باري ـ إيطاليا (و. ن. ل) ـ كلير بيدريك : وضعت الشرطة يديها في المعقل الجنوبي للمافيا الإيطالية، على اكتشاف مهم في أحد المستودعات. خمس سيارات كبيرة تسير بقوة دفع العجلات الأربع متوقفة الواحدة خلف الأخرى. للوهلة الأولى، تبدو تلك السيارات عادية، لكن التدقيق فيها يفضح تعديلات مخيفة أُدخلت عليها . خضعت هذه السيارات لتحويرات دقيقة كي تصبح أسلحة في ترسانة المجرمين من مهربي السلع، الذين يسيطرون على تجارة مربحة للغاية هي تهريب السجائر عبر البحر الأدرياتي بين جمهورية الجبل الأسود وجنوب إيطاليا. هياكل السيارات صُفّحت تصفيحا كاملا. وجُهّزت مقصوراتها كي تصبح واقية من الرصاص. أما العجلات فمُلئت بمادة السيليكون كي يتعذر اختراقها على أجهزة التحقق لدى الشرطة. على سطح السيارات تمّ إحداث فتحة بحيث يصبح في إمكان من فيها الخروج منها والهرب عندما تستدعي الضرورة ويسوء الوضع، أو قذف قنابل دخانية لإعاقة المطاردين. وجُهز في المقابل، إنبوب وُضع فوق المقعد الأمامي يمكن تذخيره بمسامير وزيوت تُبعثر على الطريق خلف السيارة لإعاقة الشرطة، وهذا التكتيك هو الأفضل بالنسبة إلى المهربين في هذا الجزء من إيطاليا . وعندما ترتفع حرارة المواجهة، فإن هذه السيارات التي تسير بقوة دفع من العجلات الأربع، وتُسمّى «موستري» أو عملاق، يمكن أن تصبح آلات قتل. فكل سيارة جُهزت بقضبان من الفولاذ المسنن بشدة، من الجهتين الأمامية والخلفية، وظيفتها اختراق أي سيارة تعترض طريقها. في العام الماضي، حصلت 112 حادث اختراق، ما أسفر عن 70 إصابة وأربع حالات وفاة. ومعظم الضحايا كانوا من عناصر الشرطة الذين علقوا في معركة خاسرة مع تجارة تهريب السجائر التي باتت مزدهرة جدا في الفترة الأخيرة. والمهربون عادة هم عادة بلا رحمة، فاثنان من الضحايا لا علاقة لهما بالمعركة بين العصابات والشرطة، كانا فقط قد تزوّجا وقررا تمضية العطلة على دراجة، وصادف حظهما العاثر أن يكونا في موقع المعركة . ارتفعت عائدات تجارة تهريب التبغ بين إيطاليا ومونتينيجرو وبلغت ملايين الدولارات إلى درجة أن الشرطة تكاد أن تعترف بصعوبة السيطرة على الوضع. العام الماضي، تمّ ضبط نحو 560 طنا من صناديق الدخان المهرّب عبر الطريق البحرية المعروفة جدا بين «بار» الولاية الساحلية الصغيرة في البلقان و المقاطعة الإيطالية القريبة منها التي تحمل الإسم نفسه «باري» الممتدة على الشاطيء الجنوبي لإيطاليا. تمّ توقيف أكثر من 500 شخص، وضُبطت نحو 900 سيارة تسير بقوة دفع العجلات الأربع وزوارق سريعة. ويوضح الجنرال «إدواردو إيسبوزيتو» القائد الإقليمي لشرطة الجمارك الإيطالية التي تقوم بمواجهة مهربي التبغ، إن «كل زورق من تلك الزوارق، ينقل بضاعة بقيمة 300 مليون ليرة إيطالية (150 ألف دولار أمريكي) عندما يغادر ولاية بار ويعبر الأدرياتي في مونتينيجرو، فيصبح سعرها نحو 340 مليون ليرة إيطالية (170 ألف دولار أمريكي) عندما يصل الزورق بأمان إلى إيطاليا، محققا ربحا لا يقل عن 20 ألف دولار أمريكي. إن أيا من عصابات الجريمة حول العالم لن تقول لا، لمثل هذه الوسيلة التي تدر أرباحا». التقديرات تشير إلى أن 12 زورقا تعبر الأدرياتي كل ليلة، ما يعني أن الأرباح لا بد من أن تجتذب أكبر الأدمغة في المنطقة في عالم الجريمة، بمن فيهم جماعة «لا ساكرا كورونا يونيتا» العصابة التي تسيطر على منطقة «أبوليا»، وجماعات الجريمة المنظمة السلافية والألبانية التي تعمل على جانبي الأدرياتي . التعاون بين الجماعات الإجرامية هو بمكان بحيث انتقل زعماء مافيويون كثيرون تابعون لجماعة «ساكرا كورونا يونيتا» للإقامة في الجبل الأسود إقامة دائمة. ويلقون هناك حماية المجرمين المحليين ويبتعدون عن مجال عمل مكافحي الجريمة الإيطالية. وعلى رغم الطلبات المتكررة من الحكومة الإيطالية، فقد أخفقت جمهورية مونتينيجرو في القبض على هؤلاء أو في إعادتهم إلى بلادهم. ويُعتقد أن العصابات المنظمة التي تقوم بهذا النوع من التهريب هي نفسها التي تقف وراء التجارة المربحة الأخرى على جانبي البحر وتشمل تهريب الأجانب والمخدرات والسلاح . تجهيزات متطورة وما يعمل لمصلحة المافيات في هذا الإطار، هو التجهيزات المتطورة التي يمكنها شراؤها. على الأرض، السيارات التي تعمل بقوة دفع من العجلات الأربع، كل واحدة منها يصل سعرها إلى عشرات الآلاف من الدولارات، وتُستخدم لحماية قوافل القاطرات التي تنقل الغنائم من السواحل إلى مخابيء في البر. أما في البحر، فيتحرك المهربون وينقلون بضائعهم غير المشروعة بزوارق سريعة جدا، يمكنها الفرار من وجه طرادات الشرطة وخفر السواحل التي تتربص بهم. هذه الزوارق، هي الأخرى، تمّ تجهيزها وتعديلها للمهمة كما السيارات. فرشها أزيل للتخلص من الوزن الزائد، ولإحداث مساحة إضافية لنقل علب الدخان. رُكزت عليها أضواء اضافية من الخلف بقصد إبهار أي شخص يحاول الاقتراب من الزورق. كل زورق من هذه الزوارق يقارب سعره 600 ألف دولار، وهناك نحو 80 زورقا تعمل بصورة دائمة وتخرج فقط من مرفأ بار المونتينيجري. ويقول المقدم «جوسيبي توسيني» آمر العمليات الإقليمية في شرطة الجمارك الإيطالية في باري . مكافحو الجريمة الإيطالية المحبطون نتيجة عدم توافر الإمكانات المادية لهم، بدأوا يلعبون لعبة المهربين. فقد صدر قانون جديد في إيطاليا، يمنح الشرطة السلطة في تدمير أي زورق يتم ضبطه ـ أو تحويره واستخدامه لمقتضيات الحاجة ـ وأخيرا وجدت العصابات نفسها مطاردة بزوارقها هي التي ضبطتها الشرطة في مطاردات سابقة وأُعيد طليها بألوان الشرطة . عودة إلى اليابسة، حيث طُبقت الاستراتيجية نفسها. فالسيارات الخمس ذات الدفع بقوة العجلات الأربع التي ضبطتها الشرطة في «باري» ستعدل لتناسب مهمات الشرطة، وتُستخدم في ملاحقة العصابات ورجالها الذين كانوا قد فصّلوا هذه السيارات على قياسهم. لكن، على رغم هذه الأسلحة الجديدة، فإن قوى حماية القانون وحفظ النظام تعلم أنها تعمل ضد العصابات في وضع غير متكافيء. فالشرطة تستخدم المروحيات لتقفي أثر المجرمين على طول الساحل في «أبوليا»، لكن هذا الشاطيء المعروف بممراته الضيقة ومداخله الصخرية، يجعل من المنطقة جنة للتهريب. يُضاف على ذلك، أن طوافات الشرطة غير مجهزة بكاميرات تعمل بأشعة ما تحت الحمراء، وتفتقر لتكنولوجيا الاتصال عبر الأقمار الاصطناعية. هاتان التقنيتان، كما تقول الشرطة، تساعدان في ضبط المطاردة ومراقبتها من قرب. وهناك أيضا اعتراضات على الآلية التي تتيح لتهريب التبغ أن يكون تجارة من الدرجة الأولى. فمعظم البضائع، هي أصلية، تُنتج في مصانع على امتداد أوروبا، من جانب الشركات الرئيسية العالمية لتصنيع السجائر. لكن كل شهر ، تختفي من الباب الخلفي كميات هائلة، بعلم وربما بتواطؤ من المصانع المنتجة نفسها، كما تقول الشرطة. من هناك، تُنقل البضاعة بشاحنات إلى جمهورية الجبل الأسود حيث تبدأ، وبعد تسهيلات واضحة من مسئولين حكوميين رفيعي المستوى، رحلتها عبر الأدرياتي إلى إيطاليا . المسألة لم تعد داخلية وعلى رغم اعتراضات روما والاتحاد الأوروبي، فإن أيا من شركات تصنيع التبغ ولا السلطات في الجبل الأسود، لم يتخذوا خطوات لوضع حدّ لهذه التجارة التي تدرّ ثروات تُقدّر بملايين الدولارات كل سنة من الأموال المهدورة. لكن، وكما يسارع مسئولو الشرطة الإيطالية إلى الإشارة إليه ، فإن المسألة لم تعد داخلية. حتى الماضي القريب، كانت معظم السجائر التي تصل إلى إيطاليا عبر البحر الإدرياتي، مخصصة للسوق الإيطالية وتُباع في أكشاك منتشرة في شوارع المدن، بسعر لا يكاد أن يُذكر أمام أسعار علب التبغ المشروعة في المحلات، ومعتمدي بيع السجائر. أما اليوم، فيصل نصف الدخان المهرّب إلى ما تبقى من دول أوروبا، حيث المستهلك على استعداد لشراء البضائع حتى بأسعار الأسواق الحرة . ويكمن جزء من المشكلة في مسألة توعية الناس الذين يشترون تبغا مهرّبا، ويوضح مكافحو الجريمة المنظمة ومنهم الجنرال إيسبوزيتو أن «شخصا ماراً في الشارع، يسعى إلى التوفير من خلال اللجوء إلى السوق السوداء لشراء سجائره، عليه أن يعلم أنه بعمله هذا إنما يموّل جماعات الإجرام، التي تعاود توظيف ماله في السلاح والمخدرات». وقد أدى إطلاق عملية هجومية سُميت «بريمافيرا» وتلحظ نشر 1500 شرطي إضافي من مختلف وحدات الشرطة في إيطاليا، على خطوط المواجهة مع المهربين، إلى تراجع مؤقت لمحاولات عبور الأدرياتي بالمواد المهرّبة. لكن هذا التراجع ليس سوى خطوة مؤقتة، فمسئولو مكافحة الجريمة يعرفون تماما أن حجم التهريب سيعود إلى وضعه المعهود . مساعدة عصابات الجريمة، هو الشعور العام المعادي للشرطة في مقاطعة «أبوليا» نفسها، حيث البطالة تشهد ارتفاعا حادا على غير مستوى ولا سيما في صفوف الشبان، في هذا الجزء النائي من جنوب إيطاليا، لم يخصّ السكان المحليون مسئولي الحكومة بأي اهتمام، على العكس اشتُهروا بمساعدة المهربين على النفاد من يد الشرطة، ففي إحدى المرات، ساهمت أحياء شعبية بأكملها في سد الطرقات لمنع الشرطة من الوصول إلى مكان محدد، ما أعطى الفرصة للمهربين كي ينزلوا بضاعتهم في شاحنات ويُتاح للجانبين أن يتواريا. غسيل في سويسرا أصدقاء المهربين موجودون أيضا في مواقع عليا. فكثير من الأرباح المحققة من تجارة تهريب السجائر يتم غسلها في حسابات مصرفية في سويسرا، كما يؤكد المحققون. وهناك أموال أخرى تُعالج بتواطؤ من مسئولين في مراتب عالية. في سويسرا، توصل تحقيق إيطالي سويسري كبير إلى توقيف أحد أكبر القضاة السويسريين . القاضي «فرنكو فيردا» اتهم بتسريب معلومات سرية للعقل المدبر في إحدى عصابات تهريب التبغ العالمية بأن تحقيقات متوقعة قد تتناول أنشطتها. في مناسبة محددة، قيل إن القاضي «فيردا» نبّه زعماء تجارة التهريب إلى وجود تحقيق يستهدف الأرباح الطائلة التي جنتها العصابة والتي يتم تبييضها في مصارف سويسرية يشمل التحقيق أكثر من 87 مافيويا مشتبها فيهم، ومصرفيين ووسطاء ومندوبين، جنسية معظم هؤلاء هي إما إيطالية أو سويسرية. وتتعرض سويسرا لضغط متزايد من جانب الاتحاد الأوروبي لمراجعة تشريعاتها التي لا تعتبر التهريب جريمة على الإطلاق. في الوقت الراهن، تتم معاقبة المهربين إذا ثبت أن ثراءهم يأتي من نشاطات جرمية أخرى . وتمنح قوانين السرية المصرفية التي تعتمدها مصارف سويسرية مزيدا من الحماية لجماعات التهريب العالمية. ويقول «ريكاردو ديبيتونتو» المدعي العام في باري: «سويسرا مستعدة لإرسال قضاتها إلى السجون، لكنها لن تفتح مصارفها»