على مدى «اثنتين وخمسين دقيقة» استطاعت كاميرا المخرج اللبناني «سايد كعدو» تكثيف جرعة سينمائية رصدت تفاصيل عملية الاغتيال الحضاري الذي يتعرض له العراق تحت وطأة جريمة الحصار حيث استضاف نادي دبي للصحافة، مساء امس الاول عرضاً للفيلم الوثائقي الروائي «تقاسيم من بغداد» الذي انتجه واخرجه «كعدو» في عام 1999 وشارك به في اربعة مهرجانات سينمائية اضافة الى زجه الى أروقة الامم المتحدة في نيويورك في يناير الماضي. آثر «كعدو» ان يهدي عمله السينمائي الى اطفال يغسلون احلامهم بدمائهم ومن ثم لتنساب كاميرته متتبعة انحناءات انابيب النفط وليدخل الى يوميات الحصار العراقي حاشداً شهادات لعينات متفاوتة من ابناء الشعب العراقي ليقدم بحثه الخاص في التقاسيم البغدادية المشبعة بالانين والحرقة، ورغم ان المأساة التي لم تستدعي تقنيات اخراجية لنقلها واكتفى كثيراً مخرج العمل بكادر ثابت لنقلها.. كانت هي الطاغية لكن «كعدو» استطاع ان يجتث من الواقع العراقي المفزع بيارق أمل وخاض في تركيبة الانسان العراقي القادر على خلق ادوات الصمود الذاتي، بدءاً من النحات الذي اضطر الى التعامل مع كتل صغيرة الحجم ليستنطق حساً مغيراً ويقدم بحثاً تشكيلياً رائداً وحتى المهندس الذي لجأ الى تصنيع مكائن محلية مئة في المئة وضخ سلع عراقية خالصة في السوق المحلية. اضافة بالغة الخصوصية قدمها «كعدو» للمتلقي بانتقاله الى مستشفى للأمراض العقلية لينبش هول المأساة من العمق هناك في بهو المستشفى هياكل آدمية هلعة فقدت ابسط مقومات انسانيتها حالات نفسية متهيجة لا يجد الاطباء سوى الصدمات الكهربائية لتفريغ شحناتها المتوترة.. اجساد تكسوها خرق بالية وممزقة وتطفئ لهيب الصيف بمياه آسنة ركدت في زوايا ممرات المستشفى، في حين تحظى الافواه العطشى بقطرات ماء لا يقبل المواطن الغربي ان يقدمها لحيواناته المدللة. يحاول «كعدو» ان يحافظ على تشبث اعين متلقيه بشاشته عبر شهادات يغلب فيها العقلانية امام بشاعة الألم اللامعقول لكن كلمات الروائي عبدالخالق الريقابي تنهال كوخزات حارقة في ذهنية المتلقي.. اذ يجلس الريقابي بوقار المثقف امام مكتبته ليحكي لنا خصوصية علاقة العشق الحميمة التي افتقدها مع مكتبته.. ويحاول عبثاً ان يكفكف الرقابي دموعه وهو يشكر ويعتذر للمتنبي وشكسبير وتولستوي والسياب وغيرهم من أعلام الثقافة الانسانية لان همجية الحصار اضطرته لبيع مؤلفاتهم حتى يشتري فستاناً لطفلته. اوتار هريرة «قسم» عليها «كعدو» في بغداد فتيات تحرمهم عقوبات مجلس الامن من الزواج وان تزوجن يخفن من انجاب اطفال حكم عليهم بالاعدام، صحفي فقد لذة تلاقح الحبر مع الورق الابيض موسيقي حرم من آلته الخاصة ليسر لها اشجانه واحلامه. ومن تقاسيم الواقع العراقي لجأ «كعدو» الى ترنيمة الاسطورة ليخرج برؤية اخراجية قريبة الى الفنتازية اكفان الأطفال من ويل الحصار الى عذوبة مياه نهرين كانا شاهدين على عظمة الحضارة وصدق الاسطورة لتحتضن ارض العراق النابضة اجساد غضة حملت احلاماً مغتالة. وخرج «كعدو» من بغداد وليعتكف على مدى ستة شهور مع فريق العمل لاطلاق شعاعه السينمائي وليستنتج لاحقاً انه خرج من حصار حضاري الى حصار اعلامي اذ ان محطات التلفزة العربية الارضية والفضائية لم تجد حيزاً بين برامج الطبخ والرقص على حد تعبيره لبث آلام 22 مليون عربي غيبوا عن خارطتنا الجغرافية والنفسية في حين رفضت محطات التلفزة الغربية عرض عمل سينمائي يدين جريمة هم ـ الغرب ـ مرتكبيها. وفي حديث خاص لـ «البيان» اشار «كعدو» الى ان السؤال الذي كان يحمله قبل ولوجه الى بغداد لتصوير العمل هو ما ذنب هذا الطفل الذي يولد اليوم في العراق حتى يحكم عليه بالاعدام سلفاً لكنه مع ملامسته الواقع العراقي عن قرب خلص بأن كل فئات الشعب العراقي محاصرة ولكن يظل الطفل هو الشاهد الأساسي على لا انسانية هذا الحصار ويضيف «كعدو» ان تسليطه الضوء على الواقع الثقافي العراقي تحت وطأة الحصار هو نابع من ايمانه بأن اي شعب لا يصمد الا من خلال مبدعيه وفنانيه وهذا الشعب المبدع والعريق مستمر بصموده بفضل الخزان الحضاري القابع في الذاكرة. وعن تباين اقتراب العمل في بعض مراحله من تفاصيل المجتمع العراقي اوضح «كعدو» بأن العمل السينمائي يخضع اولاً الى الظروف الانتاجية التي توفر الامكانات واكد انه عكف على دراسة وبحث المعاناة التي يعيشها الشعب العراقي كونه غير ملم تماماً بالواقع العراقي ولكنه نجح بالحصول على شهادات قيمة جسدت ادق جوانب المحنة واضاف بأن المطلوب الاكثار من هذه الاعمال لتغطية جميع النواحي ونوه «كعدو» الى كونه اول مخرج سينمائي يسافر الى العراق ويطلب السماح بتصوير عمل سينمائي الامر الذي شكل مفاجأة لدى المسئولين في وزارة الاعلام العراقية لهذه المبادرة ووفروا له بدورهم الظروف الميسرة لاتمام العمل. وعن التصور الذي كان في مخيلة المخرج قبل الانخراط في العمل الميداني بعين «كعدو» بأن التصور الضبابي الذي كان لديه تهشم عند ملامسة الواقع الامر الذي استدعى اجراء بعض التعديل على الآراء والرؤى الاخراجية فأحياناً يكون الواقع اقوى واغنى من الفكرة او التصورات المسبقة واضاف «كعدو» بأن هناك علاقة جدلية بين الواقع والفكرة وتحاول اخضاع الواقع للفكرة لكن احياناً يكون الواقع اغنى من الفكرة. وعن طبيعة معالجة العمل للحصار العراقي الذي يثير بعض الاشكاليات للبعض قال «كعدو»: «لدي موضوعي الخاص افتش عنه من دون اي خلفيات اخرى واتعاطى مع هذا الموضوع ببساطة يهمني الذين يعانون واعبر عنهم ولا اقف وأضع شروطاً لانقاذهم، المطلوب انقاذهم ومن ثم وضع الشروط. وتحدث «كعدو» عن المواقف التي تعرض لها كادر العمل خلال التصوير حيث اشار الى المأساة التي عاشها الطاقم كونهم اناساً يتأثرون، فقد كان ينتاب البعض شعور غريب وهم يصورون اشخاصاً بحالة الاحتضار وهذا كان يخلق نوعاً من الازمة لدى فريق العمل وفي بعض الاحيان كان فريق العمل يرفض اكمال التصوير لأنهم لا يحتملون اللحظة المؤلمة التي ينقضون عليها وكان صراعاً بين المحنية والانسانية. وعن عدم اقحام التقنيات السينمائية في كثير من المشاهد اشار «كعدو» بأنه اصطدم بين خيار المحافظة على الشهادة كونها شهادة انسانية او محاولة ادخال القدرة التقنية للاستفادة من الشهادة وفي كثير من الاحيان كان القرار على طاولة المونتاج التنازل عن الشكل الفني لمصلحة البعد الانساني. وعن خلاصة تجربته في «تقاسيم من بغداد» قال «كعدو»: «بالنسبة لي فقد اخترقت الحصار الاعلامي واتمنى على كل انسان ان يخترق هذا الحصار الوقح كل في اختصاصه وهذه مسئوليتنا كشعوب وافراد ولا يتوجب انتظار تحرك سلطاتنا او الدول الغربية والامم المتحدة.