». وكان التساؤل التالي عن أزمة الافكار السياسية لمصلحة نوع من البر غماتيات. «اتظن ان هذا يبتذل السياسة الحالية؟» ووافق غونثالث دون تحفظ. «اجل، انه يبتذل السياسة. فالسياسة تزداد آنية وتصبح مباشرة اكثر فأكثر. فأجندة السياسيين يفرضها الصحفيون، بما يقال يوماً فيوماً». ثم توغل الكاتب في ارض مستنقعية بسؤاله التالي، حين قال ان «الديمقراطيات تبدو مملة لاشخاص كثيرين»، فهي تفقد بريقها في لحظة ما وتؤدى إلى تقدير اشخاص مثل فيدل كاسترو او القائد «الثوري المكسيكي» ماركوس. «اتظن ان ذلك خطيراً؟». وكان فيلبيه غونثالث حاسماً على الفور. «لا، ليس خطيراً» وقال: «الأوروبيون اصدقاء للثورات البعيدة. وهذا نوع من السياحة الثورية». ودافع غونثالث عن ثورة ماركوس بـ «مسدسات افتراضية»، بينما أكد بارغاس يوسا بأن موقف الثوري المكسيكي يحيد عن الديمقراطية. ولكن اللقاء، الذي تابعه باهتمام صامت اكثر من مئة شخص، انتهى بتصفيق حاد للمشاركين فيه. صالح علماني