هل مازال الوطن العربي يعاني منع الكتاب ومصادرة الفكر؟ للاسف نعم وبعيدا عن خطورة هذه القضية على المستوى الثقافي، فانها تشكل عبئا كبيرا على الناشر العربي الذي يعمل في ظل ظروف تشمل حركته وتكاد تقضي عليه. والسؤال المحير هل اصبح من المعقول ان نمنع كتابا في عصر السماوات المفتوحة والانترنت؟ حول هذا استطلعت «البيان» اراء بعض الناشرين المشاركين في معرض ابوظبي للكتاب. يقول الدكتور مجد حيدر من دار« ورد» السورية: قضية الكتاب الممنوع تؤدي الى نتائج كارثية فعملية المنع تعرضنا كناشرين للكثير من المغامرات ففي كل معرض ندعى اليه صرنا ننتظر كتبنا اذا وصلت او لا وما الذي سيصادر وما الذي سيسمح به، في معرض سابق لن اذكر اسمه لم تصلني شحنة كتب وفوجئت انها مصادرة وعندما ذهبت لاستلامها وجدتها سرقت وكمية اخرى مبلولة بالمياه وفي معرض اخر وصلت الكتب وقد دعستها الاحذية.. هذا نموذج من المعارض التي يجب ان تكون وجهاً مشرقاً لنا.. وقد لاحظت ان كل العناوين تدخل الى اي بلد عربي عن طريق تجار الكتب بطرق ملتوية وتباع بالسوق السوداء، فنحن نفعل ذلك والعالم يتطور وما عاد ينظر لقصة المنع وغيره، لكن للاسف هناك مشكلة لدى بعض السلطات العربية مع الكتاب وهي تشن حرباً غير معلنة وغير مبررة وهذا خوف وجهل بالحقائق، وقد تعرضت لمشكلة المنع هذه مع كتاب «وليمة لاعشاب البحر» للروائي حيدر حيدر في بعض المعارض فيها والبعض الاخر لم يعترض عليها لان هناك اناساً عقلانيين ادركوا ان ما حدث لكتاب الوليمة لعبة سياسية تهدف لاي شيء غير الاخلاق والثقافة، الغريب ان القاريء يسعى للحصول على الكتاب الممنوع مما يؤدي الى ان تتبارى دور النشر في ان يمنع لها كتاب حتى يتم توزيعة اكثر.. لكن انا احب ان اؤكد ان معرض كتاب أبوظبي من افضل المعارض العربية ولم نتعرض فيه لاي منع او اعتراض وانا اعتبره هو ومعرض دمشق من افضل المعارض العربية على مستوى التنظيم والادارة حتى وان كانت هناك معارض اخرى اكثر توزيعا واكبر حجما. ومن «دار الكندي» الاردنية يقول بسام سركيس: ليس بالضرورة ان يكون الكتاب الممنوع من انتاج الناشر، الناشر الان في غالبية الدول يلجاً الى الترخيص او رقم الايداع حتى يأخذ الوضع القانوني، اذا حصل على رقم الايداع هذا اصبح غير ممنوع، تبقى مسألة توزيعه الذي قد يسمح به في بلده ولا يسمح به في اي بلد اخرى والعكس صحيح قد يستورد كتاب من الخارج كان مسموحا به في بلده واصبح ممنوعا في بلد اخر، انما اجمالاً الهامش الديمقراطي توسع في اغلب البلاد العربية وخفتت حدة المنع للكتب ما عدا بالطبع العناوين التي تشكل خطاً احمر بالنسبة لبلد ما، انما اجمالا اصبحت مسألة الممنوع قليلة في البلاد العربية وهناك دول رفعت الرقابة نهائيا، مثل معرض أبوظبي الذي رفع الرقابة نهائيا لكن باقي الدول العربية تمنع بعض الكتب.. وعموما الكتاب الممنوع يبيع اكثر فاذا ما قرأ احد ان كتابا ممنوعا سيبحث عنه حتى يحصل عليه، بذلك يصبح المنع دعاية مجانية للكتاب ولو كنت في موقع المسئولية لن امنع كتابا، لان المنع يعطي احيانا بعض الكتب حجما اكبر من حجمها الحقيقي، حتى ان بعض الناشرين يتمنون ان يمنع لهم كتاب. ومن «دار المدى» السورية يقول نوفل صالح: هذه مشكلة بالنسبة لنا ونعاني منها بشدة، بالطبع اؤكد ان معرض أبوظبي لا يوجد فيه شيء اسمه ممنوع، لكن معظم البلاد العربية لها شروط وخطوط حمراء ونحن كدور نشر نعاني من مصادرة الكتاب ومنع الكتاب لدرجة صرنا نعتقد انها مشكلتنا لكنني لاحظت ان هناك مجموعة دور نشر تتكرر معها نفس المشكلة، للاسف الشديد الرقابة مفهوم قاصر لأنه لا يتفاعل بشكل موضوعي مع الاليات الثقافية العربية، والرقيب العربي يتعامل مع الناشر بعدائية شديدة غير مبررة، وإذا كنا مع منطق الرقابة على اساس ان يتحمل كل ناشر مسئولية ما يقوم به، لكن يجب ان تراعي الرقابة عقل القاريء، وقد تفاجأت في معارض الكتب العربية بوجود كتب فقط للاستهانة بالعقل العربي وتسطيحة مثل «الف نكته» وغيره وهذه كتب لا تصادر، لذا اتفاجأ عندما يتم مصادرة دراسات وبحوث واعمال ابداعية رصينة بذلت جهود في تنفيذها، لأن الرقيب يقرأ ويفكر غالبا بعقول رؤسائه، عموما هي مسألة صارت ازمة مدمرة للثقافة العربية فالناشر حتى لا تصادر كتبه يعيد النظر حتى في تسمية الكتاب وشكل الغلاف وكل سطر فيه وكأننا نريد ان نخرج كتاباً شرعيا وغالبا المنع يتم بشكل تعسفي وعشوائي ومن باب ان المنع سهل ولا يتحمل المسئولية عكس السماح الذي وراءه مسئولية، والجميع لا يدركون ان منع الكتاب يقدم له دعاية مجانية لزيادة توزيعه ويمكن أن تشوه قراءة العمل نفسه لان القاريء يسعى خلال مطالعته للبحث عن سبب المنع بين السطور. ويقول عبد الحي احمد فؤاد من دار الفجر للنشر والتوزيع من مصر: الكتاب العلمي لا يتعرض للمنع ابدا فهو مطلوب في اي مكان فيما عدا لو هناك كتب تاريخ او جغرافيا وتحتوي على خرائط تتدخل في رسم الحدود بين بعض البلاد بالطبع اقصد حدوداً متنازعاً عليها وهذه نسبة قليلة لا تذكر. ويقول قاسم بركات من لبنان (دار الفارابي): في لبنان لا يوجد لدينا رقابة تمنع نشر كتاب لكن نحن نعاني من انتقال كتبنا من بلدنا الى الدول الاخرى وكل بلد عربي لديه قائمة خاصة به من الممنوعات، كل هذا غير معقول في زمن لم يعد باستطاعة احد ان يمنع وصول اي شيء عن جماعة من الناس لان الكتاب الممنوع من الممكن ادخاله الى الانترنت بمنتهى السهولة ليدخل اليه اي انسان في اي وقت ويقرأه ويطبعه ويحتفظ بنسخة منه ايضا، هذا اسلوب غير واعٍ بالاضافة الى ان المنع يقتصر على الكتب الفكرية الابداعية ولا يمنعون مثلا الكتب الجنسية او كتب الشعوذة رغم ان الاول ينمي العقل والاخر يشوهه، لقد صرت اضحك عندما ارى مدير الرقابة في اي بلد عربي يمنع الكتب الهامة ويسمح للكتب الهزلية بأن تعبر وتوزع وتنشر وما الى ذلك ولا ادري ما الفائدة من وراء المنع انهم يسببون لنا مشاكل كثيرة في توزيع الكتاب وسهولة وصوله الى اكبر قدر ممكن وان كل ممنوع مرغوب والمنع يصبح دعاية مجانية للكتاب. عمرو علي اسماعيل من دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة يقول: هناك بعض الكتب التي لا تتوافق وافكارنا وتقاليدنا تمنع نشرها عندنا ولكنها تكاد تكون معدومة، فانا لم اتعرض لمصادفة كتاب ممنوع من النشر او التوزيع لدينا ولم يأت الي قاريء ليسألني عن كتاب ممنوع يريد اقتناءه. اما بدران المخلف من اتحاد كتاب وادباء الامارات فقال: عندما يتحدثون عن كتاب ممنوع فهذا يثير الناس الذين يبحثون هنا وهناك عنه. وفي اعتقادي لم يعد هناك كتاب ممنوع في الوقت الحاضر لانه من الممكن ان يحصل عليه من الانترنت ويستنسخه . لكن نحن جمعية نفع عام وجزء من المجتمع ونسعى للتطوير واختيارنا للعناوين منذ البداية هو اختيار لمبدعين من الامارات سواء في القصة او الشعر او الرواية وهذا لا يوجد فيه ما يمنع فالمنع يكون في كتب السياسة وغيرها اما نحن كاتحاد كتاب لم نعانِ من قصة المنع هذه ابدا. ويقول صالح عبد الله البرشة من دار الجماهيرية للنشر والتوزيع بليبيا: لم يعد للرقابة الان اي دور بعد الفضائيات فقد اصبح العالم قرية واحدة صغيرة، فما يمنع في بلد الان يمكن الحصول عليه من اي قناة فضائية وبالنسبة للكتاب تحصل عليه من الانترنت.. واستمرار الرقابة على الكتاب الان ما هو الا جهل ترتكبه بعض الدول.. عموما نحن لم نتعرض لمشاكل المنع لاننا نحاول ان نراعي نشر كل ما هو نافع ومفيد للقاريء العربي ولا نمس اي دولة عربية، فعملنا بالدرجة الاولى ليس فيه ربح لذا لابد ان نقدم الافضل.