من الذي يملك القدرة على النظر في وجه طفل يموت جوعاً أو يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت التعذيب أو تحت نعال العسكر؟ من الذي يملك القدرة على نبش تلال من العظام البشرية من المقابر الجماعية، التي لا يكاد مكان في العالم يخلو منها؟ من الذي يستطيع أن يسمع صرخات العذارى والأمهات وهن يتعرضن لأبشع ما يمكن تصوره من الإذلال تحت تهديد الحربة وفوهة البندقية؟ ليست هناك حرب في العالم لم ترتكب فيها مجازر تقشعر لهولها الأبدان. لكن المآسي التي حدثت في ربع القرن الأخير فاقت كل خيال. وليست الحروب وحدها هي التي تصنع تلك المآسي، بل النتائج الوخيمة التي تنجم عنها، وعلى رأسها الأمراض والمجاعات. فهذه وحدها التهمت من الأرواح البشرية ما يستحيل إحصاؤه. وعندما يشاهد المرء تلك المآسي والمجازر بأم عينه، فمن الطبيعي أن يتحول من مجرد مصور حربي إلى مصور ناشط ضد الحرب. وهذه المجموعة الكبيرة من الصور التي اختارها جيمس ناشتوي لكتابه تظهر بأدق التفاصيل حجم المعاناة البشرية التي ألقت بظلالها على دول عديدة، خصوصاً في العالم الثالث. والمعاناة لا تكون فقط في المجازر والمذابح. فقد نجح المصور جيمس ناشتوي بمهارة في إدخال موضوع طبقة المنبوذين الهندية، ونطاق معاناتهم الذي يفوق حدود الخيال، ضمن تلك المآسي. فالمعاناة البشرية تختلف في الشكل وفي النطاق والمدى أيضاً لكنها تتساوى في النتائج سواء تمت بواسطة سلاح العدو أو عن طريق الاضطهاد العرقي أو الديني أو القومي. وقد لا يكون كتاب «الجحيم» أو Inferno غنياً في التعبير اللغوي عن محتوياته، إلا أن كل صورة من صوره التي يبلغ اجمالي عددها 382 تعبر دون حدود عن واحدة من أبشع جرائم الحروب في التاريخ، وعلاوة على ذلك فإن الكتاب يعتبر تحفة مذهلة بكل المعايير من الناحية الجمالية الصرفة. فصور ناشتوي تتجاوز إطار الصحافة المجرد. ولعل بصمات الأكف الدامية على جدار غرفة في كوسوفو، والأثر الذي خلفه جسم أحد ضحايا العنف الصربي على الأرض قبل أن يتلاشى، أو الأعين الزائغة في لحظة الموت لأفراد قبيلة الهوتو الذين لاقوا مصرعهم تقطيعاً بالسواطير، أو الطفل المقيد إلى سرير معدني بدون فراش، كل تلك اللقطات تعتمد في الحقيقة على المهارة المطلقة للمصور، وهي التي كان ناشتوي يمتلك الكثير منها. تلك الصور هي من النوع الذي يجعلنا نتصور كيف سنشعر لو حدث ذلك معنا. إنها من النوع الذي يصعب كثيراً نسيانه أو غفران الوحشية الكامنة في قلوب مرتكبيها، وهي تملك القدرة عبر مطاردتنا بعد ان تغيب عن عيوننا. لقد تجول المصور خلال التسعينيات في رواندا ورومانيا والصومال و البوسنة والهند وكوسوفو. وكان كتابه هذا محصلة لأهم الصور التي التقطها. وقد اختار الحجم الكبير للكتاب الذي يكاد يخلو من أية تعليقات على امتداد صفحاته التي تقارب الخمسمائة. لكن المقدمة الجميلة التي كتبها الناقد المعروف لوك سانتي تقدم أكثر من تعريف للكتاب وللمصور المعادي للحرب. وهذه الصور المنفذة جميعها باللونين الأبيض والاسود باعتبارهما الوسيط الحقيقي لفن التصوير الفوتوغرافي تستدعي على الفور تقريباً، مجموعة من التأملات التي لابد من التوقف طويلاً عندها والخروج منها بخلاصات واستنتاجات محددة ربما كانت في جانب من جوانبها هي الهدف النهائي الذي رمى هذا المصور المبدع الى تحقيقه. دور المصور الحربي ما هو الفرق بين المصور الحربي والمصور المعادي للحرب؟ ربما كان هذا الفرق في جوهره مجرد فرق أخلاقي. المصور الحربي يعيش في خط الجبهة ويزور أكثر المنطق التهاباً في العالم، ويشاهد أبشع ما يمكن تصوره من المناظر، ويصورها ليضعها أمام أنظار العالم. أما المصور المعادي للحرب فهو ذاك الذي يلتقط لحظات المعاناة والخوف، هو الذي يبحث بين القتلى والمشوهين عن أفضل التعبيرات عن اللحظات التي سبقت موتهم أو إصابتهم. المصور المعادي للحرب هو الذي ينظر إلى بعض أنواع (أعمال الطبيعة) كنوع من الحروب. ويستوي في ذلك الاضطهاد العرقي والمجاعة وغيرها من الجرائم الجماعية. في هذه الأخيرة قد لا تطلق القنابل، ولا يئز الرصاص، لكنها في واقع الأمر أدلة مهولة للقدرة البشرية وللكوارث التي يتسبب فيها البشر. والمشكلة في معظم الحالات هي أنه لا يوجد، أو لا يبقى، شهود أحياء بما يكفي لإدانة الفاعلين. وهنا يأتي دور المصور الحربي. فهو يعمل بإحدى طريقتين: إما كعين محايدة أو كمؤرخ متعاطف. عندئذ يتحول إلى شاهد ويصبح مصوراً معادياً للحرب. وهذا ما يمكن قراءته في كل واحدة من صور ناشتوي. المجموعة الأولى من الصور في هذا الكتاب الفريد من نوعه والصادر عن دار فايدون المتخصصة في الأعمال الفنية تتحدث عن رومانيا. هناك حظر الديكتاتور السابق نيقولاي تشاوشيسكو الذي أعدمته الجماهير الغاضبة عام 1989 استخدام وسائل منع الحمل، واعتبر أن قيام أي أنثى بتفادي الحمل والإنجاب لزيادة عدد اليد العاملة أمر يستحق أقسى العقوبات. لكن حكومته كانت عاجزة عن توفير الطعام والثياب والمأوى ووقود التدفئة للأعداد الغفيرة من الأطفال الذين رأوا النور خلال 24 عاماً تالية لذلك الأمر الجائر. عائلات كثيرة اضطرت بسبب عجزها عن إطعام صغارها إلى التخلي عنهم وإلقائهم في الشوارع، حيث كانت السلطات تضعهم في ملاجئ لا يجدون فيها الحد الأدنى اللازم للبقاء على قيد الحياة. ماذا كانت النتيجة؟ عندما قامت الثورة ضد تشاوشيسكو، عثر في تلك الملاجئ على نحو مئة ألف من أولئك الصغار وهم على شفا الموت جوعاً. وكانت غالبيتهم العظمى تعاني من أمراض لا شفاء منها، أو من تشوهات خلقية. ولعل الفاجعة الأكبر كانت في اكتشاف أن عدداً كبيراً منهم كان مصاباً بوباء الإيدز. ويعود ذلك إلى أن الأطباء الذين كانوا يشرفون على تلك الملاجئ كانوا يحقنون مرضاهم من الأطفال بدماء غير مفحوصة، مستخدمين ابراً غير معقمة، بسبب قلة الإمكانيات. وكانت النتيجة مرعبة حقاً. الصومال... قصة أخرى أما الصومال، فقصته مختلفة. فقد تعرضت تلك الدولة التي شاء لها حظها العاثر، أو قل حظ أبنائها التعس أن تقع في القرن الأفريقي ذي الأهمية الاستراتيجية الفائقة لصراعات الدول الكبرى التي نجحت في تجنيد قوات لها من قبائل الصومال، وسلحتها ودفعتها لمقاتلة بعضها البعض. وبعد عقد من الحروب، اضمحلت مؤسسات الدولة وتحولت الصومال إلى مقاطعات يحكمها سادة حرب قبليون لا يهمهم سوى جمع المال واحتكار السلطات على حساب عامة الناس. وكانت النتيجة المرة مجاعات لا تبقي ولا تذر أودت بحيات مئات الآلاف من البشر وقضت أو كادت على الثروة الحيوانية في بلد كان يصدر المواشي لمختلف أرجاء العالم. ولعل أسوأ جوانب المأساة أن علاج العواقب الوخيمة للحروب الأهلية هذا إذا توقفت سيستغرق عقودا طويلة ومزيداً من المعاناة البشرية. ولعل أبشع جوانب المأساة الصومالية أن سادة الحرب لم يكتفوا بما ارتكبوه، بل وصلت تعدياتهم إلى حد سرقة مواد الإغاثة المتنوعة التي كانت تتدفق أحيانا، وكلما تم التوصل لهدنة، إما لإعادة تصديرها أو بيعها محلياً لتحقيق مزيد من الأرباح دونما أي مبالاة بمن يموت جوعاً نتيجة لهذا. وعلى امتداد هذا الجزء من الكتاب يمضي القارئ او المتأمل لكتاب «الجحيم» ليحدق في عيون بشر يشارفون على الموت، عيون ملئت رعباً وفزعاً وبأساً ويطارده ـ كاللعنة ـ سؤال حائر: ماذا لو أن هؤلاء كانوا من أقاربي او يمتون الي بشكل او بآخر؟ هل ألزم الصمت واللامبالاة كما فعل الكثيرون على امتداد هذا العالم؟ مأساة المنبوذين في الهند، يعيش خمس عدد السكان، أو 200 مليون إنسان، في ظروف بالغة القسوة فرضها عليهم المجتمع منذ أقدم الأزمنة. وتشير مراجع التاريخ القديمة إلى أن القبائل الآرية التي اجتاحت الهند منذ 3500 سنة، فرضت على السكان الأصليين نظاماً أشبه ما يكون بنظام الرق. وقد جرى تقسيم المجتمع إلى طبقات عديدة من دون أي حساب للسكان الأصليين الذين أطلق عليهم منذ ذلك الوقت اسم «المنبوذين». وكانت أدنى أنواع الأعمال وأقلها أجراً على الإطلاق مخصصة لهؤلاء التعساء الذين أدت عمليات غسل الدماغ التي تعرضوا لها باستمرار إلى اقتناعهم بأن وضعهم طبيعي تماماً، وأنهم خلقوا لخدمة الطبقات الأرقى اجتماعياً، وهي تشمل عملياً جميع سكان الهند الآخرين. وتكتمل المأساة بمعرفة أن أطفال المنبوذين يكدحون مع آبائهم وأمهاتهم في ظروف يصعب وصفها، ومقابل أجور لا تكفي لإطعامهم، وذلك تحت نظر السلطات والمجتمع الذي نشأ على قيم لا تجعله يرى في ذلك أي ضير اجتماعي. معظم أطفال المنبوذين الذكور لا يعرفون حتى طريق المدارس، وعشرات الآلاف من بناتهم يتم بيعهن سنوياً لبيوت الدعارة. ويمكن ببساطة وصف المنبوذين بأنهم في حالة أدنى من العبيد، لأن سيد العبد يعد في النهاية مسئولاً عن إطعام وإلباس عبده. أما هم، فلا يتقاضون حتى ما يكفي لذلك. ويزيد الطين بلة أن المنبوذين يتعرضون في ولايات عديدة مثل بيهار، البنغال الغربية وأندرا براديش لغارات ميليشيات الطبقات «الأرقى» التي تهاجم تجمعاتهم، فتشنق وتهدم وتغتصب دون أن يردعها رادع. الحرب الأهلية في السودان على صعيد آخر وكما تبدو لنا من خلال صور هذا الكتاب لم تكن أفضل من غيرها من الحروب الأهلية. ومع سياسة الأرض المحروقة التي كانت تمارس على مدى سنوات طويلة، انتشرت المجاعات ونزح مئات ألوف البشر من قراهم وجلوا عن أراضيهم، فيما مات نحواً من ربع مليون إنسان جوعاً أو قتلاً. وقد بلغ من بشاعة الوضع أن الناس يترددون كثيراً في العودة لقراهم بسبب ما رأوه وعانوه في الماضي. أشباح البوسنة لم تكن أوروبا بمنجاة من تلك الأحداث والمآسي. فمع انهيار الستار الحديدي وما تبعه من انهيار الأساسات المصطنعة التي أقيمت عليها دول ما بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت يوغوسلافيا تحترق مثل غيرها. وسرعان ما تم استحضار أحداث مضى عليها قرون من الزمن، والانتقام لها. فانتشرت عمليات القتل الجماعية المنهجية التي كان الصرب يرتكبونها بحق المسلمين حيثما طالتهم أيدي الغدر. وكانت جلسات التعذيب، ومهرجانات الاغتصاب العديدة تتم تحت أنظار أوروبا التي نفضت يديها وأغمضت عينيها عن كل ذلك. لقد ارتكبت في البوسنة جرائم لم يكشف النقاب بعد سوى عن أقلها. ولعل الشيء الوحيد الذي أنقذ سكانها من حملات الإبادة العرقية التي بدأها الصرب والكروات ضدهم كان صمودهم في ميادين القتال وتضحياتهم الكبيرة والبطولات التي أبدوها. وفي رواندا كانت الصورة مختلفة تماماً، وإن تماثلت النتائج. ففي ليلة 6 أبريل 1994، أسقطت طائرة الرئيس الرواندي جوفينال هابياريمانا بصاروخ أطلقه عليها المتشددون من أفراد قبيلته الهوتو. كان الرئيس عائداً من مؤتمر إقليمي للقضاء على العنف القبلي. ولم يكن ذاك يروق للمتعصبين. وما إن تأكد موت الرئيس حتى انطلقت قطعان الهوتو المسلحين بالسواطير والخناجر تعيث فساداً بممتلكات قبيلة التوتسي وتقتل أفرادها دونما تمييز بين رجل وامرأة وطفل. ولم يكتفِ القتلة بذبح أفراد التوتسي والتمثيل بجثثهم، بل تجاوزوهم إلى قتل عشرات الآلاف من أفراد قبيلتهم نفسها لأنهم حاولوا وقف المجزرة والدفاع عن الهوتو. وقبل مرور وقت طويل كان أكثر من 800.000 إنسان قد ماتوا في تلك الموجة العارمة من الكراهية والحقد القبلي. نجم عن مذابح رواندا نزوح أكثر من مليون إنسان من قبيلة التوتسي إلى دولة زائير المجاورة، ربما في أطول قافلة هجرة في التاريخ. وما إن وصل هؤلاء واستقروا في معسكرات تخلو من جميع الظروف الإنسانية حتى تعرضوا لحرب إبادة من نوع آخر. فقد اندلعت حول معسكراتهم في جوما معارك بين الجيش والعصابات المسلحة، كل يسعى لانتزاع حصة من المساعدات التي بدأت تتدفق من أرجاء العالم لإغاثة اللاجئين. وقد شهدت تلك المعارك عمليات انتقامية متعددة الأطراف ذهب ضحيتها أعداد يصعب حصرها من اللاجئين التعساء. والغريب أن مذابح رواندا تمت بمعزل عن وسائل الإعلام التي كانت في حالات قليلة تصل بعد انتهاء المذبحة. أما مذابح جوما فقد جرت تحت أنظار العالم ووسائل إعلامه، ولم تجد من يحاول إيقافها لخوف المتفرجين على ما كان يصلهم من ثروات زائير. الشيشان وعشق الحرية اشتهر الشيشان منذ أقدم الأزمنة بعشقهم للحرية، وبتقاليدهم الحربية العريقة. ولذا لم يكونوا أبداً على استعداد للتخلي عن حريتهم مهما بلغ حجم التضحيات. وقد سبق لستالين أن أمر بإبعادهم عن موطنهم الأصلي عام 1944 بعد أن وصفهم بأنهم أعداء الدولة. لكن خروتشوف أمر بإعادتهم إلى منازلهم بعد أن خسروا أكثر من 100 ألف إنسان على يد الإرهاب الستاليني. وهكذا لم يكن غريباً على الشيشان أن يفضلوا الوقوف في وجه الجيش الروسي الهائل عدة وعدداً، لأنهم سبق أن ذاقوا على يد الجيش نفسه أهوالاً لا توصف. وهم لا يزالون يقاتلون حتى الآن على الرغم من تجاهل الغرب لمحنتهم خوفاً من إغضاب موسكو، وللحيلولة دون قيام دولة قوية مستقلة في جبال القفقاس بين البحر الأسود وبحر الخزر وفي هذا الكتاب تبدو ملامح من الروح الشيشانية الصلبة. كوسوفو والصمت القاتل لم يأبه العالم الغربي كثيراً بأحداث كوسوفو التي بدأت عام 1989 عندما أعلنها الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسفيتش قلباً لصربيا. ومنذ ذلك الحين بدأت ميليشياته ذات النزعات النازية بممارسة عمليات إبادة وتطهير عرقيين ضد الأكثرية المسلمة ذات الأصل الألباني في الإقليم. ومع ازدياد القمع، شكل المسلمون جيش تحرير كوسوفو، وأخذوا يتسلحون ويتدربون سراً. لكن قوات يوغسلافيا واصلت عمليات القتل الجماعي دون شفقة، مما استدعى تدخلاً عسكرياً دولياً، جاء متأخراً كثيراً. وبعد أن تم إخراج القوات الصربية من الإقليم، بقيت مهمة نزع سلاح جيش تحرير كوسوفو الذي اتجه للانتقام من المدنيين الصرب الباقين في كوسوفو. أما أعداد ضحايا العنف، فلا يعرفها أحد حتى الآن.