بيان الكتب : برز ماريو بارغاس يوسا في عالم الرواية والأدب بعد نشر روايته الأولى «المدينة والكلاب» التي نال عليها جوائز عديدة، منها: جائزة ببليوتيكا بريفي عام 1962 وجائزة النقد عام 1963، بعد ذلك تتالت اعماله الروائية فكانت «البيت الاخضر»، «محادثة في الكتدرائية»، «الخالة خوليا والمخربش»، «حرب نهاية العالم»، «قصة ماتيا»، «ليتوما في الانديز»، «امتداح الخالة»، «دفاتر دون ريفو بيرتو» وفي عام 1994 حصل على جائزة «ثربانتس للآداب» التي تعد أهم جائزة للآداب الناطقة بالاسبانية. في روايته الجديدة «حفلة التيس» التي ترجمها الى العربية صالح علماني يستعيد الروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا مرحلة تاريخية قاتمة في حياة جمهورية الدومينيكان، مرحلة انزل فيها الديكتاتور رافائيل تروخييو الآفات والمصائب بشعبه، وقد استطاع يوسا ان يجلو الغموض ويرسم صورة مرعبة لذلك الطاغية عبر تجربته الادبية الفنية وعالمه الروائي في وحدة متماسكة قريبة من ملامح الرواية الامريكية الجنوبية وروادها من امثال: جابرييل ماركيز، ايزابيل الليندي وجورج امادو... تلك الرواية التي انتجت ادبا مميزا على مستوى العالم. فى «حفلة التيس» يقدم يوسا صورة لتحول «القائد الملهم» إلى ديكتاتور وهي قاعدة تجسدت في الكثير من بلدان العالم الثالث، ولم يشذ عنها رجل الدومينيكان القوي ابو الشعب والوطن فخامة الجنراليسمو رافائيل ليوانيداس تروخييو مولينا الذي استولى على السلطة عام 1930 ووضع جميع ثروات البلاد ومقدراتها في قبضته، فهو مالك كل شيء في الدومينيكان ابتداء من مزارع قصب السكر والبن والنخيل وجوز الهند وتربية الابقار والخيول الاصلية، مروراً بشركة الطيران وشركة التأمين ومصانع تكرير السكر والنفط وصناعة الخمور والتبغ وانتهاء بتجارة المخدرات. في ظل هذه السياسة الرهيبة كان الطاغية المتوحش يخفي عينيه الرهيبتين وراء نظارة سوداء داكنة لا يراقب سلوك الجميع فحسب بل احلامهم وضمائرهم أيضاً، حيث وظف كل شيء في خدمة مشاريعه، فنشرات الاخبار تبدأ به وتنتهي عليه، وهو إلى ذلك ينظر بازدراء إلى الكتاب والمفكرين فيقول: «انا لا اجد متسعاً من الوقت لقراءة التفاهات التي يكتبها المثقفون.. لم اقرأ مئات الكتب التي اهداها الي الشعراء والمسرحيون والروائيون.. فشئون الدولة تستغرق الوقت كله «لعله يقصد قمع الشعب!». في تشريحه لشخصية الديكتاتور استطاع ماريو بارغاس يوسا ان يمسك بخيوط الزمن من خلال توغله في ذاكرة الشخصيات المثقلة بالالام عبر سرد روائي ممتع ليكتب نصاً روائياً التيس نفس ملحمي قلما نجد له مثيلا بين هذا النوع من الروايات، فهو ينقل لنا الصورة الحية المعاشة للاشخاص، ورغم ان المحور الأساسي لرواية «حفلة التيس» هو شخصية تروخييو من لحظة استيلائه على السلطة عام 1930 وإلى مقتله في مايو 1961 جراء كمين نصبته مجموعة من الوطنيين، فان يوسا جعل من ذاكرة بطلة الروائية أورانيا بمثابة كتاب مفتوح للحديث عن ديكتاتورية تروخييو، واورانيا ذات الاربعة عشر عاماً هي ابنة احد افراد حاشية الديكتاتور الذي يقدم بسادية على اغتصابها، الامر الذي يخلق لديها عقدة مزمنة لم تستطع اورانيا التخلص منها حتى بعد ان بلغت التاسعة والاربعين، وقد عاشت تلك الذكرى البغيضة معها بأدق تفاصيلها رغم سفرها الى الولايات المتحدة وحصولها على الحقوق، فراحت تروي احداث تلك الليلة المشؤومة بعد 35 عاماً في الفصل الاخير من الرواية بنبرة موجعة مؤلمة: «امسكها من ذراعها وألقاها الى جانبه، ثم امتطاها مستعيناً بحركات ساقيه وخصره، ذلك اللحم كان يسحقها، يغرقها في الفراش والانفاس العابقة بالكونياك والغضب تصيبها بالدوار، كانت تحس بعضلاتها وعظامها مسحوقة، مفتتة، ولكن الاختناق لم يمنعها من الاحساس بفظاظة تلك اليد، تلك الأصابع التي تستكشف، تكشط وتدخل فيها بقوة، احست بأنها تنشطر، تُطعن، وومض برق من دماغها حتى قدميها، انت وهي تشعر بأنها تموت..». فمن خلال دخول يوسا الى اعماق الشخصيات ومشاعرها ورصده لادق التفاصيل يقدم صورة معاشة دقيقة حية عن الاحداث التي شهدتها مدينة سانتو دومنجو (التي كانت تسمى مدينة تروخييو في عهد الطاغية) وهو في حديثه عن الاشخاص يصف الشوارع والمنازل والحدائق والساحات بل الروائح وزرقة البحر والسماء.. فهو لا يترك شيئاً الا ويجد له مكانة في نفوس الاشخاص الباحثين عن الطمأنينة، بعد مرحلة مليئة بالقمع وكتم الانفاس والارواح.. فكل شيء كان يشوبه الخوف والاضطراب الى ان تم التخلص من هذا الوضع الذي لا يطاق بمقتل تروخييو. بـ «حفلة التيس» اكد يوسا مجدداً مكانة الرواية الامريكية اللاتينية في العالم، وقدرة هذه الرواية على الارتقاء بواقع بلدان امريكا اللاتينية في وحدة متماسكة غنية بالصور والتفاصيل الحية. هدى كنعان