اسعد كثيرا عندما اسمع الشباب يتحدثون عن «الانترنت» الذي لا اعرف الا اسمه ولم اقترب حتى الآن من عالمه الذي يقول عنه الشباب انه ساحر هذا الزمان. هكذا بدأ سعيد صقر علي الحفيتي لقاءنا معه، قبل ان يكون على استحياء: اننا نحن اهل الجيل القديم ممن جاوزوا مثلى الستين ننظر بدهشة كبيرة الى هذه الاشياء الحديثة التي لو طرأت على ذهن احد من ابائنا واجدادنا لاستعاذ من الشيطان عشرات المرات، لكن العلم وصل بالانسان الى اختراعات تذهل العقول على الاقل عقول امثالنا من الشياب لكنها تستهوى ابناءنا من الشباب الذين لايتوقفون عن الحديث حول كل جديد في هذا الزمان. ويضيف: انني اسعد كثيرا بهذه الاحاديث وادرك مدى النعمة الواسعة التي انعم الله بها على بلادنا عندما وهبها الخير العميم والقيادة الحكيمة ليعيش شعبنا في ظلهما في رفاهية وسعادة، لكني في الوقت نفسه وحسب ما اسمعه من شباب البلاد عن هذا الساحر العجيب «الانترنت» ارى ان الواجب علينا نحن الآباء ان نحذر الابناء من مخاطر هذا الاختراع، وان ندعوهم الى الاستفادة منه في زيادة علومهم ومعارفهم والابتعاد تماما عما فيه من اشياء لاتناسب مجتمعنا ولا عاداتنا او تقاليدنا، واقول لهؤلاء الشباب باختصار: استفيدوا من «الانترنت» وابتعدوا عن اضراره ومخاطره لان البلاد محتاجة لجهودكم وخبراتكم فلا تضيعوا اوقاتكم الا فيما يفيدكم. ويشير الحفيتي الى اشجار مزرعته المزهرة والمثمرة ثم يقول: هذه الخضرة وهذا الجمال هما كل عالمي وايضا كل حياتي، ولو اني انصرفت عن هذه المزرعة وبددت جهودي في اشياء غير نافعة لما كانت هذه الاشجار المورقة والمزهرة والمثمرة، لقد اعطيت المزرعة جهدي فاسعدتني بعطائها ثمارا اجنيها في فرحة وانتاجا اتلقى مردوده المادي وانا راض ومرتاح ولساني يردد الشكر لله واهب النعمة. البذور والثمار ويواصل قائلا: ان الحياة مثل الاشجار لها بذور وثمار، فاذا كانت البذرة جيدة فان الثمار ستكون كذلك، واذا كانت الجهود طيبة فان ما يجنيه المرء سيكون ايضا كذلك، واتمنى ان يدرك شبابنا ان العمل الجاد هو الطريق للشعور بالراحة والامان في كل سنوات العمر، اقول ذلك عن تجربة لاني لو اهملت هذه المزرعة لما كانت بهذا الشكل وهذا العطاء، ان كل شجرة فيها قد ارتوت من عرقي ونمت بجهودي المتواصلة وها أنذا انعم في ظلها واهنأ بنتاجها وانعم بعائدها انا واسرتي. ويصحبنا سعيد صقر الحفيتي في رحلة الايام والاعوام، فيقول: عند الحصن في الحارة القديمة ولدت حيث عاش الاهل هناك سنوات قبل ان ننتقل غربا لنكون بقرب مزارعنا وحلالنا وبعد سنوات اخرى انتقلنا الى الشرق حيث المساكن الشعبية التي اقامتها الدولة عقب قيام الاتحاد، وها نحن الآن نعد انفسنا للانتقال الى الغرب ثانية الى مساكن جديدة بناها لنا الوالد صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حفظه الله ورعاه. ويتذكر ضيفنا احوال السكنى في الماضى فيقول: زمان وفي ايام النشأة الاولى عشنا جميعا في الخيام كمساكن تطورت فيما بعد الى كراين (بيوت العريش) ثم الى مبان صنعناها من الطين حتى جاءنا الفرج على يد حياة جديدة توفرت لنا فيها كل مظاهر الراحة والاستقرار والامان ويضيف: في ايام الصبا والشباب لم تكن هناك وظائف او شركات، وكان على من هم في سنى وقتها ان يعملوا ليوفروا للاهل احتياجاتهم في وقت كانت فيه الظروف صعبة والموارد محدودة، ولم يكن امامي كي اقوم بمسئوليتي الا المشاركة بجهدي في تحصيل الرزق لي ولاهلي ولم اجد امامي وقتها الا العمل راعيا للبوش فمارسته دون تردد، وكان لدينا وقتها ثماني مطايا بين جمال وحمير كنت اعمل على رعايتها واقوم بنقل الحطب عليها من اماكن جمعه الى الاسواق كي نبيعه ونحصل من عائدها على المال اللازم لشراء احتياجات المعيشة للاسرة. ويواصل: ولم يكن عملي قاصرا على نقل الحطب او المتاع بل انني في بعض الاحيان كنت اقوم بتأجير هذه «المطايا» لاهالي المنطقة الراغبين في الذهاب الى مناطق البلاد الاخرى مثل دبي او الذيد واحيانا لمن يرغبون في الذهاب الى الفجيرة دون معاناة السير على الاقدام في وقت لم تكن فيه طرق مرصوفة او حتى محددة المعالم او مأمونة. وقبل ان ينتقل الى حكاية اخرى يتوقف الحفيتي ليقول: ليت شبابنا يدركون ان الطرق المرصوفة قد انشئت لخير الناس وجعل حياتهم اكثر يسرا وامنا وادعوهم جميعا الى حسن استخدام هذه الطرق عند استعمال السيارات فلا يسرعون ولا يتهورون اثناء القيادة حتى لايعرضوا انفسهم او غيرهم للخسارة والضرر، وليت هؤلاء الشباب يعرفون ان ماهم فيه الآن هو نعمة كبرى لم تتوفر لمن سبقوهم، وان الشكر على النعمة يكون بالسلوك الطيب والحرص على النفس وعلى الآخرين فالسرعة على الطرق مهلكة والخسارة فيها كبيرة ولاتدل على مهارة من يقوم بها بل تعبر عن حماقة وطيش هما من مظاهر جحود النعمة. ايام الاغتراب في محطة الاغتراب التي مر بها كثيرون من اهل الزمن الماضي بحثا عن سبل الرزق واكتساب الموارد للمعيشة كانت لضيفنا وقفة طويلة يحكى عنها فيقول: في سن العشرين اتجهت الى السعودية للعمل هناك حيث استمرت هذه الرحلة لمدة 12 عاما مارست فيها اعمالا متعددة كانت معظمها في قطاع البناء، وكنت اتقاضى اجرا لايزيد عن اربعة ريالات في اليوم، ولهذا حرصت على ان اكون مدبرا في معاشي الذي ادخر منه حوالي 500 ريال كل ستة شهور حيث اعود للبلاد لزيارة اسرتي وتقديم ما جمعته لها ليعينهم على تدبير امورهم في غيابي، وفي الحقيقة كان ذلك يشعرني بالرضا عن النفس، ورغم ان ما انفقه على نفسي كان اقل بكثير مما امنحه لاسرتي الا ان شعوري باداء الواجب نحو اهلي كان يهون على ما الاقيه من عناء وغربة ولم اكن اشعر بالحرمان من اي شيء مادامت اسرتي تعيش هانئة ومستورة. وعن حياته بعد العودة من رحلة الاغتراب يقول الحفيتي: عدت للعمل مع الوالد في المزرعة حيث كنت وشقيقي نتولى كل شئونها وكنا وقتها نقيم في بيت واحد كأسرة واحدة حتى بعد زواجنا نحن الاثنين فقد كانت حياة اهل زماننا لاتعرف الانفصال عن الاسرة ولا الهروب من تحمل مسئوليات الاهل، فالجميع يعملون من اجل توفير كل مطالب افراد الاسرة مهما كان عددهم، ولهذا كانت حياتنا رغم صعوبة الظروف هادئة ومستقرة والنفوس مطمئنة وقانعة ولو باليسير. وعن نفقات زواجه يقول الحفيتي: لم أتكلف الكثير لأن حياتنا زمان كانت ترضى بالقليل، لقد كلف عرسي حوالي 600 روبية وأتذكر ان الأهل أعدوا وليمة العريس بذبح 15 شاه وتم كل ذلك في بساطة ويسر، ولم أعرف وغيري من أبناء جيلي ما يعانيه اليوم شباب البلاد من أعباء الزواج ونفقاته وما يترتب عليها من ديون قد تستمر سنوات وسنوات بسبب حب المظاهر أو مغالاة البعض في مهور بناتهم. المسالك والدروب ويعود ضيفنا للحديث عن مهنته الأولى في رعي البوش فيقول: ان أهل زمان خبراء في المسالك والدروب ويعرفون ايها أقصر بالنسبة لهم لتخفيف معاناة السير سواء فوق المطايا أو على الأقدام، وأذكر أننا كنا نسير إلى منطقة «البثنة» على طرق غير ما نعرفها الآن، إذ كان أهلنا يسيرون إلى «صفد» (غرب منطقة القرية) ومنها يقطعون الدرب عبر الجبال حتى البثنة. ويواصل: أما السير إلى دبي فكان بحاجة إلى سبعة أيام كاملة ذهابا وإيابا بينما يقطع شبابنا اليوم هذه المسافة في ساعة زمن لا أكثر. الزراعة .. متعة العمر وعن البحر القريب في منطقته يقول الحفيتي: عملت به لفترة لكني لم أصمد فيه، وفضلت العمل في المزرعة وأعطيت الزراعة كل وقتي، وحتى الآن تركت المزرعة التي ورثناها وشقيقي من الوالد، واتجهت إلى انشاء مزرعتي الخاصة التي أعمل فيها الآن، وقد استطعت والحمد لله ان أحول أرضها الجرداء خلال تسع سنوات فقط إلى بستان دائم الخضرة وفير الزهر والثمار، وقد أعتدت ان أمضي معظم أوقاتي في هذه المزرعة أعمل فيها بنفسي ويعاونني بعض العمال لكن دوري فيها هو الأهم بالنسبة لي، فالزراعة عندي هي حياتي، ورؤية الثمار الناضجة بعد الجهد والعرق هي متعتي ومبعث سعادتي وراحة بالي. ويجيب ضيفنا عن سؤالة حول ما كان عليه حال الأودية في الماضي، فيقول: ان الوديان كانت تنحدر كثيرا لكنها لم تسبب الخطر قط، لأن أهلنا القدامى كانوا يعرفون جيدا طبيعة بيئتهم لهذا كانوا يتعاملون معها بفهم ووعي فالمساكن والمزارع كانت تقام في مناطق آمنة وحين تجرى مياه الامطار والسيول في الأودية فإننا كنا دائما بعيدين عن الخطر، ويختتم الحفيتي اللقاء بقوله: أحمد الله عز وجل على نعمه الوفيرة، وأشكره على ما يسره لأهل هذه البلاد من خير على أيدي الحكام الكرام، وأشعر بأن الله قد وفقني في حياتي إذ علمت أبنائي وبناتي الذين هم أمامي دائما كأشجار هذه المزرعة دليل العطاء وحسن الجهد.