بعد ان اسدلت احدى ليالي شهر ابريل ستارها، تلألأت الجسور الواقعة على السطح الاسود من مداد سمك الحبار لخليج سان فرانسيسكو. حيث غلب النعاس معظم المدينة بعد ان اطبق عليها الضباب، لكن احدى زوايا ملتقى شارع سكسث وبرانان كانت تعكس صراخاً منداحاً من مجاز ضيق يقع ما بين مستودعين عملاقين. فداخل اسوار سوق الزهور في مدينة سان فرانسيسكو وتحت وهج اضواء الفلورسنت تجمع الناس بغمغمات مختلفة حول الوف الزهور، ومنها الجربارة البرتقالية المحمرة من كاليفورنيا، طائر الفردوس البرتقالي والاصفر والارجواني من هاواي، السحلبيات من كل شكل ولون من سنغافورة. وحملت خطوط الهاتف تذمر الزبائن الذين يتصلون من اجل الحصول على هذا الصنف او ذاك من طول الولايات المتحدة وعرضها. ولا تقف تجارة بيع الزهور عند حد معين من حدود الدراما الانسانية، فزهرة واحدة يمكن ان تذكي عاطفة متأججة او تخفف من غيرة حمقاء او تقوض اركان مرض ما بل كان بوسع الفرد خلال مرحلة الستينيات ان يشارك في الثورة الاجتماعية من خلال دس زهرة في شعره. لكن هناك تجارة هنا ايضاً. فبعد سوق لوس انجلوس، تعتبر سوق الزهور في سان فرانسيسكو السوق الكبرى في الولايات المتحدة، وهي الشيء الراسخ الثابت الوحيد في هذه المدينة المتغيرة على مدى سبعين سنة. كان انتاج الزهور على الصعيد العالمي وحتى نهاية مرحلة الثمانينيات مجرد تجارة عائلية، اي ان المزارع نفسها تزرع وتقطف الازهار نفسها لاجيال عديدة. غير ان هذه الحال لم تعد كما كانت. فالامريكيون وحدهم ينفقون الان 15 مليار دولار سنويا على الزهور والنباتات موزعة على 30 الف بائع ـ بائعة زهور و23 الف محل بيع كبير. وللمرة الاولى غدت تجارة الزهور موضع اهتمام عالمي كبير اوجدت منافسة حادة بل وفجرت معارك سياسية، وانتقلت عملية البيع والشراء الى مواقع الشبكة العالمية «الانترنت». في أحد صباحات شهر ابريل الحالي وبعد مهمة تجارية استغرقت زهاء عشر ساعات، انسل وليم زابتني صوب اخر المقاعد الفارغة في مقهى السوق. انه وعائلته من قدامى العاملين في سوق سان فرانسيسكو. ففي عام 1921، بدأ والد وليم في تأسيس مزارع العائلة باعتبارهم مهاجرين جدداً قدموا من ايطاليا. وهنا يقول زاب: «انها مهنة الرجل الفقير لان بوسع اي فرد اقتحامها» وخلال عقود انتعشت تجارة العائلة ولم تتأثر بمرحلة الكساد التي عاشتها امريكا خلال الثلاثينيات عندما اصبح الامريكي افقر من ان يستطيع شراء اللحم ففضل الزهور ليضعها بدلا من ذلك على مائدته لعله يشعر بالخير والسعادة. وخلال الستينيات، توسع زاب في تجارته ليصل إلى مرحلة شحن الزهور إلى أكثر من 30 مزارعاً في كاليفورنيا ومنهم إلى سائر ارجاء أمريكا. وفي غضون ذلك امسي زاب شخصية ذات شأن رفيع يقدم نصيحة الصباح لسكان فرانسيسكو تتعلق بماذا يتحتم عليهم الشراء من محلات الزهور لانه ـ كما يقول ـ كان يحاول تشجيع الناس على شراء الزهور على اساس يومي، وليس في المناسبات فقط. غير ان ارض امريكا ليست كأوروبا القديمة. فقد اقامت عائلة زابيتني شأن كثير من المهاجرين ـ مزارع الزهور الخاصة بها على ارض عرفت بعدئذ باسم «وادي سيليكون». ففي اواخر الثمانينيات وجدوا انفسهم وماملكوا من السوسن والتوليب وغيرها في قلب زلزال ثورة التقنية المتقدمة. فما كان امامهم من خيار سوى تفكيك بيوتهم الزجاجية وتأجير الارض لشركات التقنية. ومن الاهمية بمكان الاعتراف هنا ـ كما يقول زاب ـ بأن روح سوق الزهور الاصلية قد اندثرت ايضاً. فقد كانت الزهور تقطف وتباع بالقرب من موطنها لانها لا تستطيع العيش خلال رحلات طويلة، لكنها اليوم تقطع المسافات بفضل الشحن الجوي وانظمة التبريد المتطورة التي بدأت منذ الستينيات. واصبح بالامكان تغليف وشحن حتى الأزهار الرقيقة مثل السوسن والسحلبية لتصل ندية عطرة إلى اغلب اصقاع الارض. استقليت سيارتي ذات صباح عبر خليج سان فرانسيسكو متوجهاً إلى ريتشموند للقاء ليناهيل. كانت هي قد استيقظت باكراً ذلك الصباح لتناسق ازهارها. ولما وصلت كانت هي في قسم التغليف لاكمال شحنة ينبغي تسليمها في تلك الليلة الى السوق. انها تكمل مشواراً بدأه جدها عام 1899. انها تزرع اليوم في بيوتها الزجاجية مالم يسبقها اليه احد من انواع الزهور. ففي مطلع الثمانينيات قام والدها بزيارة إلى بوجوتا لالقاء نظرة على صناعة الزهور الجديدة في كولومبيا، وخلال عودته اخبر ابنته: «ارى قطار شحن قادم صوبنا» لقد كان والدها صائباً فقد سن الكونجرس الامريكي عام 1991 «قانون تجارة اندين» الذي يستثني الزهور الحية القادمة من كولومبيا والاكوادور من رسوم الاستيراد، فبلغت اليوم حصة كولومبيا وحدها من سوق الزهور الامريكية 45%. لقد كان لهذا القرار ان اغلقت الكثير من مزارع كاليفورنيا ابوابها ومن بينها بيل ساكايب الذي اغلق ااكبر مزرعة ازهار كان والده قد بدأها عام 1950 ولو علم والده انه سيتعلق يوماً ما تلك المزرعة لكان شعوره كمن سيقول لموزارت ان يتحول الى موسيقى الجاز. تعتبر هولندا اليوم اكبر مصدر للزهور الحية في العالم. ففيها سبع دور مزاد تتولى التعامل مع ما يقارب 60% من مجموع صادرات العالم من الزهور ومعظم هذه النسبة تمر عبر مزاد السميير للزهور الذي يقع على بعد 10 اميال جنوب غرب امستردام. انه دار مزاد حقيقية تماماً كما هي شنغهاي مدينة حقيقية وايفرست جيلاً حقيقياً. ان ميزانه مخيف حقاً، فحظيرته تعادل مساحة 120 ملعب كرة قدم وفيها خمس قاعات مزاد تبيع ما يعادل 19 مليون زهرة حية يومياً ستتم عبر 40 الف صفقة. ففي كل ليلة تصل الشاحنات المحملة بالازهار من اوروبا او تنقل الشحنات الجوية التي تصل من باقي مناطق العالم إلى مطار سيفول الدولي. يتقاطر بعدها المشترون ولتبدأ التجارة عند الساعة 6.30 صباحاً. بلغت صادرات هولندا من الزهور عام 1999 اكثر من 3 مليارات دولار ومن هنا استثمرت الحكومة الهولندية والشركات الخاصة ملايين الدولارات في تطوير مختبرات بحث يتمكن فيها العلماء من اطالة عمر الزهرة داخل زهريتها او تقوية عبيرها. وفي هذا يقول فان فيجك ـ مدير مزاد السميير: «ان اساس نمونا المستقبلي هو زراعة انواع جديدة من الزهور. انه الطريق الاضمن امام الخبرة الهولندية للمحافظة على موقع الصدارة لديها في السوق العالمية. فاذا فشلنا في تطوير زراعة ازهار جديدة فهذا يعني نهاية المكانة الهولندية عالمياً. وفي عام 1999 بلغت صادرات كولومبيا والاكوادور إلى الولايات المتحدة وحدها ما يقارب 143 الف طن من الازهار وبقيمة وصلت الى 470 مليون دولار عبر مطار ميامي الدولي. ويكفي القول هنا ان صناعة الزهور الاكوادورية قد اتت للبلاد بمنافع لا يختلف عليها اثنان. فأثناء الانهيار الاقتصادي الذي شهدته الاكوادور في حقبة التسعينيات كانت مدينة كايامبي الاكوادورية «حيث تشتهر زراعة الزهور» غارقة في نوم الركود. وعندما زرت المدينة ذاتها عام 2000 كانت هي المدينة الوحيدة في البلاد حيث لم يفقد الناس اعمالهم. فهناك اربعون شركة تملك بيوتاً زجاجية تغطي مساحة 1000 هكتار. وسواء انتعش المزارعون الافراد اكثر، من الشركات الكبرى والتي قد تمسك نهاية المطاف بزمام التجارة التي تشتري الازهار الحية بالجملة وتوزعها الى ارجاء المعمورة على نحو سريع واقتصادي ، او تقوقع اولئك المزارعون، فانهم سيمكثون في زراعة زهورهم وسوستهم.. انه قليل الخير والامل الذي يمكن ان نضعه على مائدة الطعام. مالك فاضل