بيروت ـ وليد زهر الدين: تقوم سفينة الانقاذ السويدية «لوسكوربيو» منذ الخامس من ديسمبر الماضي بعمليات بحث مقابل الشاطيء على بعد ثمانية اميال من منطقة رأس بيروت عن 15 صندوقا من الذهب غرقت في البحر في الثالث من اكتوبر عام 1957، عندما تحطمت طائرة من طراز «كورتيس سي 46» تابعة لشركة الخطوط العالمية اللبنانية، بعد اقلاعها من مطار بيروت متجهة الى الكويت، وقد لقي 27 راكبا كانوا على متن الطائرة حتفهم. يقول قائد السفينة بيتر فولدن ان المهمة ليست سهلة: خاصة واننا نبحث عن ذهب مفقود منذ 43 سنة تقريبا، اضافة الى صعوبة العمل في منطقة بحرية عميقة ومليئة بالتعرجات والشعاب المرجانية وما شابه. ويخفف فولدن من احتمالات نجاح المهمة الموكلة من قبل الحكومة اللبنانية، يقول: بين كل خمسة مشاريع مماثلة لمهمتنا هناك 20 بالمئة فقط للنجاح، لكن يجب ان نتفاءل باستمرار بما نقوم به خاصة واننا نستخدم تقنيات متطورة على عمق خمسة الاف متر، ومنها غواصة صغيرة تبحث عما نريد الاستطلاع عنه. لكن المسئولين اللبنانيين يبدون تفاؤلا خاصة لجهة معرفة السر الكامن وراء تحطم الطائرة بعد دقائق من اقلاعها. هكذا تحطمت ماذا حصل؟ يتذكر الطيار المتقاعد عبد المنعم حطيط وهو كان «كابتن» في الشركة نفسها المشار اليها فيقول: انطلقت الطائرة التي تحطمت من مطار بيروت الدولي باتجاه الكويت عند الواحدة فجرا من يوم الخميس في 3 اكتوبر عام 1957، وكان على متنها 27 شخصا، بينهم مساعد قائدها شكر الله ابو سمرا، والمسئول عن الاتصال جان ديركيان ووفقا لخطة الطيران التي كانت موضوعة في تلك الفترة كان يفترض ان تطير على ارتفاع عشرة الاف قدم باتجاه منارة صيدا اللاسلكية. وبعد دقائق قليلة عن ابتعادها عن المنارة اعلم قائدها الألماني كوهلمايز قيادة برج المراقبة انه على ارتفاع 10500 قدم، وان حريقا قد نشب فيها، لكن من دون ان يتمكن من تحديد مكانه في اللحظة نفسها، لكنه طلب من سلطات المطار اتخاذ تدابير فورية لهبوط اضطراري للطائرة ثم افاد بعد دقائق انه على ارتفاع ستة الاف قدم، وانه متجه للهبوط من دون ان يبلغ ان ذلك يبدو مستحيل النجاح، وبعد فترة قصيرة، ابلغ برج المراقبة انه اصبح على ارتفاع 1500 قدم، وان الطائرة بدأت تهوي مرددا عبارة «هذه ليست غلطتي تصبحين على خير يابيروت». يتابع حطيط متذكرا: تحطمت الطائرة في عرض البحر، وطفت جثث 17 راكبا منها تم انتشالها والتعرف من بينها الى جثة شكر الله ابي سمرا، بسبب وجود علامة مميزة في يده، وهو الذي كان مصرا على القيام بالرحلة بدلا من زميل له، بهدف حصوله بعد ذلك على اجازة عمل يقضي فيها «شهر العسل» مع عروسه، حيث كان يفترض اقترانهما بعد يومين من الحادثة. معلومات متضاربة لا احد يتذكر عن الحادثة اكثر مما يرويه الكابتن حطيط باستثناء الشقيقة الصغرى للكابتن شكر الله، وتدعى ليلى وهي زوجة المهندس عازار نوار، ولا تتمكن من حبس دموعها وهي تتذكر شقيقها الراحل، خاصة وهو الوحيد بين اربع فتيات. وقد قضي في حينه قبل زواجه بيومين، كما تقول: ومن دون ان يكون قد بلغ الثالثة والعشرين من عمره. وتزداد دموع الشقيقة وهي تذكر: قبل ان يقود الطائرة في رحلته الاخيرة، اجتمعنا داخل العائلة للبحث في تفاصيل الزفاف والترتيبات لكن شكر الله لم يكن مرحا في اللقاء، وهذا ليس من عاداته وطباعه، وعندما سألته عن السبب اجاب: لاشيء لكن برج المراقبة والطائرة ولعل الاغرب من كل ذلك ان شريط التسجيل قد فقد لاحقا من برج المراقبة، لماذا؟ لا نعرف السبب ولم نعرفه حتى الآن بعد مرور حوالي 43 عاما على الحادثة. الذاكرة السوداء وآنذاك تناقلت وسائل الاعلام في بيروت نبأ الفاجعة بمزيد من التفاصيل، ونشرت اسماء الضحايا ومنهم: قائد الطائرة كوهلمايز وهو الماني الجنسية، مساعده شكر الله ابي سمرا، موظف اللاسلكي جان ديركيان ، اللبناني، بعد ان طفت جثته على سطح البحر، وكان اول المتعرفين اليه قريبه حليم ابو رجيلي العامل آنذاك في برج المراقبة في المطار، والذي تعرف اليه من خلال «ندبة» في يده. وتكشف الشقيقة ان شكر الله بقي على اتصال مع ابو رجيلي، وان آخر كلماته له قوله ما معناه «ان الطائرة ملعوب بها» لن نستطيع السيطرة عليها. وتتساءل: ظل شقيقي يكرر هذه العبارة حتى فقدان الاتصال: جوابه لم يكن مقنعا ولم يكن لاهو ولا نحن، ندرك ما يخبئه المصير الاسود له في اليوم التالي. ـ نسألها: ماذا حصل عمليا في هذا اليوم، ليلة سقوط طائرته؟ ـ تجيب الشقيقة: قبل ذلك بساعات قام برحلة طيران الى العريش في مصر، ثم عاد الى المنزل واخذ قسطا من الراحة، وتوجه بعد ذلك الى المطار في الطائرة نحو الكويت لتتحطم، ويعود الينا جثة هامدة في نعش حديدي يحرسه بعض رجال الامن. افادت الصحف المحلية التي صدرت آنذاك انه بخصوص عمليات البحث فقد صادف وجود طائرة تابعة لشركة هولندية متجهة من كراتشي الى بيروت فطلب اليها برج المراقبة في مطار العاصمة اللبنانية الانخفاض لتشارك في عمليات البحث، واستجاب طاقمها فورا للمهمة، وبعد 55 دقيقة افاد قائدها ان لا اثر لاي شيء وفي غضون ذلك بدأت وحدات عسكرية محلية من الجيش والبحرية البحث ضمن دائرة شعاعها بحرا 15 ميلا من المركز اللاسلكي في منطقة المنارة برأس بيروت. وما لبث ان شارك في المهمة سلاح الطيران الجوي التابع للجيش اللبناني اضافة الى طائرتين تابعتين للسلاح الجوي الملكي البريطاني من نيقوسيا، حيث قامت الطائرات بتسليط الانوار الكاشفة، ورمي القنابل المضيئة في مكان الحادث. وبعد ساعات من البحث افاد قائد احدى الطائرتين البريطانيتين برج المراقبة في المطار عن رؤيته لجثث طافية على سطح المياه على بعد حوالي عشرة اميال داخل البحر الى الجنوب الغربي من مدينة بيروت الى الجنوب الغربي من مدينة بيروت. وعلى الاثر توجهت طائرة عسكرية لبنانية الى المكان، وطلبت ابعاد جميع الطائرات الاخرى، بحيث تمكنت لاسلكيا من توجيه القطع البحرية التابعة للجيش اللبناني ايضا لانتشال جمع الجثث، باستثناء صناديق الذهب التي يعتقد انها مازالت في اعماق البحر. المهمة الصعبة وبعد مرور اكثر من اربعة عقود على الحادثة تبدو المهمة الحالية التي تقوم بها سفينة الانقاذ السويدية «لوسكوربيو» اكثر من صعبة لكن من دون القول انها قد تكون مستحيلة، باعتبار ان الاجهزة التقنية المزودة بها متطورة جدا على صعيد البحث والغوص في اعماق البحار والمحيطات. هذا ما يؤكده قبطان السفينة بيتر فولدن الذي يوضح بدوره انها تابعة للمواطن السويدي سفيركر هالستروم الذي تمكن من اكتشاف كمية كبيرة من الذهب في المياه الاقليمية الاسبانية، وانتشال تماثيل فيتنامية اثرية من بحر الصومال، واكتشاف هدايا ثمينة كانت تنقلها باخرة «شمس الشرق» الى الملك لويس الرابع عشر من ملك سيام، والتي قدرت قيمتها مؤسسة «سوثبي» بمليار دولار امريكي، اضافة الى ما تقوم به احدى سفن المواطن السويدي حاليا لجهة البحث عن اسطول غرق في بحر الشمال، وهو يحمل مدافع برونزية، في القرن السابع عشر. وتعزز مثل تلك الوقائع الآمال بان تتمكن الباخرة السويدية من العثور على كنز الذهب في بحر بيروت وانتشاله وان حصة شركتها ثلثي قيمته .. فقط لا غير.