توقفت أشغال الترميم في أحد الفنادق القديمة بشارع العربي بن المهيدي وسط العاصمة الجزائرية منذ أكثر من سبع سنوات، ولم تستأنف بعد. الأمر لا يتعلق بنقص الاعتمادات المالية ، ولا بغموض في ملكية العقار ولا بأية عوامل أخرى كانت في العادة أسبابا لتأخر انجاز مشاريع البناء والترميم. الذي جعل الأشغال تتعطل هو مطاردة الأشباح للعمال المكلفين بالعملية. فقد روى بعض العمال أنهم تعرضوا لمضايقات مستمرة من ظواهر غريبة حين كانوا يؤدون عملهم، وأكدوا أن الظواهر الغريبة التي أوقفتهم عن شغلهم شملت كل حواسهم، فهم رأوا أجساما وسمعوا أصواتا وشموا روائح. وقال احد العمال وأسمه علي إنه وهو فوق السلم يغلق ثقوبا في أحد الجدران انطفأت الأضواء للحظات قبل ان يرى ضوء أخضر مارا أمام عينيه يجر صوتا يشبه خرير الماء. ثم اشتعلت الأضواء من جديد وكأن شيئا لم يكن. وفي اليوم الموالي سمع نباح كلب داخل المبنى حين أقبل على فتح الباب من الخارج لكن لما دخل لم يجد شيئا. وكثير ما سمع حنفيات الحمام والمطبخ مفتوحة تسيل بالماء دون أن يكون معه أحد في العمارة. وفي يوم من الأيام كان علي في الطابق الثالث وسمع ضجيجا وصخبا في الطوابق السفلى وصوت زجاج النوافذ وهو ينكسر ويقع على الأرض. ظن الرجل أن زملاءه الذين اشتغلوا في الصباح تركوا النوافذ مفتوحة فتلاطمت بفعل الرياح، لكن لما نزل وجد كل شيء على ما يرام. فأصيب بحمى لازمته أياما عديدة وكاد أن يفقد وعيه من هول ما عاش. ولما روى قصته، صدقه الكثيرون لأن الحديث جرى عن ذلك المبنى بأنه «مسكون» من الأشباح والعفاريت، لكن البعض رأى في الرواية مجرد تداعيات لأزمة نفسية يعيشها علي. وبعد هذا الذي حدث لهذا المرمم بعام أو أكثر جندت ولاية الجزائر عددا من العمال والمهندسين والاختصاصيين في فنون الزينة الداخلية للعمارات، وجلبت المطلوب من السلع الكافية لترميم و تجديد الفندق، لكن بعد يومين من الأشغال هرب جميع المكلفين بالإنجاز، بعدما نزل عليهم الخوف من أن يكونوا عرضة لمكروه من سكان مخفيين «يمتلكون المكان منذ عقود طويلة»ـ كما قال أحدهم ـ وجاء في رواياتهم أن المبنى يحتوي بداخله مئات من الأشخاص لا تراهم ولكن تسمع أصواتهم، وتخال نفسك وأنت داخل العمارة بأنك في سوق تختلط فيه مئات الأصوات، ولا تستطيع أن تفهم منها شيئا. وتهافتت الصحافة على الموضوع كونه جديد وكون معظم الناس لاسيما المتعلمون منهم لا يعتقدون بهذه الأمور ونشرت وقتها عشرات الموضوعات حول ما كان يوصف باللغز حتى أن البعض ممن يرفضون الاعتقاد بوجود أشباح أو جن على الأرض راحوا يفترضون الوقائع ويضعون سيناريوهات للذي جرى كونه من الإنس. لكن الذين عملوا بالمكان يقولون شيئا آخر وبعضهم لا يستطيع التعبير عما رأى وما سمع سوى أن العمارة «مسكونة» وهي العبارة الشائعة. وعلى مقربة من المبنى «المسكون» هذا يوجد محل تجاري صاحبه يسمى مصطفى ويقطن على مسافة قريبة أيضا بحي «سوسطارة»العتيق منذ الأربعينيات. مصطفي رجل مسن وخزان للذكريات، قال إن صاحب البناية حولها في الخمسينيات الى فندق للغرباء بعدما تعذر عليه إيجاد من يسكنها كون ناس المدينة يعرفون قصة «السكان المخفيين». و قال مصطفي إن كثيرا من الناس لم يصدقوا القصة واعتبروها مجرد أقاويل و أن الذي يحدث من صنع الإنس. وروى أن ثلاثة من الشباب الجامعيين كانوا يستهترون بمن يصدقون الحكاية فوعدهم أحد التجار بمبلغ معتبر من المال وبعشاء يختارونه وفراش راق إن هم قضوا ليلة واحدة بالعمارة، فتراجعوا فورا عن موقفهم وانصرفوا لأن الذي صدر منهم كان مجرد «تطاول على الخوف«و الخوف في هذا المقام حالة تعبر عن تصديق صاحبها ما يحكى عن المكان. و حتى اليوم تظل الأشغال معطلة منذ سنوات بلا سبب خارج موضوع الأ شباح، ولا أحد يولي اهتماما بالعبارات التي تحملها لافتة علقتها هنا مصالح الجزائر تحمل عبارات «تجديد الفندق ـ قريبا». ودخل المكان المهجور ضمن الديكور العام للمدينة. الجزائر ـ «البيان»