يعتبر سوق الفجالة من أشهر الأسواق في مصر وأغربها أيضا، فهو يجمع بين تجارتين متضادتين على طول الخط لا يربط بينهما أي خيط على الاطلاق، فالسلعة الأولى والأصيلة في هذا السوق هي الثقافة والكتب بجميع أنواعها وهي السلعة التي كانت سببا في شهرة الفجالة، أما الثانية الوافدة على السوق فهي تجارة السيراميك والأدوات الصحية، والغريب أنه رغم التنافر الشديد بين السلعتين فإن كلا منهما يجد رواجا لا بأس به وإن كانت تجارة السيراميك والأدوات الصحية هي الأكثر رواجا بالطبع. وتذكر كتب التاريخ أن هذا الحي كان عبارة عن قرية اسمها (أم دنين) ولما تولى الأمير أبو بكر محمد بن طغج الاخشيدي رأس الدولة الاخشيدية حكم مصر عام 935م قام بتعمير أرضها وأنشأ بها بستانا سمي البستان الكافوري، وأما الخلفاء الفاطميون فقد اتخذوا من الفجالة مقرا للهوهم فبنوا فيها المناظر وغرسوا البساتين بل أنشأوا سراديب تحت الأرض من الأزهر حتى الفجالة لكي لا يراهم عامة الشعب عند ذهابهم للهو، ويعتبر الأمير سيف الدين المهراني أول من بنى جامعا وعمارة ودارا ومسكنا بالقرب من الفجالة وسماها منشأة المهراني، وأطلق اسم الفجالة حديثا على هذه المنطقة منذ حوالي مئتي عام لشهرة أرضها بزراعة الفجل وكانت الى عهد قريب من أكثر المناطق ازدحاما بالمسيحيين ويرجع ذلك الى عائلة قطاوي اليهودية التي كانت تمتلك أرضا هناك فباعوها لبعض أعيان الأقباط وكانت الفجالة أيضا مركزا لجذب السوريين وقد أطلق اسم كامل صدقي على الشارع الرئيسي للفجالة الذي يبدأ من ميدان رمسيس وينتهي في الظاهر وكان كامل صدقي الذي أطلق اسمه على الشارع نقيبا للمحامين ثم وزيرا بارزا في وزارة الوفد في الأربعينيات قبل ثورة يوليو. ويذكر علي مبارك فى وصفه حي الفجالة أن طول الشارع الرئيسي به 1150 مترا وبه من جهة اليمين حارة الفجالة غير النافذة، وبها عدة بيوت ثم سكة الاسماعيلية وبأوله جامع سيدي علي المنشلي بالقرب من جامع النشوطي وهذا الشارع جميعه من الأرض المعروفة بأرض الطبالة. وقبل جيء الفرنساوية كانت أرضه صعبة يصعب المرور عليها، ثم لما دخل الفرنساوية أرض مصر نظمت بعض الجهات في الشارع وجعلته ممتدا من قنطرة باب الحديد الى قنطرة العدوي، وكان السالك فيه يبصر على بعد البركة المعروفة ببركة الرطلي، ثم إنها ردمت بعد ازالة التلول، وانتظمت هذه الخطة من ابتداء ترعة الاسماعيلية الى سور البلد عرضا ومن جامع أولاد عنان الى بوابة الحسينية طولا، وبيعت الأرض المملوكة للحكومة وبنى فيها وفي غيرها من أرض الأهالي مبان هائلة وقصوراً فاخرة تحيط بها بساتين نضرة وحدائق مستحسنة وانقسمت الى حارات منتظمة وشوارع معتدلة فأصبحت نزهة للناظرين وبهجة للطالبين وكثرت الرغبة في سكناها لحسن موقعها وجودة هوائها وارتفاع قيمتها حتى بلغ ثمن المتر المسطح في أرضها نحو الثمانين قرشا بعد أن كان لا يساوي قرشا واحدا!! منارة ثقافية ولا يعرف أحد متى بدأ شارع الفجالة نشاطه الثقافي على وجه التحديد ولكن خلال جولتنا هناك اكتشفنا من خلال حديثنا مع مدير مكتبة مصر سعيد هاشم السحار ابن شقيق الكاتب الراحل عبدالحميد جودة السحار أن أقدم المكتبات في هذا الشارع هي مكتبة الهلال وأنشئت عام 1889 على يد ابراهيم زيدان ابن عم جورجي زيدان مؤسس «دار الهلال» تلك المؤسسة الصحفية العريقة، وقد عاش مؤسس المكتبة حوالي تسعين عاما ظلت خلالها منارة ثقافية إلا أنه بعد رحيله لم يعرف ورثته بقيمتها التاريخية وباعها الأحفاد منذ حوالي سبع سنوات وهاجروا، وباستثناء هذه المكتبة فإن معظم المكتبات العريقة ما زالت موجودة وصامدة ضد زحف الانفتاح الاستهلاكي المتمثل في السيراميك والأدوات الصحية، ويشير سعيد السحار الى أن معظم المحلات التي تحولت لهذه التجارة لم تكن مكتبات أو مطابع وإنما كانت خمارات ومقاه وأضاف قائلا أن مكتبة مصر التي تقع في أول الفجالة ويديرها منذ عام 1966 قد أنشئت عام 1934 على يد عمه سعيد جودة السحار الشقيق الأكبر للأديب عبدالحميد جودة السحار ومعها مطبعة كبيرة في نهاية الشارع ولم يجرؤ أحد على الاقتراب منهما لأن المكتبة والمطبعة يمثلان تاريخا ناصعا في سجل الثقافة المصرية التي شهدت خلال الأربعينيات والخمسينيات والستينيات نهضة كبيرة وميلاد عدد كبير من الأدباء المصريين وعن حركة البيع والنشر قال أنها تراجعت كثيرا بداية من السبعينيات وبمرور الوقت ازداد هذا التراجع وخاصة أن هناك شريحة كبيرة جدا تعتمد على ثقافة التليفزيون وكذلك لارتفاع سعر الكتاب وتراجع مستوى التأليف فلا نستطيع الآن أن نقول أن لدينا أدباء كبار من الجيل الجديد وما زالت المبيعات تعتمد على أسماء الكبار مثل نجيب محفوظ ويوسف السباعي وتوفيق الحكيم وغيرهم، حتى تصدير الكتب الى الدول العربية تراجع أيضا بسبب ارتفاع التكلفة في حين أن لبنان تقوم بهذا الدور الآن لأن التكلفة أقل لأن الورق وخامات الطبعة ليس عليها جمارك. المكتبة العزيزية الاسلامية انتقلنا الى مكتبة أخرى وهي من أقدم المكتبات في الفجالة واسمها المكتبة العزيزية وقد كتب على واجهتها من الخارج أنها تأسست عام 1932 على يد صاحبها عبدالعزيز قاتلان، التقينا بمدير المكتبة وهو أيمن عبدالعزيز فقال أن والده تخصص منذ بداية النشاط في الكتب الاسلامية وما زالت المكتبة تسير حتى الآن على نفس التوجه ونقوم بطباعة وتوزيع جميع أنواع الكتب الاسلامية التراثية والحديثة وعن زحف تجارة السيراميك والأدوات الصحية على السوق الثقافي قال إن هذا الزحف لا يهددنا لأن أصحاب المكتبات هنا يؤمنون تماما بأنهم أصحاب رسالة ثقافية ولا يستطيع أحد مهما كانت المغريات أن يغير هذه الفكرة داخلنا لأن العلم والثقافة حياتنا. مكتبات عريقة من أقدم المكتبات في هذا الشارع مكتبة نهضة مصر التي تأسست عام 1938 على يد أحمد محمد ابراهيم وهي مكتبة ضخمة يديرها الآن شخص يدعى محمد فوزي والمكتبة تبيع كافة أنواع الكتب الثقافية والدينية والعلمية وتقع في منتصف شارع الفجالة من الجهة اليسرى للقادم من ميدان رمسيس وهي في مواجهة محلات السيراميك مباشرة والتي تبدأ مع النصف الثاني من الشارع، وبجوار نهضة مصر توجد مطبعة الشمرلي التي تأسست عام 1957 وهي عبارة عن منفذ توزيع لمنتجات مطبعة الشمرلي الشهيرة وهي متخصصة في طباعة الكراسات والكشاكيل والنتائج، وعلى نفس الجهة توجد مكتبات الأهرام والشرق ومكتبة الفجالة التي تأسست عام 1919 ويملكها محمد عبدالحميد وعلى الجانب الآخر توجد مكتبة دار المعارف بفرعيها وقد أنشئت في الستينيات، وأثناء جولتنا في الفجالة التقينا بالمهندس محمد عبدالله صاحب المكتبة المصرية التي تأسست عام 1940 على يد والده ويقول المهندس محمد أن شارع الفجالة كان منارة ثقافية طوال فترة الخمسينيات والستينيات لأن أي أديب كان يستطيع نشر مؤلفاته من خلال أي مكتبة من المكتبات الكبرى الموجودة هنا لكن للأسف الحال الآن تغير فلم يعد في استطاعة أي مكتبة نشر أي كتاب بسهولة كما كان في الخمسينيات والستينيات لأن مستلزمات الطباعة مرتفعة السعر وبالتالي ارتفع سعر الكتاب ولم يعد في استطاعة المواطن العادي شراءه وعلى سبيل المثال هناك شاعر كبير لم يصل اجمالي عدد النسخ التي تم توزيعها من ديوانه الأخير مئة نسخة في حين أن أديبا كبيرا حصل من قبل على جائزة أفضل كاتب لم توزع روايته الجديدة ثلاثمئة نسخة ولذلك ليس غريبا أن تطلب أي دار نشر من المؤلف المساهمة في طباعة مؤلفه حتى لا تتعرض الدار للخسارة. بضائع اسرائيلية ويشير محمد ربيع صاحب المكتبة القانونية الى خطورة الوضع الحالي فيقول إن تجار السيراميك يحققون أرباحا طائلة ويتاجرون في كل الأدوات الصحية المستوردة والمحلية لدرجة أنهم يعرضون بضائع اسرائيلية في محلاتهم ويروجون لها وهم لا يملون في طلب شراء المكتبات التاريخية الموجودة في الشارع لتحويلها الى محلات أدوات صحية تعرض الخلاطات والحنفيات والقيشاني والسيراميك بدلا من مؤلفات نجيب محفوظ والجاحظ وابن كثير، هؤلاء لا يعرفون قيمة الثقافة وكل ما يهمهم هو الحصول على منفذ جديد لتصريف بضائعهم الاستهلاكية وقد سمعت منذ فترة قريبة عن عرض تقدم به أحد التجار الكبار هناك لشراء مطبعة دار مصر مقابل عدة ملايين من الجنيهات وهذه المطبعة العريقة التي تتكون من ستة طوابق كانت مركزا للاشعاع منذ عام 1934 عندما أسسها الراحل سعيد جودة السحار وعلمت أن العرض قد رفض من ورثته لكنني أخشى مع كثرة الالحاح والركود الحالي الذي يشهده سوق الكتاب أن يضعف أصحاب المكتبات أمام الاغراء المادي، نحن نعاني أيضا كأصحاب مكتبات من الباعة الجائلين الذين احتلوا أرصفة الشارع وجعلوا منها سوقا لبيع الأقلام والكراسات والاجندات وخلقوا زحاما جعل الشارع وكأنه منطقة عشوائية وهو ما يؤثر سلبا على أصحاب المكتبات المجاورة المتخصصة في بيع هذه المستلزمات، وأنا أرجو من وزارة الثقافة ومحافظة القاهرة أن يقوما معا بالحفاظ على هذا الشارع العريق باعتباره منارة ثقافية أسوة بسور الازبكية حتى لا نفاجأ يوما ما باختفاء المكتبات وتحول الشارع الى سوق للأدوات الصحية فقط.