أوشكت أن أكتب عنوان هذا الحديث (الثورجي)، ولقد سمعتها فى مقتبل العمر وأحد المدرسين يتحدث عن مشاركته فى هبة 1935 التى عرفنا بعدها أن جمال عبد الناصر شارك فيها ، وكان مدرسنا يتيه بندبة فى صدغه نتيجة إصابته بطلقة رصاص أثناء مظاهرات هذه الهبة. ووصف نفسه بأنه ثورجي.. مستخدما التصريف التركى الذى ملأ القرون الماضية بكلمات مرت على بعضنا مثل «الكتبخانه» بمعنى دار الكتب و«البرنجي» بمعنى الأول و«البقشيش» بمعنى الهبة و«المدفعجى» و«البلطجى» والكلمة الأخيرة تعنى حامل البلطة وكان يقصد بها عادة شيء اخر. لكنها تحولت إلى معنى سيء بمعنى أن يكون الرجل فاسدا ويستخدم القوة للحصول على ما يريد. ولقد تقاطعنى وأنا أثرثر وتقول لى : إذا كنت أوشكت أن تكتب عنوانا لمقالك بعنوان (الثورجي)، فلماذا لم تكتبه الثورى، وتريح وتستريح. ولأننى أحترم كلمة الثورى وهو الرجل الذى حرك التاريخ إلى الأمام أكثر من غيره فى تاريخ البشرية، فإننى أخشى أن أخلط بين الكلمة الثورى والثورجى حتى لا يفهم أحد أننى أسخر من الثورى وربما كنت أسخر من الثورجى أو من تسميته هناك مشاكسا وأنا نفسى مشاكس وأحترم كل من شاكس وبالذات فى الحق. وعندما اتحدث عن المشاكس يقفز إلى ذهنى عدد منهم. وكان اولهم من أغزر الشعراء شعرا، فله عدد من الدواوين، وما كتبه أضعاف ما كتبه المتنبى وأبو تمام. ولديه الشجاعة أن يصنف دواينه تحت عناوين صغيرة. فهناك ديوان الحب وديوان المساء وديوان الكرامة وديوان السعادة الخ. ولو أنك قرأت له ولا أعرف أحدا قرأ له ستجد أن شعره ينطبق عليه المثل القديم الذى يقول (مثل الخروب قنطار خشب ودرهم حلاوة)! وأقول ألا أحد قرأ شعر الشاعر المشاكس لأنه لا يعطيك الفرصة لتفعل هذا، فهو يقتحم أى تجمع ليقرأ شعره. ولقد عانيت أنا نفسى منه مرات، فهو يعرف متي التقى بأصدقائى رغم أننى أعرف ذلك بالكاد ويقتحم علينا المكان ثم يقرأ علينا شعره دون دعوة. ودائما كنا نقابله بإمتعاض مؤدب، ولكن فى إحدى المرات كانت أستاذة المانية حاضرة بالصدفة فأعجبها جدا ودهشت عندما قلنا لها فى النهاية أنه شاعر، إذا ظنت أنه مهرج! ولأنه شاعر ثورى فهو يبدأ بالاعتراض وينتهى بالاعتراض. ولأنه يعترض فأنت تعرف أنه ثورى ذات مرة حضر جمعا من الأدباء، وهو فارس هذه التجمعات، واقترح أحدهم مشروعا لصالح الكتاب، فوقف صاحبنا الشاعر وقال أنه يعترض على هذا المشروع. لم يكن يعترض كما نعترض نحن عادة، بل كان يهتز من شعره إلى ذقنه الذى يرفض تنظيفه لأنه ثورى. وتجرأ أحدهم وسأله : ولماذا تعترض على هذا المشروع الطيب ؟ ـ ولم يجد صاحبنا شيئا يرد به عليه. فصاح : أنا أعترض لأننى يجب أن أعترض! وذات مرة أبديت ضيقى بالشاعر الثورجى، ولكن صديقا لي انبنى على هذا، وقال لي: تصور الحياة دون الشاعر المشاكس ؟ ستكون حياة فاترة أنه خليق فى الاستياء اللامعنى. أنه يخلق الاعتراض بلا منطق أنه فعلا ثورجي! والثاني: الذى يخطر على بالى عندما أتذكر كلمة مشاكس أو ثورجى هو فنان توقفت موهبته عند أول عمل له منذ ثلاثين عاما، وظل يكرره حتى مله الناس. وتكون كارثة لو أنك قابلت وألقيت عليه التحية فهو لا يرد التحية بمثلها ولا بأحسن منها، بل يرد بتحليل سياسى ما أنزل به من سلطان. فالولايات المتحدة متآمرة مع الصين فى حادث الطائرة وذلك تمهيدا لضرب الحى الذى يعيش فيه الفنان الثورجى. لماذا قد تسأل هذا السؤال فأنت مثلى إنسان ساذج. سيصرخ فيك، وهو دائما يصرخ، بأن الحى الذى يعيش فيه هو وحده الذى تعيش فيه الطليعة الثورية فى العالم العربي. ولو أنك مثلى ساذج ستسأله كما سألته مثل من ؟ سيقول بصوت عال وهو بعض على أصابعه : خد عندك. أنا مثلا لكنه لن يقول اسما آخر فهو لا يعترف بثوري غيره. والفنان الثورجى أضحوكة الدنيا لكنه أكثر الناس حماسا لكل شئ وهو أيضا معلم كبير فلو قلت مثلا عن شخص : إنه رجل وطنى ! لقاطعك بحده : هناك فرق بين وطنى وقوى. وشرح لك الفرق بين هذا وذاك بأسلوب المعلم. ثم صاح فيك : وعلى فكرة هو خائن خائن خائن، هو عميل للولايات المتحدة وبلجيكا ولدي الدليل على ذلك، ولكنني أكتم ما أعرفه حماية للحركة الثورية. والفنان الثورى هو كذلك فى لقاءات الأصحاب والاجتماعات. أما إذا كان هناك أحد رجال الصلة موجودا فأنت أسعد الناس لأنك ستراه فى أمتع لحظاته فالثورة ستنقلب تماما إلى نفاق رخيص لكنه مزين بكلماته مثل : لست أنا الذى أصادف إنما أنت أفضل أهل الأرض. الجميع يعرفوننى مقاتلا ولكن ماذا أقول فى رجل يضرب أعظم الأمثال. والثالث كان كاتبا من السمع والبصر، لكن الثورة شغلته عن كل شئ أنه يقاتل كما قاتل جدنا (دون كيخوت) طواحين الهواء. يقول الاستاذ : بالطبع نحن نعيش فى عالم فاسد. كل الرجال خونة، وكل النساء فاسدات وكل سلطة متأمرة، وكل محكوم باع نفسه. وكل كاتب يعمل لمصلحة طبقة. وكل قارئ يسعى للمتعة لا للنفع. وترى الكون أسود واستاذنا يزيده سوادا كل لحظة. وانصرف عن الكتابة حتى يتفرغ لمهمته الكبرى ونعرف الناس عنه لأنهم عانوا الاكتئاب. ولقد تنبهت إلى ملاحظة هامة وأنا أكتب هذا الحديث، وهى أننى أوجزت فى الحديث عن هؤلاء الأشخاص وربما كان من الأمتع أن أتحدث عنهم واحدا واحدا وأن أحكى حكايتهم الطريفة ولعل ذلك يحدث ذات يوم. أما الآن فأنا لا أستطيع أن أنهي حديثي دون أن أتحدث عن أحد الثوريين الكبار. كان يقابلنا فى القاهرة والشوارع فينحنى على أذاننا ويهمس : أحذر فلانا فإنه جاسوس وفى البداية كنا نصدقه ونستريبه فى فلان. ثم أخذنا نسأله عن براهينه. فكان يقول ساخرا : هل رأيت نظارته الطبية أهى نظارة مثل بقية النظارات ؟ وكنا فعلا نراها غريبة. لكن بعضنا كان يشك فى أن هذا يصح برهانا على جاسوسية فلان فإذا ما عدنا نسأله عن براهين. ضحك وقال إسألوا زوجته ؟ ولماذا نسأل زوجته ؟ ويجيب بعد تمنع : فى ليلة الزفاف اكتشف فلان أن عروسه كادر فى المخابرات المركزية. ولم يكن أمامه ليظل ثوريا سوى أن يطلقها. لكن المأذون الشرعي الذي كان أيضا عميلا للمخابرات المركزية كان قد كتب مبلغا فلكيا كمؤخر صداق. واضطر فلان أن ينضم إلى المخابرات المركزية لكنه فى مكانة أقل من زوجته بدرجتين ! ويشير بأصابعه ليؤكد ما قاله. الطريف أن صاحبنا هذا انتهى بإتهامه بالجاسوسية!