عندما اعيد افتتاح دار الاوبرا الملكية بلندن في ديسمبر الماضي، بعد انتهاء اعمال التجديد التي استغرقت اربعة اعوام، وبلغت تكلفتها 300 مليون دولار، وقف الجمهور مشدوهاً امام بريق التصاميم المعمارية الجديدة، ومستغرباً لمشاهدة الملكة اليزابيث الثانية تتراجع في اهتمام الجمهور مقسمة الطريق امام نجومية شركة «سيتي جروب» الراعية للأمسية. وتحلت ابرز معالم التجريد في قاعة الزهور التي حولت الى بهو فسيح بهيج يحمل اسم البرتو فيلار، عاشق الفنون والمستثمر الكوبي الامريكي الذي ساهم في المشروع بمبلغ 17 مليون دولار. ويقول مايكل كايسر، الذي استقال الصيف الماضي من منصب مدير دار الاوبرا الملكية بلندن، ليتولى ادارة مركز كيندي الفني بواشنطن ـ يقول انه لم يعد امام دار الاوبرا خيار اخر سوى التعويض عن تضاؤل الاعانات الحكومية الرسمية، ولذا فإن التيار العام في انحاء اوروبا يتجه الان نحو بناء قاعدة للتمويل الخاص. والاوقات العصيبة تستدعي اتخاذ اجراءات متهورة ويائسة احياناً. فدور الاوبرا في اوروبا، من البندقية الى برلين، تواجه تحديات كبيرة، مع انكماش ميزانياتها الرسمية وتدهور حالة بنيتها التحتية وهرم جمهورها ومواجهتها لاتهامات بالنخبوية، ناهيك عن الغزو السريع من جانب وسائل الاعلام الجماهيرية. وعن ذلك يقول مؤرخ الاوبرا البريطاني نورمان ليبرشت: «هناك علامة استفهام تدور الان حول الدور الذي تلعبه الفنون التمثيلية في ثقافة تزخر بامكانيات متنوعة ومتشعبة الجوانب للتسلية والترفيه. وفي محاولة للمحافظة على اسباب بقائها ورونقها تضطر فرق الاوبرا الاوروبية الان لاعادة النظر بمزيد من التمحيص في كل شيء، من اداراتها الى برامج العرض الى مصادر الدعم المالي. واضافة الى مشكلات التمويل التي تواجهها تضطر دور الاوبرا! اما للجوء الى الدعم الخاص، الذي قد ينفعها بشكل غير مباشر الى اتجاه فني معين، مراعاة لرغبة المتبرع، او اللجوء الى رفع ثمن التذاكر، الامر الذي يستثير ضدها اتهامات بالنخبوية، واضافة الى تلك المشكلات هناك ايضاً مشكلة اتحادات العمال القوية في اوروبا والتي ان تعطل عمليات دار الاوبرا. ففي الخريف الماضي نظمت كوادر اوبرا باريس عشرات الاضرابات الامر الذي ادى الى إلغاء عروض عديدة. وفي مدينة البندقية الايطالية شلت اعمال اعادة بناء دار الاوبرا، التي احترقت تماماً قبل 5 سنوات، وذلك بسبب سلسلة من الدعاوى القضائية حول عقود العمل. وعلى الرغم ان المحافظ ماسيمو كاشياري وعد باعادة افتتاح دار الاوبرا مع بداية عام 2000 فإن الموقع لايزال حتى هذه الساعة مغطى بالسقالات ولن يصبح جاهزاً قبل عام 2003 على اقل تقدير. وفي هذه الاثناء تقيم فرقة اوبرا البندقية عروضها في باحة مخصصة لوقوف السيارات على اطراف المدينة، وتجتذب اعداداً غير مسبوقة من الجمهور من سكان البلدات المجاورة الذين كانوا ينفرون من حضور عروض الاوبرا في وسط البندقية بسبب نظام الاقنية المائية المعقد في المدينة. ومن دون ادنى شك فإن اياً من دور الاوبرا الاوروبية لم يحقق النجاح الذي حققه اوبرا الباستيل الباريسية في اجتذاب رواد جدد من جيل الشباب، فعندما دشن الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران قاعة الاوبرا العصرية الحديثة في عام 1989، كان هدفه ايجاد «اوبرا شعبية» فحجم المسرح الكبير اتاح ببيع التذاكر بسعر معقول يمكن ان يشخص من عامه الناس من حضور الحفلات. وكان هيجو جال، الذي اصبح مديراً لأوبرا باريس في عام 1995، يسعى لايجاد اوبرا قومية حقيقية تجعل سكان الاقاليم يشعرون بالراحة والترحيب، ولتحقيق هذه الغاية أضاف المزيد من البرامج التجريبية لارضاء نطاق واسع ومتنوع من الاذواق، ورفع العدد الاجمالي للعروض من 140 عرضاً الموسم الماضي الى 186 عرضاً هذا الموسم. ونتيجة لهذه الخطوات اصبحت نسبة الحضور تتراوح بين 98 و 100 بالمئة في كل عرض، كما ان 20 بالمئة من الجمهور يأتون من مناطق تبعد اكثر من 100 كم عن باريس. ومتوسط اعمار زبائن الاوبرا انخفض من 49 سنة في عام 1997 الى 45 سنة في عام 1999 ولايزال اخذاً بالانخفاض. وتأمل لندن في ان تسير على خطى باريس في هذا المجال. فالبناء الزجاجي الجديد لدار الاوبرا الملكية يبدو اكثر انفتاحاً وجاذبية بالنسبة لعموم الناس من البناء القديم. وكما فعلت اوبرا باريس فإن دار الاوبرا الملكية خرجت ببعض الاساليب الجديدة لاجتذاب نطاق اوسع من الجمهور، بما في ذلك جلب فرق اصغر لتقديم المزيد من الاعمال التجريبية وتقديم حفلات موسيقية مجانية في وقت الغذاء. كما انها ستقوم بتقديم حفلات نهارية لتلاميذ المدارس ترعاها شركات خاصة. وهذا سيساهم في ازالة الحاجز النفسي، الذي كان يجعل العديد من الناس ينظرون الى الاوبرا على انها مكان لنخبة القوم فقط. ويمكن القول ان لندن في طريقها الان الى الاوبرا الشعبية التي لا يتردد اي شخص في دخولها. علي محمد