صنعاء ـ «البيان»: تواجه الباحث اليمني عدة صعوبات تحول بينه وبين انجاز ابحاثه ودراساته العلمية خاصة بعد تصريحات صدرت مؤخرا من قبل المسئولين في الحكومة تشير الى ضرورة رفع نسبة الانفاق على البحث العلمي الى واحد بالمئة من الميزانية. والى ان تتبلور الاجراءات بشكل نهائي يؤدي الى ازالة كافة العقبات والحد من الصعوبات نحاول هنا الغوص لمعرفة كافة المسببات التي تواجه الباحثين . وفي هذا السياق يوضح الدكتور عبدالقادر علي عبده باحث في الاقتصاد بالدائرة الاقتصادية في المركز اليمني للبحوث والدراسات ان مسألة البحث العلمي مسألة اساسية وجوهرية في حياة مجتمعات اليوم ومن متلازمات التحولات التي تعرفها هذه المجتمعات لانه الوسيلة الناجعة لرسم اهدافها وتطلعاتها ومن ثم البحث عن الطرق والتدابير الواجب اتخاذها للوصول الى تحقيق هذه الاهداف والتطلعات وفق منظور مدرك ومستوعب لحدود النجاح المنشود على مختلف المستويات التطبيقية والنظرية مضيفا ان الامم التي استوعبت هذا البعد للبحث العلمي صارت اكثر رقيا وتقدما من مثيلاتها التي لم تكن تطلعاتها وفق هذا المنظور العلمي. وعن حدود الادراك لاهمية البحث العلمي في اليمن يقول الدكتور عبد القادر علي عبده للاسف الشديد بالنسبة لحالتنا هناك نظرة قاصرة من قبل المعنيين لاهمية البحث العلمي وهو ما انعكس على تهميش البحث العلمي موضحا ان النظرة القاصرة هذه تتجلى في الادعاء بالحاجة الى البحث العلمي كمجاراة لما هو حاصل في جميع البلدان لكن في واقع الحال الخطاب السائد في البلاد وعن النهوض بالبحث العلمي والاهتمام به ليس سوى عمل للتباهي والتفاخر أمام الآخرين وهذا في اعتقادي من أهم معوقات البحث العلمي في اليمن ولو كان الامر قد اقتصر على موقف واضح من هذه المسألة لكان الامر مفهوما ومعقولا لكن هناك ضجيج مفتعل يؤكد على ضرورة وجود البحث العلمي ونشأ من اجله المراكز والهيئات المتخصصة فيما تفتقر لابسط الامكانات الضرورية للقيام بذلك. ويضرب الباحث الاقتصادي علي عبده مثلا على ذلك في الاشارة الى مركز الدراسات والبحوث اليمني موضحا ان هذا المركز بكبره واتساع مبانيه ينفق ما يزيد عن سبعين مليون ريال كأجور للمواطنين والعاملين ولا يخصص للبحث العلمي سوى ثلاثة ملايين ريال لم يتم اعتمادها الا في السنوات الاخيرة وهذا الوضع ينسحب على جميع الهيئات المماثلة وزيادة على ذلك نحن في هذا المركز لا ندري لمن نتبع اداريا فالمركز من الناحية القانونية يتبع جامعة صنعاء وينطبق على العاملين فيه ما ينطبق على جامعة صنعاء لكن الحاصل ان الوضع الحالي للمركز هو جعله هيئة مستقلة لا يستفيد من المزايا التي تسري على المدرسين والعاملين في جامعة صنعاء. تهميش المراكز وحول ما اذا كان تهميش مثل هذه المراكز يعود الى طبيعة الظروف ومفهوم البحث العلمي في الذهنية اليمنية الى العلوم التطبيقية بينما يجري اغفال البحث في الميادين النظرية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يقول الباحث عبد القادر علي عبده: مراكز البحث في ميدان العلوم التطبيقية تعاني من المشاكل ذاتها ولو اخذنا المعامل مثلا في جامعة صنعاء في الكليات التطبيقية والعلمية سنجد انها ليست بأحسن حال من مراكز البحث النظري بل ان هناك من يؤكد على ان المعدات الخاصة بمراكز البحث في العلوم التطبيقية تفتقد للتجديد وكلها متهالكة ولم تعد تستجيب لحاجات اليوم علاوة على ذلك فهي تفتقر للحوافز والتشجيعات للعمل وتعاني من شحة المخصصات المالية اللازمة مشيرا الى ان القضية هي قضية مرتبطة بالعقلية التي تنظر للبحث العلمي لدى المسئولين وهي لا تخرج عن التصور القاصر لدور هذا العمل في حياة المجتمعات وفي اعتقادي ان هناك ايضا موقفا سياسيا من حياة المجتمع وتفاعلاته وتصوراته. وعن اشتراطات الخروج من هذا المأزق الذي يكتنف البحث العلمي في اليمن يرى الدكتور عبدالقادر ان تكون نقطة البداية في تحديد هيئة يناط بها الاشراف على البحث العلمي على اختلاف مجالاته ويعهد في تولي مسئوليتها لكفاءات مقتدرة تدرك اولا اهمية البحث العلمي وضرورته لمختلف مناحي الحياة حتى على صعيد استحداث موقع عسكري اذا لم تكن وفق منظور علمي ودراسات مسبقة لن يكون له اي فاعلية او مردود وقس على ذلك في مختلف المجالات اذا لم يراع فيها الدراسة العلمية لن يكون منها اي فائدة مرجوة وثانيا خلق آليات لتمويل هذا النشاط لان ايجاد مثل هذه الهيئة المعنية بالاشراف على البحث العلمي لا يمكن ان يحقق تماسا اذا لم تتوفر لها الوسائل اللازمة لممارسة هذا النشاط لان حالة الجمود التي تهيمن على البحث العلمي في اليمن تعزى الى شحة التمويلات للمؤسسات المشتغلة في هذا الميدان. واخيرا وهو الاهم ينبغي تغيير النظره القاصرة لدى المسئولين لمسألة البحث العلمي لانه دون ادراك ضرورته واهميته لا يمكن تجاوز الحالة الراهنة والجمود والشلل الذي يتسم به البحث العلمي في اليمن. مصطلح أخاذ ويرى الدكتور احمد علي المأخذي الباحث في الدراسات الاسلامية والقانونية ان مصطلح البحث العلمي اخاذ وعند سماعه ملفوظا من وقت الى آخر وخاصة في المناسبات الخطابية العربية الطنانة يخالجنا الاندهاش وتغمر افئدتنا الفرحة الممزوجة بشيء من الفزع الذي يحدثه العلم بعد ان يشبعه الباحثون تحليلا واستنباطا الى ان يصير جهداً احاديا ملموسا ومن منا لم يسمع بما احدثه البحث العلمي من وسائل الدمار الشامل كالقنابل الهيدروجينية والنابالم والانشطارية والفراغية والذرية وغيرها من الوسائل التي كان البحث العلمي هو السبب في ايجادها ثم توجيهها مشيرة الى ان الذين تسببوا في اكتشاف الذرة وما اسموه بالديناميت قد وجدوا ان ضمائرهم محاصرة بالحزن والخيبة لانهم بدلا من ان يوجهوا جهودهم البحثية وعلومهم المكتسبة لايجاد ظروف حقيقية تخفف عن انسان العصر هجمات الاوبئة والامراض الفتاكة التي تقتل الملايين من البشر في كل مكان وزمان، فقد اتجهوا نحو تدمير حياة الانسان ولذلك وتكفيرا عن الخطأ الذي اقدموا عليه بما وجدوه من الاختراعات القاتلة راحوا يرصدون الجوائز القيمة والمهمة المخصصة بعدد من الفروع في مجالات البحث العلمي. المعوقات وعن معوقات البحث العلمي في اليمن يقول الدكتور المأخذي لا نريد ان نظلم احدا من الناس او نجامل احداً من الناس لاي سبب من الاسباب وكل ما اريد قوله ان الواقع البحثي مترد في الوطن العربي وفي الوقت الذي نلاحظ ان العالم من حولنا لم يتوقف ولم يعترف بالفشل فهناك شعوب ولدت من العدم وواصلت مسيرتها بهدوء وثقة في النفس واعطت البحث العلمي حقه من الرعاية والاهتمام ووفرت له الامكانات المادية والمعنوية ولم تبخل على البحث العلمي ووفرت له كل الوسائل والمستلزمات الضرورية ولم تكتف تلك الشعوب والحكومات بتقديم لوازم البحث العلمي فحسب ولكنها اولا وقبل كل شيء عملت على ان لا يكون مشروعها او مشاريعها البحثية قائمة على فتح ابواب المعاهد وتسليم مقاليد ادارتها الى النصابين والفاشلين والمغامرين وعلى من يقدرون على مسح الاجواخ والضحك على الآخرين والادعاء بالعالمية والتحديث والتقدم والحنو على الامة وعلى الاوطان. ويستطرد الدكتور المأخذي حديثه بالقول ان ما يميز البحث العلمي في اليمن بشكل خاص هو ان جميع مراكز البحث لا تخضع للمواصفات العلمية عند تصنيف من هو الاجدر بقيادة وادارة هذه المؤسسات البحثية المهمة، فقد تبني الدولة معهدا لهذا الخصوص لكنه لا يسلم الى ايادي العلماء او المختصين واصحاب المؤهلات العلمية وانما يعطي للاكثر ثقة بالاجهزة الامنية او الموالين الذين يستطيعون ان يقدموا شهادتهم الى اصحاب القرار بصلاحية «زيد او عمر» للعمل في هذا المرفق العلمي او ذاك حتى ولو لم تكن لديه اي فكرة عنه او عن المهام المنوطة به المهم ان يكون تابعا ومواليا واعظم صورة لهذه الوضعية ان نجد مراكز البحوث قد تسلمها من لا يعرف ابجديات البحث العلمي لانه قضى سني دراسته في بعض فروع الادب او بعض الاجناس الادبية ولذلك فان من اكبر المعوقات للبحث العلمي الجامعي وغيره هو عدم وجود المختصين الذين يقدرون العلم ويقدرون جهود الباحث الناشط في مجالات تخصصه. توفر الشروط ويعتقد سمير العبدلي باحث في العلوم السياسية بمركز الدراسات والبحوث اليمني ان شروط البحث العلمي في اليمن غير متوفرة لعدة اسباب منها ان الجانب الرسمي غير مؤمن بقضية البحث العلمي موضحا انه عندما يتطلع المرء على ميزانية اي دولة في العالم يجد فيها نسبة محددة من الدخل القومي مخصصة لقضية تطوير البحث العلمي في مجالاته المختلفة وفي حالة اليمن مثل هذا الامر غير وارد وعلى سيبيل المثال مركز الدراسات والبحوث اليمني الذي نعمل فيه الدولة لم تخصص له ميزانية للبحث العلمي رغم انه يتبع الدولة ويعتبر مركزاً استراتيجياً الا السلطة او الجهات المسئولة لا تحاول ان تجعل منه مركزا علميا بالمعنى الصحيح علاوة على ذلك هناك تنوع في المراكز في اليمن لكنها جميعها مجرد اسماء والمركز الوطني للوثائق يوجد داخل رئاسة الجمهورية وبالتالي يصعب على الباحث عن المعلومات ان يدخل الى مبنى رئاسة الجمهورية والمفروض ان يكون مكانه قريباً من الباحثين ومتاح لهم. المركز الاخير مركز علوم الذرة هو ايضا داخل رئاسة الجمهورية والحقيقة ان كل هذه المراكز عبارة عن مراكز ظاهرية لعقد ندوات لاستعراض ندوات وصرف ميزانيات دون اي مردود علمي، فهل هناك فعلا قضية بحث علمي وانجاز دراسات وابحاث من اجل صالح البلد للاسف ليس هناك اهتمام من قبل الجهات المسئولة وليس هناك تمويل للابحاث والدراسات وتحديد الامكانات بشكل واضح وليس على شكل مؤتمرات وندوات خذ مثلا رئيس الجمهورية يصدر قرارا بان تؤول ممتلكات اللجنة اليمنية العليا للحدود لمركز يتعلق بقضايا الحدود وعندما تعقد ندوة حول منازعات الحدود بالطرق السلمية يتولى ادارتها وزير دولة وهو مطهر السعيدي في حين الدكتور عبدالكريم الارياني هو رئيس للجنة الحدود والمركز يتبعه وهو المعني بقضايا نزاع الحدود وهذا يعكس مدى التداخل الذي يهدف بالاساس الى استعراض مواقف وليس لبحث علمي جاد. نقص المراجع ومن الاسباب المعيقة للبحث العلمي في اليمن ايضا غياب المعلومات وعندما يبحث الباحث عن معلومات او قاعدة بيانات لا يجدها يعني اننا مازلنا نفتقر في اليمن الى وجود مراجع للبحث العلمي اما فعلا بعض المراجع واما لعدم استيعاب القائمين لما هو مطلوب لكل مراكز ورغم انه يوجد لدينا تنوع مركز بحوث في مجال التربية، الزراعة، الاقتصاد، السياسة الا انه لا يوجد مراكز استراتيجية تساعد صانع القرار السياسي على اتخاذ القرار ففي كل دول العالم هناك مراكز خاصة بصناعة القرار تعد المعلومات وتحدد المنطلقات والخيارات في كافة القضايا سياسية اقتصادية اجتماعية .. الخ وفي كافة المجالات التي تطرح على صانع القرار مجموعة من البدائل الا ان مثل ذلك غير متوفر في اليمن، ويفترض في مركز البحوث والدراسات اليمني ان يكون احد اعلام المراكز اليمنية الخاصة بتهيئة المناخ العلمي والمناخ المعلوماتي لصانع القرار سواء كان صانع القرار هذا رئيس الجمهورية او مجلس الوزراء وغيره لكن رغم وجود مراكز عديدة لدينا الا ان جهودها مشتتة فنجد كل واحد رابط نفسه بشبكة او بمجموعة والنتيجة في الاخير عدم وجود محصلة علمية والاخطر من ذلك عدم وجود ميزانية للبحث العلمي وبالتالي نحن نفتقد للشروط الموضوعية لقيام بحث علمي صحيح الهدف منه دراسة الواقع اليمني والتاريخ اليمني والتخطيط للمستقبل وايضا ليس هناك رؤية استراتيجية في نظر كل مسئول اول في كل وزارة ذات ابعاد علمية تتركز على اهمية البحث فمثلا انا شغلت منصب رئيس دائرة الدراسات والبحوث في اللجنة العليا للحدود في المكتب الفني الا اني لم المس النظرة الجادة لقضية البحث العلمي وانما نستعرض ونلوك المصطلحات العلمية في خطاباتنا لكن في الواقع لا نقترب منها. المكتبات وعن تقييمه لوضعية المكتبات المتاحة للباحثين ومقتنياتها من الكتب والمراجع سواء في الجامعات او المراكز المتخصصة يرى العبدلي ان المكتبات هذه في اليمن ضعيفة وانه من واقع تجربته يرى انه ليس هناك توجه لشراء الكتاب النوعي وانما التركيز من قبل القائمين على شراء مثل هذه الكتب يكون على الشراء الكمي من اجل اغراض شخصية ولذلك المكتبات اليمنية تفتقر الى الكتاب النوعي والى احدث الاصدارات والمراجع الموجودة في العالم العربي وهذا الامر يخلق صعوبات للباحث الذي يحاول متابعة التطورات العالمية خاصة ان هناك ضعفا في الامكانات المادية لدى الباحث فلا يستطيع ان يتابع آخر الاصدارات وحتى من خلال شبكة الانترنت فهو لا يقدر حتى على شراء جهاز كمبيوتر ولذلك الباحث اليمني في ظل هذه الاوضاع يبقى كمن ينحت في صخر. وحول ما صرح به مؤخرا رئيس الحكومة عبدالكريم الارياني ان اليمن ستعمل على رفع ميزانية البحث العلمي الى ما يعادل 1% من الدخل القومي قال العبدلي انا اتمنى ذلك لكن اعتقد انه لو كان هناك جدية فعلا لطرح ذلك ضمن الموازنة العامة للعام 2001 لكن مثل ذلك لم يحصل رغم ان مثل هذا القول طرح في العام 2000م ونحن الآن في العام 2001م والدكتور الارياني هو رئيس الوزراء وليس خارج الوزارة فنحن نلوك الالفاظ دون ان نطبقها في الواقع. وعن الخطوات الواجب اتخاذها لتطوير البحث العلمي يقول العبدلي على الدولة ممثلة بالسلطة التنفيذية ان تضع استراتيجية مستقبلية للبحث العلمي وان تخصص الميزانيات والاعتمادات المالية الضرورية وتوجهها بشكل حاد وفاعل ي اطار تفعيل جانب البحث العلمي اما اذا ظللنا نطرح الفاظا ونظل ندور حولها لن نصل الى شيء وينبغي ادراك ان البحث العلمي ليس مرتبط بمجال معين بل هو مرتبط بجميع المجالات ولابد ان تكون هناك دراسات متنوعة تخدم في الاخير الوطني والمواطن تهيئ فرص وسبل النجاح في المستقبل وفي رأيي الشخصي لابد ان يصب التركيز على مركز استراتيجي علمي اكاديمي وليس مركزاً للمجاملة يتم رصد ميزانية له واختيار مجموعة من الباحثين الاكفاء ينجزون دراسات ميدانية تطبيقية ونظرية تساعد على صنع القرار ضمن بدائل مدروسة.